الفصل الثالث عشر
الفصل الثالث عشر: سقوط مملكة الظلال
كان الليل هادئًا على نحوٍ مريب في مملكة الظلال المفقودة، النجوم بدت وكأنها تذوب في السواد، والقصر العتيق يغطّ في سكونٍ ثقيل لا يشبه أي ليلةٍ سابقة. جلس الملك العجوز على شرفته، ينظر إلى السماء التي أحبها، يشعر بأن شيئًا ما في الأفق ينهار دون أن يراه بعينيه. في داخله، كان يعرف أن العرش لم يعد له، وأن زمنه يوشك على النهاية، لكنه لم يكن يدري أن نهايته ستكون الليلة.
في أروقة القصر السفلى، تحرك الوزير داركوس بخفةٍ كالثعبان، يتقدمه الأمير فيصل ووراءهما صخر. كانوا يسيرون بخطواتٍ ثابتة، لا يوقفهم حراس ولا صوت، لأن الخيانة كانت قد استقرت في كل زاويةٍ من هذا المكان. داركوس قال بصوتٍ خافتٍ وملتوٍ:
"حين يسقط الملك الليلة، لن تكون هناك فوضى، بل ولادة عهدٍ جديد، عهدكم يا مولاي فيصل."
فيصل أطلق ابتسامةً باهتة، لم تكن فرحًا بل انتقامًا مكبوتًا منذ سنين. "العرش لي بالدم… لا بالقانون."
في الأعلى، كان الأمير ريحان يتحدث إلى ريان وكاسر والأميرة ليانا. كان يشعر بشيءٍ غريب في صدره، وكأن قلبه ينبض تحذيرًا. قال بصوتٍ حاد:
"هل سمعتم؟ لا أطمئن لهذه الليلة، كأن هناك عاصفة تختبئ خلف الصمت."
كاسر وضع يده على مقبض سيفه وقال: "كل شيء هادئ أكثر من اللازم، سأضاعف الحراسة حول القاعة الملكية."
لكن ريان، بعينيه التي ترى ما لا يراه الآخرون، شعر بشيءٍ آخر — ظلال تتحرك من تلقاء نفسها، تهمس بلغاتٍ غريبة. قال بصوتٍ متوتر:
"إنهم قادمون… ليس من الخارج، بل من داخل القصر نفسه!"
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى سمعوا صرخةً اخترقت سكون الليل، تلاها صوت اصطدامٍ مدوٍ، ثم انطفأت أنوار القصر كلها دفعةً واحدة. اندفع ريحان من مكانه، ركض نحو القاعة الملكية والسيف في يده، كاسر وريان وليانا خلفه. كل الممرات امتلأت بوهجٍ أحمر قاتم، ورائحة الدم تسللت إلى أنوفهم قبل أن يروا مصدرها.
حين دخلوا القاعة، كان المشهد أقسى مما يتخيل أي قلب. الملك العجوز جالسٌ على عرشه، رأسه مائل إلى الخلف، وسيف غارق في صدره، ويدٌ ترتجف وهي تمسك بالمقبض — يد فيصل نفسه. لم يكن هناك تردد في عينيه، فقط ظلامٌ مطلق.
صرخ ريحان بصوتٍ ملأ القصر كله:
"فيصل! ماذا فعلت؟! هذا والدك، ملكك، من أعطاك الحياة والاسم!"
لكن فيصل نظر إليه ببرود وقال:
"لقد انتهى زمنه… وزمنك أيضًا. مملكة الظلال لن تُحكم بالعاطفة بعد الآن، بل بالقوة، وأنا القوة."
تحرك كاسر بسرعة ليهاجمه، لكن صخر اعترض طريقه بسيفه، واشتعلت بينهما معركة نارية، الشرر يتطاير من الحديد، وصوت ضرباتهما يدوّي كالرعد. ليانا كانت تبكي وهي تحاول الاقتراب من والدها، لكن الظلال الحارسة التي استدعاها الوزير داركوس من أعماق الأرض منعتها، التفّت حولها كالأفاعي، حتى تدخل ريان واستخدم طاقته ليصدها.
ريحان انقضّ على فيصل، ضربة تلو الأخرى، لكن فيصل لم يعد كما كان، كان يستخدم قوى مظلمة منحها له الساحر الذي أعادوه إلى الحياة، قوى جعلت عينيه تشعان بسوادٍ لا يرى النور. تصادمت سيوفهما، الشرر أضاء القاعة مثل البرق، والدماء تناثرت على الجدران الحجرية.
الوزير داركوس وقف يضحك بخبثٍ من الزاوية، وقال بصوتٍ مترددٍ بين الفرح والجنون:
"ها هو العرش يسقط بيد وريثه الشرعي الجديد! ودّعوا مملكتكم أيها الحمقى، فقد بدأت لعنة الظلال تحكم من جديد!"
ريان أدرك أن لا أمل في إنقاذ القصر، فصرخ في الجميع:
"يجب أن نرحل الآن، هذه ليست معركة يمكن الفوز بها!"
كاسر أصيب في ذراعه لكنه واصل القتال ليمنحهم وقتًا، بينما ريحان حمل الأميرة التي فقدت وعيها، والدموع تنهمر على وجهه، وهو ينظر إلى جسد أبيه المسجّى على العرش. همس بصوتٍ مكسور:
"أقسم أني سأعود… وسأعيد المملكة كما كانت، أو أموت في سبيلها."
هرب الأبطال عبر الممرات السرية التي كانت معروفة فقط للعائلة المالكة، بينما الظلال تلاحقهم وتهمس بأسماءهم كأنها تعرفهم واحدًا واحدًا. خرجوا إلى الغابة السوداء خلف القصر، وهناك توقفوا بعد مسافةٍ طويلة، يلتقطون أنفاسهم، بينما أضواء القصر تتلاشى في الأفق.
كاسر جلس على الأرض وهو ينزف، وقال:
"لقد خسرنا المملكة… خسرنا كل شيء."
لكن ريحان نظر إليه بعينين تشتعلان بالعزم:
"لم نخسر، بل بدأنا من جديد. فيصل سرق العرش، لكن العرش لا يخلّد الخونة. سنجمع من تبقى مخلصًا، سندرّب أنفسنا، وسنواجههم مهما طال الزمن."
ريان نظر إلى يده، ما زالت تشتعل بوهج الظل الفضي، شعر أن القوة في داخله ازدادت منذ الليلة. التفت إلى ريحان وقال:
"إذا كان فيصل يستخدم الظلام، فسأستخدمه ضده. هذه المرة لن أهرب."
ليانا استيقظت ببطء، والدموع في عينيها، قالت بصوتٍ مبحوح:
"أبي… مات وأنا لم أودّعه."
ريحان وضع يده على كتفها وقال:
"وداعنا له سيكون بالنصر… وباستعادة المملكة من هؤلاء الخونة."
ثم نهضوا جميعًا، والليل يبتلعهم بين الأشجار، بينما في البعيد كانت ألسنة اللهب تلتهم أبراج مملكة الظلال. ومن هناك، بدأ عهد جديد من الألم، عهد المقاومة، عهد الأبطال الذين سيولدون من تحت الركام ليواجهوا الظلام الذي صنعه أهلهم.
وهكذا، بدأ تدريبهم في الغابة الملعونة، استعدادًا ليوم المواجهة الكبرى… يوم انتفاضة الظلال.