عالم الظلال المفقود - الفصل الثالث والعشرين - بقلم Yahya Al-Haddad - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عالم الظلال المفقود
المؤلف / الكاتب: Yahya Al-Haddad
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والعشرين

الفصل الثالث والعشرين

الفصل الثالث والعشرون لم تكن مملكة الظلال المفقودة تعرف صمتًا تلك الليلة، فالنار والدم والهواء امتزجوا في سيمفونية واحدة من الخراب. ثلاث معارك ملتهبة كانت تمزّق أطراف الغابة، بينما الضباب الأسود يغمر السماء حتى بدا كأنه يريد ابتلاع الضوء كله. في الشمال، كان مارس يواجه ثاريم الرابع، وهما كوحشين خرجا من نجمٍ قديمٍ احترق منذ دهور. كل ضربة من سيف مارس تصنع دائرة من النار، وكل حركة من رمح ثاريم تخلق شقوقًا من العدم. لم تكن معركة عادية، بل كانت مواجهة بين النار والفراغ. قال ثاريم وهو يلوّح برمحه الملطخ بالدماء: "أنتم تقاتلون لأنكم لا تفهمون أن النهاية بدأت منذ أول خطوة لكم في أرض الظلال." أجابه مارس بصوتٍ متعب لكنه ثابت: "والبداية دائمًا تولد من قلب النهاية، ولن أسمح أن تكون نهايتي هنا!" اندفع الاثنان مجددًا، وتصادم الضوء بالظلال حتى اختفت معالم المكان تمامًا. وفي الغرب، كانت العواصف تصرخ في السماء، حيث يقف جبار وسط دوامة من الرياح تواجه ماركون، سيد العواصف وخصمٍ لا يعرف السكون. كلما حاول جبار الاقتراب، دفعته الريح كأنها جدار من السكاكين. ضحك ماركون وهو يرفع ذراعيه نحو السماء: "أنت تتحدى العاصفة؟ أنا الغضب نفسه!" ابتسم جبار رغم الدماء على وجهه، وقال بصوتٍ عميق: "العاصفة قد تقتلع الشجرة… لكنها لا تقتل الجذر!" ثم غرس فأسه في الأرض، فاهتزت التربة، وتجمعت الصخور لتكوّن درعًا حجريًا ضخمًا حوله. بدأ يتقدم وسط الرياح ببطءٍ، بخطواتٍ ثقيلة لكنها لا تتوقف، كأن الجبل نفسه يسير ليحطم الإعصار. وفي عمق الغابة البنفسجية، كانت مليكة ما تزال تخوض معركتها ضد إيزيرا، المرأة التي تعكس كل ضوء وكل ألم. كان رمح مليكة يلمع، لكن كل ضربة تعود عليها مضاعفة. ومع ذلك، لم تستسلم، بل بدأت تفكر بطريقةٍ مختلفة. أغلقت عينيها، وسكبت طاقتها من قلبها، لا من سلاحها. قالت إيزيرا بسخرية: "ما الفائدة من الإيمان حين يواجه المرآة؟" فأجابت مليكة بصوتٍ واثق: "المرآة لا تعكس إلا من يقف أمامها… وأنا لم أعد أراكِ." ثم ضربت الأرض بطرف رمحها، فانفجر منه ضوءٌ داخليّ اخترق انعكاس المرآة نفسها، وبدأ جسد إيزيرا يتشقق كزجاجٍ متصدّع. لكن بعيدًا عن تلك المعارك الثلاث، كان قريش يسير وحده في عمق الغابة السوداء، حيث لا يُسمع سوى أنين الأرض نفسها. الظلال تتراقص حوله كأنها تعرف اسمه، والبرد يزداد كلما اقترب من قلب الغابة. كان يبحث عن أثر للساحر أو أحد أعوانه، لكنه لم يكن يعلم أن من ينتظره هناك ليس مجرد تابع… بل أحد الاثني عشر الشرير. توقف قريش فجأة، إذ شعر بوجودٍ خلفه. التفت ببطء، فرأى رجلًا يقف وسط الظلال كأنها تتنفس من جسده. كان طويلًا، نحيلًا، يلبس عباءة رمادية تتطاير أطرافها في الريح رغم سكون الجو. على وجهه قناع أسود تتقاطع عليه علامات فضية تشبه العيون. قال الرجل بصوتٍ أجوف: "ها أنت أخيرًا يا قريش… الباحث عن الحقيقة. أتعلم أن الحقيقة نفسها قد تقتلك؟" قبض قريش على سيفه وقال بثبات: "من أنت؟" ردّ ببطءٍ مرعب: "اسمي أورفان السابع… السادس بين الظلال الاثني عشر. سيد الإدراك، ومحرّف الواقع." تجمد الهواء من حولهما، وبدأت الأشجار تتغيّر ألوانها وتتشوه، ثم تذوب كأنها حلم ينهار. نظر قريش حوله، فوجد الغابة قد اختفت، واستبدلت بفراغٍ أبيض يمتد إلى ما لا نهاية. قال أورفان وهو يمد يده كأنها تتحول إلى دخان: "في عالمي، ما تراه ليس ما هو موجود… أستطيع أن أجعلك تموت ألف مرة دون أن ألمسك." أغلق قريش عينيه للحظة، ثم قال بهدوءٍ كمن يقف في وسط العاصفة: "ربما تتحكم في العيون… لكن ليس في الإرادة." ابتسم أورفان بسخرية: "سنرى كم تصمد إرادتك حين ترى موتك بنفسك." بدأت الصور تتبدل حول قريش — رأى أصدقاءه يُقتلون واحدًا تلو الآخر، رأى ريحان ينزف، ومليكة تسقط، وليلين تصرخ. كان الألم واقعيًا كأنه يحدث حقًا. سقط قريش على ركبتيه، لكنه تذكّر كلمات ليلين ذات يوم: "الظلال لا تستطيع خداع من يرى بقلبه." فتح عينيه مجددًا، فاختفى الوهم فجأة، وظهر أورفان أمامه مذهولًا. قال قريش بصوتٍ عميق: "إدراكك هشّ… لأنك لم تعرف النور لتدرك الظلام." ثم اندفع نحوه بسيفه المضيء، وضرب القناع في منتصفه. تراجع أورفان وهو يصرخ، والضباب يشتعل حوله كأن العدم ينزف. قبل أن يتلاشى، قال بصوتٍ خافت: "لقد رأيتني حقًا… لكنك لم تهزمني بعد، يا قريش… الإدراك لا يموت، بل ينتظرك في الحلم القادم." وقف قريش وحده وسط الغابة التي بدأت تستعيد شكلها، يتنفس ببطء وهو ينظر إلى سيفه المغطى ببقايا الظلال، وقال بصوتٍ منخفض: "ستسقطون واحدًا تلو الآخر… فالنور لا ينهزم، حتى وإن اختفى." وفي الأفق، كانت السماء ما تزال تشتعل بالمعارك الثلاثة، كأن القدر نفسه ينتظر من سيسقط أولًا: الظل… أم النور.