☘ غموض ... يهمس ☘
# الفصل الاول..
# بقلم ندي مصطفى
# روايه الموت علي بابک
« استغفروا اللّه لعلها تكون سـاعة استجابة »
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
تدور أحداث القصة في غرفة هادئة الإضاءة..
حيث تسللت أشعة الشمس الرقيقة عبر زجاج النافذة المفتوحة، فترقصت خيوطها الذهبية على جدران الغرفة المطلية بلون فاتح يميل للافندر—لون يعكس ذوقاً رفيعاً لـ صاحبتـها..
على أحـد جانبيـها، توجـد طـاولة صغيرة مستديرة احتضنـت حولها كتباً بأغلفة ملونة تتلألأ كمجـوهرات ثمينة، شاهدة على شغف صاحبتها برواياتها التي تحررها بكل إتقان على الشبـكة.
بجانبها فـازة زجاجـية تعـكس أشـعة الشـمس الباكرة على أزهارها البيضاء، فتملأ الفضاء برائحة خفيفة هادئة، وكرسي مريح بتصميم بسيط يدعو للجلوس
وفي قلب هذه الملاذ الهادئ، يستوي سرير منخفض بإطـارات خشبية بيـضاء ناعـمة، مزين بفرش وردي ناعم الملمس... يضج برقة ناعـمة،تناسبها، ترقد في أحضـان الهـدوء.
فتاة في ريعان جمالها، ملامحها الناعمة تحمل براءة الطفولة وأنوثة متفتحة، شعرها البندقي الطويل ينساب حولها بعشوائية كأن نسمة خفيفة عبثت به ثم رحلت.
لكن ملامحها الهادئة لم تدم طويلاً. فبين لحظة وأخرى، تسلل إلى نومها ذلك الكابوس المعتاد، يعبث
بأحلامها الوردية، يسحبها إلى عمق مظلم لا قرار له، ويعيد لها ذكريات ظنت أنها طوتها في زوايا النسيان.
بدأت تتقلب عـلى فراشـها بقـلق متزايد، وارتـسم على وجهها الأبيـض انزعاج واضـح. تسارعت أنفاسها، وتصبب العرق من جبينها رغم برودة الجـو همسـات مبهـمة تتناثر من شفتيها الشاحبتين، كصيحات استغاثة خافتة لا يسـمعها أحد،
تعكس صراعاً محتدماً في أعماقها.
استمر الكابوس يطاردها دقائق بدت كدهر، حتى انتفضت جالسة على الفراش بشهقة عالية، وصرخت بصوت مرتعب:
ــــ لاااااا....أبـي أمـي؟!
صرخاتها كانت ک صدي الآلم تحمل معها خيوط الذكريات المره.....
أخذت أنفاسها بصعوبة، ترتفع وتنخفض بعنف. ضغطت بيديها المرتعشتين على شراشف الفراش، وعيناها شاخصتان...
بينما استغرقت لحظات حتى أدركت أنها في غرفتها... وأن كل شيء كان مجرد كابوس آخر.
يطاردها بلا رحمة.
أطبقت جفنيها بقوة، حاولت أن تتنفس ببطء، أن
تبتلع تلك الغصة المؤلمة العالقة في صدرها.
لكن الذكريات تزاحمت في قلبها دفعة واحدة، كعاصفة لا ترحم. انهمرت الدموع على خديها بصمت، بينما أصوات الماضي تتردد في أعماقها بلا هوادة.
تمنت لو استطاعت محو كل شيء... كل ذكرى، كل صوت، كل ألم.
«نحن عائلتهم... لذا يجب على أحدنا تربيتهم.»
«وكأنكِ ستتطوعين للقيام بذلك!»
«ليس من السهل تربية أبناء الآخرين... سيكونون عبئاً ثقيلاً على عاتقكِ، وستتحملين وحدكِ مسؤوليتهم كاملة. هل أنتِ مستعدة لهذا حقاً؟»
«معها حق. لماذا لا ندخلهم دار الأيتام؟ على الأقل سيعتنون بهم هناك بشكل أفضل... سيكبرون في بيئة آمنة، مع أطفال في مثل ظروفهم.»
«نحن لسنا مؤهلين لهذا. لا مالياً، ولا نفسياً.»
كانت كلماتهم كشظايا زجاج تنغرس في قلبها، واحدة تلو الأخرى.يتحدثون بلا مبالاة، غافلين عن أن أصواتهم قد تتسلل إلى مسامع هؤلاء الصغار المساكين. يتحدثون عنهم كأنهم أمتعة زائدة يمكن التخلص منها.
وضعت كفيها على أذنيها، محاولة حجب تلك الأصوات اللعينة.
⋆⋅☆⋅⋆
بعـد وقـت
تنهدت بمرارة وهي تطرد الذكريات التي تنهش روحها. نهضت من فراش...برشاقة لا تناسب حالتها، رغم أن الألم كان يكتسح جسدها. عدّلت شراشف الفراش بهدوء، كأن ترتيبه سيعيد ترتيب أفكارها المتلاطمة.
ما إن خطت خطوتها الأولى حتى توقفت فجأة. اعتصر رأسها ألمٌ مباغت، كصاعقة تشق جمجمتها. تهاوت على ركبتيها، أمسكت برأسها بكلتا يديها وهي تكتم أنيناً يكاد يخرج من أعماقها.
ظلت على وضعها دقائق طويلة، تتألم بصمت. تجمعت الدموع في عينيها، عاجزة عن تخليص نفسها من هذا الألم اللعين.
وقفت متحاملة على نفسها، وسارت بخطوات متعثرة نحو الكومودينو بجانب الفراش. فتحت الدرج بيد مرتعشة، وسقط بصرها على علبة الحبوب المسكنة.
لم يعد هذا جديداً عليها. الصداع يزداد حدة مؤخراً، ولم يعد بإمكانها تجاهله. عليها زيارة الطبيب قريباً... قبل أن يُجنّها هذا الألم.
تناولت حبة بيد ترتعش كارتعاش قلبها، ثم رفعت كوب الماء إلى شفتيها. ارتشفت بلهفة، كأنها تستجدي الراحة من بئر جاف.
شعرت بالهدوء يتسلل ببطء إلى جسدها المنهك. تنهدت بعمق، تطرد آخر بقايا الألم الحارق الذي بدأ يخبو.
نهضت بتثاقل ومشت نحو الحمام، تتمتم بمرارة:
ــــ لو كان هناك جائزة لأتعس شخص هذا الشهر... لفزتُ بها دون منافس.
توقفت لحظة أمام المرآة، نظرت إلى انعكاسها الشاحب:
ـــ فراغ في القلب... وفراغ آخر يلتهم المعدة. لا شيء يملأني.
...........
بعد ساعة كاملة،من الخلوة خرجت من الحمام ملتفة بمنشفة بيضاء تتناقض مع بشرتها الفاتنة، لكن التعب كان بادياً في عينيها. كزهره حمراء تتفتح في خريف قاسٍ رغم محاولتها إخفاءه عن أخيها، خطت نحو خزانة ملابسها بثبات هادئ.
قلّبت خياراتـها، بحثاً عن رداءٍ يمسح تعب الـروح بلمسة أناقة. أستقرت أخيراً علي جيبة سوداء كلاسيكيه تصل للركبة، وبشقـها المنتصف أضافت لمسة من الجرأة المحببة. فوقها ، ارتدت كنزة
صوفية بلون وردي مثالية لأجواء لندن المتقلبة.أمام مرآة الزينة، جففت شعرها البندقي الطويل بعناية، ثم أطلقته ليتدفق بحرية.
رشّت على معصمها قطرات من عطرها الهادئ، ثم تركته يتسلل في الهواء دون مبالغة. لم تضع سوى لمسة رقيقة من أحمر الشفاه، بالكاد تُلاحظ، لكنها
كافية لتُخفي شحوب وجهها.
وقفت أمام المرآة لحظة، تفحص ملامحها بنظرة خاوية، ثم التفتت نحو الكومودينو.
كان القرص الصغير موضوعًا هناك، كعادته كل صباح.
أمسكته ببطء، تأملت استدارته البيضاء بين أصابعها. سبعة أشهر وهو رفيقها الصامت. سبعة أشهر من الألم الذي تبتلعه مع كوب الماء، دون أن تُفشي لأحد سرّه.
وضعته في حقيبتها السوداء بحركة آلية، كمن يُخبئ جرحًا قديمًا لا يندمل.
ثم خرجت من الغرفة، تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً يعرف وحده ما تُخفيه.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
توجّهت إلى غرفة أخيها لإيقاظه، كعادتها كل صباح. تعرف جيدًا أنه لو تُرك وشأنه، لنام أسبوعًا كاملاً دون أن يرفّ له جفن.
دفعت الباب بهدوء، لكنها توقفت على العتبة.
المشهد أمامها كان... كارثيًا.
"يا إلهي... ما الذي حدث هنا؟ هل ضربت صاعقة المكان للتو؟! تشه... على من أكذب؟ هو من فعلها."
هذا ما دار في خلدها وهي تُحدّق في غرفته التي بدت أشبه بمكبّ للقمامة.
ملابس متناثرة في كل مكان، خزانة مفتوحة على مصراعيها والثياب تتدلى منها كأنها استسلمت للفوضى. جيتاره ملقى على السرير، وهو نفسه نائم على بطنه تحت كومة من الملابس، لا تعلم إن كانت نظيفة أم متسخة.
تنهّدت بصمت.
ــــ تبًا لك.
همست الكلمة وهي تشمّر عن ساعديها، مستعدة لمعركة الصباح المعتادة.
اقتربت من سريره بخطوات متوترة، وعيناها تجولان في أرجاء المعركة.
شريحة بيتزا جافة على طرف الفراش، أوراق متناثرة، وجورب... على الوسادة؟
توقفت.
"لا... لا تقولي لي إنه كان يشمّه قبل النوم!"
مدّت يدها بحذر، التقطته بطرف أصابعها، ثم...
الرائحة.
ألقته بعيدًا بحركة لا إرادية، وجهها يتقلّص بقرف واضح، يدها تُغطي أنفها وفمها في محاولة يائسة لصدّ الهجوم الكيميائي.
"يا إلهي... هذا سلاح بيولوجي!"
تنفست من فمها، ثم وضعت يدها على كتفه تهزّه بقوة.
ــــ لوكاس! استيقظ أيها الأحمق!
هزّته مرة أخرى، بقوة أكبر.
ــــ ماذا فعلت بالغرفة؟ هل كنت تخوض حربًا عالمية هنا؟! قُم الآن، أيها الوغد!
صوتها ارتدّ في أرجـاء الغرفة، لكـنه لم يتحـرك قيد .
أنملـة. فقط تأوّه خفيف، كأنه يتمدد في نومـه .
بمزيد من الراحة زفرت بقوة، أنفاسها تخرج
دفعة واحدة محمّلة بالإحباط.
نظرت حولها إلى... هذا المكان، ثم حاولت مرة أخيرة بنبرة أكثر لطفًا:
ــــ لوكاس... يا روحي، قُم. هل تريد أن يضيع عامك الدراسي؟ أن تصبح عاطلًا بلا مستقبل؟
تحرّك أخيرًا.
ببطء شديد، كمن يُعيد تشغيل جهاز قديم متعطل، رفع رأسه ونظر إليها بعينين نصف مغمضتين.
عيناه... تشبه عينيها تمامًا.
لاحظ عبوسها الواضح، الانزعاج المرسوم على ملامحها، لكنه تثاءب بهدوء وتمتم بصوت أجش:
ــــ ما سبب هذا العبوس في الصباح الباكر؟
قالها ببراءة مُطلقة، كأنه لا علاقة له بكل هذا
ــــ بحقك يا لوكاس، ستتأخر على الجامعة! الساعة السابعة والنصف!
أغمض عينيه بهدوء مُستفز، وتمتم دون أن يفتحهما:
ــــ لن أذهب اليوم... لديّ موعد مهم.
حدّقت به، حاجباها يرتفعان باستغراب.
ــــ موعد؟ هل أنت رئيس الجمهورية ولم أعلم؟
اندسّ أعمق تحت اللحاف، يتشبث به كطفل عنيد، وأجاب بصوت مكتوم:
ــــ موعد... مع النوم.
ــــ !!!؟؟
صمتت.
الكلمات توقفت على شفتيها محاولة استيعاب ما سمعته للتو.، وللحظة ظنّت أنه جادّ.
لكن... لوكاس والجدية؟
شيئان لا يجتمعان أبدًا.
استعادت أنفاسها، ثم قالت بسخرية لاذعة:
ــــ آه، عذرًا! لم أكن أعلم أن لديك موعدًا غراميًا مع الوسادة. تفضّل، لا تدعني أعطّل علاقتكما.
ــــ شكرًا لتفهّمك.
قالها بجدية تامة، كأنها فعلًا تُباركه.
وقفت مكانها، فاغرة فاها.
هل... هل هو يسخر منها الآن؟
هتفت به بنبرة غاضبة، فبسببه ستتأخر على عملها:
ـــ لوكاس... إذا لم تنهض الآن، سأفعل شيئًا لن يعجبك أبدًا.
صوتها كان حادًا، لكنه لم يكترث.
استدار إلى الجهة الأخرى من السرير، تثاءب بكسل، وتمتم بصوت نعسان:
ــــ دعيني أنام قليلًا يا إيفلين... لو وضعتِ بعض الطعام بجانبي، ربما... ربما أفكّر في القيام.
توقفت.
ابتسامة بطيئة، خبيثة، بدأت تتسلل إلى شفتيها.
ــــ حسنًا... كما تشاء، أخي الحبيب.
نبرتها كانت هادئة. حلوة حتى.
لكن أي شخص يعرفها جيدًا، كان سيهرب من الغرفة فورًا.
عاد لوكاس إلى نومه العميق، غافلًا تمامًا عمّا يُحاك خلفه.
غافلًا عن تلك الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على وجهها.
ابتسامة لا تنبئ بخير... أبدًا.
كانت عاصفة قادمة.
وهو... ما زال نائمًا على حافة الهاوية.
..................
غابت عن الغرفة بضع لحظات.
ثم عادت، تحمل بين يديها إبريقًا فضيًا صغيرًا.
لم يكن يتصاعد منه بخار، بل برودة صامتة،
تتسلل من الماء المثلج في قعره.
ابتسامة خفيفة رسمت نفسها على شفتيها.
اقتربـت منه بهدوء، قدمـاها تلامسـان البلاط دون
صـوت.
وقفت عند طرف السرير.
تأملته.
كان نائمًا بعمـق، وجهه مستسلم للراحة، أنفاسه هادئة ومنتظمة، كأن الدنيا كلها في صفّه.
رفعت الإبريق ببطء.
توقفـت.
أمالته قليلًا، ثم تراجعت يدها.
نظرت إليه مرة أخرى—إلى ملامحه المسترخية، إلى كتفه المنحني تحت اللحاف.
تنهّدت بصـمت.
أمالت الإبريق برفق، وتركت بضع قطرات من الماء البارد تسقط على جبينه......مجرد قطرات.
هو أخـوها، في النـهاية.
لكنها كانت كافية لإيقاظه.
القطرات الصغيرة لامست جبينه كوخزات جليدية، تسللت إلى بشرته ببرودة لاذعة جعلت جسده ينتفض لا إراديًا. فتح عينيه بفزع مفاجئ، وقبل أن يستوعب ما يحدث، رمى اللحاف عنه بحركة عنيفة كمن صعقه تيار كهربائي بارد.
لحظة صمت ثقيلة مرّت كالأبدية، ثم زمجر بصوت أجش يمزج بين الصدمة والغضب:
ـــــ ماهذا! بحـُق الجحيـِم ... واللعنه؟!
ردّت عليه بنبرة هادئة، لكنها تقطر مكرًا:
ــــ هذا... ما جعلك تستيقظ أخيرًا، عزيزي.
التفت إليها ببطء، لا يزال يلهث محاولًا استعادة أنفاسه، ليجدها واقفة أمامه بكل هدوء، الإبريق الفضي يتأرجح في يدها، وابتسامة خبيثة ساحرة ترتسم على شفتيها الورديتين.
ابتسامة يعرفها جيدًا. ابتسامة الانتصار.
عبس وجهه بشدة، وكأن تلك الابتسامة وحدها كافية لإشعال ما تبقى من غضبه. زفر بقوة محاولًا كبح
جماح نفسه، لكن الكلمات انفجرت من فمه رغمًا عنه:
ــــ إيفلين! أنتِ مجنونة حقًا! بماذا كنتِ تفكرين بحق السماء؟! ألم تجدي طريقة أفضل من هذا لإيقاظي؟!
ابتسمت بسماجة واضحة، وردّت ببرود:
ــــ للأسف... لم أجد سوى الماء البارد لإيقاظ بغل نائم مثلك.
كلماتها استفزته بشدة. سبّ تحت أنفاسه وهو يشدّ خصلات شعره إلى الخلف بقوة:
ــــ تبًا للماء...
ثم رفع عينيه إليها، شرارة تحذير واضحة في نظرته:
ــــ تعالي إلى هنا... سأقتلك أيتها الـ—
لم يُكمل.
اندفع نحوها بخطوات سريعة، عيناه تتوعدانها بدرس قاسٍ لن تنساه.
أدركت نواياه فورًا.
تراجعت خطوة، ثم انطلقت هاربة نحو الباب،
لكنه كان أسرع منها.
أغلقه بقوة.
ــــ لوكاس! لا، انتظر—
صوتها ارتفع بذعر ممزوج بضحكة متوترة، لكنه لم يعبأ.
دارا حول السرير في مطاردة محمومة، هي
تتشبث بالإبريـق الفضـي الذي كـاد يسقط من
يدها أكثر من مرة، وهو يقترب منها في كل لفّة.
مشهد عبثي بامتياز.
قط مفترس يطارد فأرًا مذعورًا في مساحة ضيقة، لا مفرّ فيها من الهروب.
اندفعت نحو السرير كالسهم، تسلّقت إليه في حركة يائسة وكأنه ملاذها الوحيد من قبضته.
صدرها يعلو ويهبط بعنف، أنفاسها تتقطع بعد الركض المستمر، دوار خفيف يتسلل إلى رأسها. وقفت على حافة الفراش للحظات، تحاول التقاط أنفاسها المتسارعة.
في الوقت نفسه، كان لوكاس يقترب منها ببطء، وحين رآها واقفة هكذا دون حراك، اطمأن أن لا مفرّ لها هذه المرة.
انحنى قليلًا، مستندًا على ركبتيه، يلهث بشدة ويسبّ تحت أنفاسه مزاحها الثقيل. رفع وجهه إليها بغضب، وكاد أن يصعد ويجذبها من شعرها، لكن—
ــــ قف مكانك!
صوتها قطع الصمت كالسكين.
رفعت الإبريق أمامها بحركة تحذيرية، وأكملت بنبرة حادة:
ــــ خطوة واحدة أخرى وسأفرغ عليك ما تبقّى من الماء، أقسم بذلك.
توقف في مكانه رغمًا عنه.
نظرت إليه بجدية تامة، ثم أشارت بيدها الحرّة إلى الفوضى من حولهما:
ـــــ لم أحاسبك حتى الآن على هذه الفوضى التي أحدثتها، لأنني متأخرة جدًا على عملي... بسببك. لكن عندما أعود، أتوقع أن أجد هذا المكان نظيفًا تمامًا. مفهوم، لوكاس؟
توتّر قليلاً، عضّ على شفته السفلى بقوة، وجالت عيناه في أرجاء الغرفة كأنه أدرك لتوّه فداحة ما فعل. كل هذا الدمار... كل هذه الفوضى... بسبب قميص واحد؟ قميص لعين ظلّ طيلة الليلة الماضية
يقلّب الغرفة رأساً على عقب بحثاً عنه، ويا ليته وجده في النهاية، حتى غلبه التعب فاستسلم للنوم، تاركاً وراءه هذا المشهد الكارثي.
انقطع سيل أفكاره على صوت نحنحتها الغاضبة. تنتظر منه تفسيراً... الآن!
"ماذا أقول لها يا إلهي؟ حتماً ستقتلني إذا أخبرتها الحقيقة!"
التفت إليها بتوتر واضح، لكنه سرعان ما تدارك نفسه. أطلق شهقة مصطنعة، وفتح فاه متعجباً، كأنه لا يصدق ما يرى:
ــــ ما الذي حصل هنا؟! هل أقيمت حفلة في غرفتي أثناء نومي؟!"
تظـاهر بالدهشة بإتقـان، لكن نبـرته الزائفة لم تخدعها أبـداً.كانت تعـلم جيداً أنّه لن يعتـرف بحقـيقة فعـلته الشنيـعة بحـقّ تلك الغرفة المسكينة. تنهّـدت،
كاظـمة غيظها، وهي تنـزل من السرير ببـطء
متعمّـد. ثم ردّدت
بسخرية لاذعة، عيناها لا تفارقانه:
ــــ أنت حقّاً ممثّل... فاشل.
توقّفت لحظة، تاركة الكلمة تلسعه كما ينبغي، ثم أضافت بجديّة تامّة:
ـــ هل ظننت أنّ بإمكانك خداعي، أيّها الفاشل؟"
صمتت قليلاً، ثم تابعت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل:
ــــ حسناً، كفى لعباً الآن. اذهب واغتسل ريثما أُتمّ إعداد الفطور. هيّا.
أومأ برأسه بطاعة مصطنعة، وعيناه تلمعان ببراءة لا تمت له بصلة.
خرجت من الغرفة ضاحكة في سرّها، تاركةً إياه يزفر بضيق. غلى دمه من تسلطها عليه، لكن... ما بوسعه أن يفعل؟ يحبها أكثر مما يحب نفسه، والحياة بدونها لا قيمة لها.
سار بخطوات سريعة نحو الحمام وهو يتمتم:
ــــ التظاهر بالحماقة جعلني أجوع... تباً.
دقائق معـدودة، وخـرج مرتدياً بنطـاله الأسود. خطا بثقة نحو عـلّاقة المـلابس، سحب قميـصه الأبيض الناصع، وانزلق القمـاش على جسـده ببرودة
منعشة. بدأت أصـابعه بتزرير الأزرار واحـداً تلو الآخر، لكـنه توقف في المنتصف، تاركـاً صدره
مكشوفاً قليلاً.
وقف أمام طاولة الزينة، يتـأمل انعـكاس صورته في المرآة. التقط فرشاة الشعر بأنامـل رشيقة، ومررها برفق على خصـلات شعره البني الحريري، يمنحها ترتيباً أنيقاً بعد فوضى النوم.
مدّ يده نحو زجاجة عطره المفضل، رشّ منه بسخاء، فانتشرت رائحته الفواحة في أرجاء الغرفة، مزيج من الأريج الشرقي والنفحات الغربية... عبير يحمل توقيعه الخاص.
عاد ينظر إلى المرآة بتمعن أكثر، بأصابع ماهرة راح يهندم قميصه، يسوّي الياقة ويملّس الأكمام، ثم
ابتسم لانعكاسه وقال بنبرة مرحة:
ــــ ما هذه الوسامة... أقسم لولا الملامة، لعشقت نفسي!
ضحك على نفسه بخفـة. كانت كلمـاته تعكـس ثقته الهادئة ومرحه الطبيـعي، دون أن تخـلو من دعابة
خفيفة. أخذ نفـساً عميقاً، ألـقى نظرة أخيرة على المرآة، ثم خرج من غرفته بخطوات واثقة
متحمساً ليـوم جديد.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
بعد مرور وقت.....
اندفع لوكاس إلى المطـبخ بحيوية ونشـاط. فور دخوله، داعبـت أنفـه رائحة القهوة الساخنة والخبز
المحمص الطازج مع المربى. وقع بصره على إيفلين واقفة بجوار الطـاولة الصغيرة في زاوية المطبخ، منهمكة في ترتيب الأطباق البيضاء.
توقف لحظة...
كانت تتحرك ببطء شديد، بخطوات متثاقلة، والإرهاق واضح على ملامحها الرقيقة. تناقض صارخ مع تلك الطاقة التي كانت تفيض منها
قبل دقائق في غرفته.
كل حركة منها تنمّ عن تعب عميق يسكن جسدها.
"هل حدث شيء؟"
همس السؤال القلق في ذهنه، لكنه لم ينطق به.
تقدم منها بخفة، سحب كرسياً بهدوء وجلس، ثم ابتسم ابتسامة دافئة:
ــــ صباح الخير، سنيورينا.
صمتت إيفلين للحظات، كأنها تجمع شتات نفسها، ثم ردت بصوت خافت:
ـــــ صباح النور.
جلست على الكرسـي الخشبي الذي تتناثر عليه أشعة الشمس الدافئة. شعـرت بدوار خفيف يداهمها، ربما من جهد إعداد الفطـور وإيقاظ لوكاس من نومه العميـق.
حمدت الله في قلبها أنه لم يرها في لحظة ضعفها تلك. تمنت ألا يلاحظ آثار التعب على وجهها، وأن يمر الصباح عادياً كغيره.
لكن الحياة لا تأتي دائماً بما نشتهي.
ــــ هل أنتِ بخير؟ تبدين متعبة.
قالها بنبرة قلقة وهو يتفحص وجهها بدقة. لاحظ شحوبها وعينيها المرهقتين منذ اللحظة الأولى، لكنه صمت حتى الآن.
حاولت أن تبتسم لتبدد قلقه، لكن ابتسامتها جاءت باهتة:
ــــ لا تقلق يا لوكاس... أنا بخير، فقط لم أنم جيداً الليلة الماضية.
لم يبدُ مقتنعاً بإجابتها. ضيّق عينيه بشك:
ــــ هل أنتِ بخير حقاً؟ أم تكذبين عليّ حتى لا أقلق؟
انحنت يدها بلطف فوق يده، ربّتت عليها بحنان. ابتسامة هادئة زينت ملامحها المتعبة كأنها تشرق من بين الغيوم:
ــــ لا داعي للقلق... كل شيء على ما يرام.
هز رأسه بخفة، مبتسماً بحنان. لا يستطيع تحمل فكرة أن يصيبها أي أذى، فهي تعني له العالم بأسره. عاد يستكمل فطوره براحة بعدما اطمأن قلبه على سلامتها.
˖ ✦ ˖
زفرت إيفلين نفساً عميقاً كانت تحبسـه في صدرها. لم يكتشف كذبتها، ربما لأن قلقه عليها أعماه عن
التفاصيل. أمسكت بكوب القهوة الساخن، قربته من شفتيها وارتشـفت منه على مهل. استقـر الصمت بينهما كثوب ثقيل، حتى قطعته بصوتها الهادئ:
ـــ كيف حال دراستك يا لوكاس؟
رفع بصره إليها، وابتسم:
ــــ جيدة، الحمد لله. الامتحانات قريبة لكن... أعتقد أنني مستعد.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة مرحة:
ــــ طبعاً بفضل قهوتكِ الرائعة كل صباح.
ضحكت بخفة، وللحظة، بدا التعب يتلاشى من عينيها.
صمت للحظات، ثم ضرب جبينه بكفه:
ــــ آه! كدت أنسى... خالتي اتصلت البارحة، تريد الكلام معكِ.
رفعت بصرها إليه:
ــــ البارحة؟ ولماذا لم تخبرني؟
حكّ رأسه بحرج:
ــــ عدتِ متأخرة جداً... كنتِ تبدين منهكة، فقلت سأخبركِ في الصباح.
توقف لحظة ثم أضاف بابتسامة خجولة:
ــــ ثم نسيت.
هزت رأسها بتنهيدة خفيفة، لكن ابتسامة صغيرة خانت تظاهرها بالانزعاج:
ــــ حسناً... سأتصل بها لاحقاً.
ــــ حسناً ، علي .. راحتكِ
نهض من مكانه وأخذ حقيبته، ثم التفت إليها:
ــــ يجب أن أذهب الآن. متأكدة أنكِ بخير؟ لا تحتاجين شيئاً؟
كان يتفحص وجهها بدقة، يبحث عن أي.
علامة ألم مخفية.
مدّت يدها وربتت على كتفه بحنان:
ــــ أنا بخير... فقط اعتنِ بنفسك.
ابتسم مطمئناً:
ـــــ لاتقلقي أنا دائماً ... حريص سأذهب ألان وداعاً.
ـــــ وداعاً !
تحرك من امامها قاصداً باب الخروج نحو جامعته لكن كلماتها اوقفته كحائط سد :
_ لوكاس حاول ، أن تعود.... باكراً اليوم؟!
استدار إليها بتساؤل لعوب حاجباه معقودان بأستخفاف مصطنع :
_ ولماذا .. ياتري؟ هل هناك مناسبة.. أم نسيت عيد ميلادي مرة أخرى؟
ضحكت بخفة:
ــــ ليس عيد ميلادك أيها الأحمق، هذا في ديسمبر.
ـــــ إذاً؟
تجعّد وجهها بتقزز واضح، كأنها تستحضر منظرًا بشعًا:
ـــــ لتنظيف حظيرة الخنازير التي تسميها غرفتك! رائحة التعفن بدأت تزكم الأنوف.
ابتسم بمشاكسة، ثم أمال رأسه قليلًا وقال بوقاحة مستفزة:
ــــ في أحلامك الوردية يا جميلتي... أنتِ من ستتحول إلى سندريلا وتنظفها!
أنهى جملته بقهقهة عالية، ثم انطلق مسرعًا نحو الباب قبل أن تلحق به.
ــــ تعالَ هنا أيها الوغد!
صاحـت وهي تـغلي غيظًا، لكـنه كـان قد اختفى .
بالفعل هكذا هما دائمًا—لا يمـر نصف سـاعة هادئة دون شجار، كأنهـما قط وفأر في مطـاردة
أبدية لا تعرف الملل.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
بعد فترة وجيزة
توقفـت سيـارة أجرة بيضاء أمـام واجهة متـجر الحلويات الصغير. لافتـة بسيـطة تحمل اسم "حلا جيفلين"—مزيـج من الحرفـين الأولين من اسميهما: جيلان وإيفلين. حلمٌ طالمـا راودهـما، وها هو الآن يتلألأ أمامـها بزخارف ذهبيـة ووردية ناعـمة.
ستائر شيفـون خفيـفة تتمـايل برقة خلـف النوافذ الزجاجية، حيث تصطف صـفوف الكعك والمعـجنات بترتيـب أنيـق يُغري العيـن ويُثير الشـهية. أضواء دافئة تتسـرب من الداخل، تُنير شـوارع لندن
الرطبة في ندى الصباح، بينما تخترق أشعة
الشمـس الخجولة الغيوم لتنعكس علـى اللافتة النيونية الأنيـقة.
ابتسمت إيفلين ابتسامة عذبة، عيـناها تلمـعان كأشعـة الشمـس تلك. ترجّلت من السيارة بخفة، ومدّت يدها إلى السائق ببقشيش سخي.
ارتسـمت على وجهه ابتسامة امتنان صـادقة
قبل أن ينطلق مبتعدًا.
توقفت للحظة أمام اللافـتة، تتأملها بصمت. هذا المتجر الصغير لم يكن مجرد مكان—بل كان حلم العمر، حلمها وحلم جيلان، صديقة طفـولتها.
سنوات من العمل الدؤوب أوصلتهما إلى هنا،
ليصبح متجرهما الأشـهر في لندن رغم بساطته،
بفضل تلك اللمسة الأنثـوية السـاحرة التي
تجذب القلوب قبل العيـون.
دفعت الباب بخفة، تسللت إلى الداخل بخطوات رشيقة كعصفور مُحمّل بالأمل. عيناها تومضان ببريق لا يخفى.كلّما وطئت قدماها هذا العتبة
ـــــ صباح الخير يا جماعة!
صاحت بصوت يفيض بهجة، يملأ أرجاء المكان.
من قلب المطـبخ خرجـت فـتاة في عقـدها الثاني بخطوات رشيقة، ترتدي فستانًا قطنيًا مطرزًا بزهور الكرز، وفوقه مئزر أبيض عليه آثار دقـيق.
بين يديها كـعكة مزينة بالفراولة الطازجة، رائحتها الزكية تملأ المكان. ملامحها أسرة—بشرة بلون اللوز، عينان عسليتان دافئتان، وابتسـامة مرحة تعكس روحها المتـفائلة.
وقفت أمام إيفلين وقدمت الكعكة بفخر:
ــــ صباحك كيك فريز يا جميلة!
همست إيفلين بإعجاب، عيناها تلمعان:
ــــ واو! إنها جميلة جدًا، تبدو لذيذة.
ثم نظرت إليها بفضول طفولي:
ــــ هل هذه أيضًا إحدى وصفات جدتي نظمية من كتابها السحري ذاك؟
انفجرت جيلان ضاحكة، ثم همست بحذر:
ـــ أجل، هي كذلك. لكن اخفضي صوتك، لا تدعيها تسمعك وأنتِ تنادينها بـنظمية. إنها لا تحب هذا الاسم، كم مرة عليّ إخبارك؟
رفعت إيفلين حاجبها بتعجب مصطنع، وابتسمت بلعب:
ـــــ لكن ما المشكلة في اسم نظمية؟ إنه جميل جدًا! أنا أحب أن أناديها به.
ثم أضافت بتفكير:
ــــ ربما يجب أن أطرزه على وسادة وأقدمه لها كهدية، أليس جميلاً؟
ابتسمت جيلان بيأس:
ــــ أنتِ مصممة على إثارة جنونها، أليس كذلك؟ حسنًا، لا تقولي إني لم أحذرك عندما تبدأ في مطاردتك بمقلاتها العتيقة، وأظنك أكثر من يعرفها!
ثم أضافت بجدية بحتة، تكاد تقطر منها هيبة زائفة:
ــــ الوصفة رائعة! الطلبات على هذه الكعكة تكسر العظام، والزبائن يتهافتون عليها كالنحل على العسل. لذا حاولي ألا تتأخري في عملك..."
ثم غمغمت بتهديد مبطن وهي تضيق عينيها:
ــــ وإلا ستواجهين عواقب وخيمة!
أجابتها إيفلين بمرح، ابتسامة رقيقة تزين محياها تكاد تخفي وراءها نظرة استياء:
ـــــ لا تقلقي يا مديرة، إن شاء الله سأخرج باكرًا اليوم، حتى قبل أن تبدأ حماتي بالاتصال.
ثم أدارت عينيها في أرجاء المكان كأنها تبحث عن كنز مدفون، لتلتفت فجأة إلى جيلان:
ـــــ صحيح، أين جدتي؟ لقد اشتقت لها كثيرًا، ولحلوياتها السرية!
ردت جيلان بهدوء وهي تضع الكعكة على الطاولة بعناية كأنها قنبلة
ــــ إنها في المطبخ، تحاول إقناع الطباخين بأن وصفتها للصلصة الحارة أفضل من وصفتهم.
ثم أضافت بابتسامة ماكرة:
ـــــ لا تقلقي، ستأتي الآن عندما تسمع صوتك... أو عندما تشم رائحة كارثة تُحاك هنا!
ابتسمت إيفلين:
ـــــ أجل، معك حق في ذلك.
وفعلاً... بعد دقائق قليلة، خرجت سيدة من المطبخ في عقدها الخامس، أو ربما السادس. الزمن لم يكن لطيفًا تمامًا مع بشرتها، لكن عينيها البنيتين الداكنتين تلمعان بحياة وحيوية.
بخطوات متمهلة ورزينة، كأنها تتفقد الأرض خشية أن تكون هناك حفرة، اقتربت منهما. ابتسامة دافئة أظهرت التجاعيد الخفيفة التي رسمت خريطة
ذكريات على وجهها—بدت جميلة بطريقة جدات السينما اللاتي يخبئن وصفات سحرية في جيوبهن.
احتضنت إيفلين بحنان، فبادلتها العناق كأنها لم ترها منذ دهر.
ابتعدت الجدة عنها قليلًا وقالت بمرح:
ــــ كيف حالك اليوم يا صغيرتي؟ لمَ لم تأتي البارحة؟ لقد قلقت عليكِ كثيرًا... ظننت أنكِ هربتِ مع مهرج من السيرك!
قهقهت إيفلين وجيلان على دعابة الجدة اللاذعة، تلك الدعابة التي كانت بمثابة فلفل أسود يُضاف إلى وجبة صباحية دافئة.
ابتسمت إيفلين بحنان، تنظر إلى تلك المرأة بشجن. رغم أنها ليست جدتها بالدم، لكنها جدتها بالقلب—ملأت حياتها بالحب والدفء تمامًا كما تملأ الشمس الصباحية الغرفة بالنور.
"ربما الحياة تعطينا عائلات جديدة، ليست بالضرورة بالدم، ولكن بالحب والضحك والمواقف التي لا تُنسى."
رفعت عينيها إلى الجدة، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الأسف الطفولي:
ــــ أنا آسفة للغاية يا جدتي، يُزعجني أنني أقلقتكِ. لكنني عدت متأخرة من العمل البارحة، ولم أتمكن من المجيء. صدقيني، لو كان الأمر بيدي، لكنت هنا أسرع من طلبكِ للقهوة!
همست كلماتها بنبرة اعتذارية رقيقة، تُخفي خلفها قلقًا حقيقيًا على قلب جدتها الحبيبة. كانت تشعر بوخزة الضمير—غيابها، ولو لساعات قليلة، كان كافيًا ليُثير قلق هذه المرأة التي احتضنتها بحب الأمهات.
تمنت لو تستطيع تقسيم نفسها إلى نصفين: نصف يبقى بجوار جدتها، ونصف يُكافح في هذا العالم القاسي. لكن الحياة لم تكن بهذه البساطة.
بهدوء عميق، ردت السيدة نظمية بينما كانت يدها الدافئة تتلمس خصلات شعرها البندقي المنسدل حول وجهها كإطار ذهبي. كانت لمسة أمومة حانية تجلت في نبرتها:
ـــ لا بأس يا صغيرة، المهم أنكِ بخير.
تلاشت ملامح الأسف عن وجه إيفلين، لتحل محلها ابتسامة صغيرة لكنها صادقة—ابتسامة نابعة من القلب، تعكس امتنانها العميق لوجود هذه المرأة في حياتها.
حمحمت جيلان فجأة، وكأنها تُعلن عن نفسها ككوكب مهجور تم اكتشافه للتو. عبست بطفولية:
ـــــ يعني هي تنادينها 'يا صغيرتي'، 'يا صغيرة'، وأنا 'يا فصعونة'؟ تعالي يا فصعونة، اذهبي، أحضري! لماذا؟ هل أنا ابنة البطة السوداء؟ هل يجب أن أرتدي ريشًا وأُصدر أصواتًا غريبة حتى تنتبهوا لوجودي؟
انفجرت الجدة نظمية بضحكة مرحة، وقرصت وجنتي جيلان الممتلئتين:
ــــ أجل، هل لديكِ مانع؟ هيا اذهبي يا فصعونة، أحضري طبقًا من تلك الكعكة لعزيزتي إيفلين. أنا أعلم جيدًا كم تحبها.
تمتمت جيلان بامتعاض مصطنع:
ــــ حسنًا حسنًا، سأذهب. من وجد أحبابه نسي أصدقائه... يا له من عالم قاسٍ!
ثم أضافت بتمثيلية درامية مبالغ فيها وهي تلوح بيديها:
ــــ سأذهب لأحضر الكعكة وأبكي في الخفاء!
أخرجت إيفلين لسانها بمشاكسة طفولية، فلزمت جيلان شفتيها بعبوس جميل، وكأنها تُقرر هل تضحك أم تبكي أم ترمي إيفلين بالوسادة.
ضحكت الجدة نظمية على مشاكستهما، ثم ضربت جبينها بخفة:
ـــ كم تعشقان الدراما! وأنتِ كفّي عن استفزازها.
التفتت إيفلين إلى جدتها وسألت بنبرة قلقة:
ــــ وكيف حال لوكاس؟ هل هو بخير؟
أجابتها إيفلين بتشنج، وكأنها تذكرت فاتورة متأخرة:
ــــ إنه بخير... بخير لدرجة أنه استحم اليوم بماء مثلج في أول الصباح!
قهقهت الجدة بصوت عالٍ، وكأنها تضحك على نكتة سرية لم يسمعها أحد سواها. ثم ربتت على كتف إيفلين برفق، ثم تركتها وهي تهز رأسها ضاحكة، متجهة نحو المطبخ لتستكمل عملها قبل هجوم جيش الزبائن.
بينما كانت إيفلين تغوص في بحر أفكارها المتلاطم، اتجهت بخطوات واهنة نحو الطاولة المطلة على شوارع لندن. جلست بظهر منتصب وابتسامة معلبة، لكن في أعماقها كانت بركانًا خامدًا يغلي بالشكوك والأسئلة.
هي ليسـت تلك التي تظـهر لهم—تضحك وتمـزح بصوت مكسور، تجاهد أن تكون على طبـيعتها أمامهم، تمسك بقناع الحيـاة بيد مرتعشة، تُخفي دموعها خلف ضـحكة تتشـظى كزجـاج مهـشم.
فجأة، انفلتت نسمة عابرة من النافذة المفتوحة،
تعبث بشعرها الكثيف فترسم على وجهها رقصة حزينة. حملت الريح عطر أمل غريب، وكأنها تهمس:
"لا تخافي... فحضوره يحيط بكِ، يُذيب صقيع الوحدة، حتى لو بدا الكون صامتًا."
مرت دقائق وهي شاردة في مملكتها المظلمة، لكن جاءت جيلان قاطعة شرودها بضحكاتها المرحة. حملت بين يديها طبقين من حلوى الفريز الشهية، وضعتهما أمامهما وجلست بجوارها بخفة:
ــــ هيا تذوقيها، وأخبريني برأيك بصراحة!
أومأت إيفلين برأسها وابتسمت:
ــــ حسنًا.
أمسكت بالملعقة وأخذت قطعة صغيرة من الكعكة. أغمضت عينيها وهي تمضغ ببطء، ثم أصدرت أصوات إعجاب رقيقة:
ــــ واو! هذا رائع، إنه ألذ شيء تذوقته على الإطلاق!
ابتسمت جيلان براحة، سعيدة لأن إيفلين أعجبت بالكعكة. بدأت تأكل هي الأخرى وقالت بينما الطعام في فمها:
ــــ أجل، إنها لذيذة جدًا. هذا الطبق الثالث أو ربما الرابع... لا أذكر حقًا منذ الصباح.
نظرت إيفلين إلى جيلان بصدمة والطعام لا يزال في فمها:
ــــ ماذا؟ وتأكلين الآن أيضًا؟"
ثم همست بحذر:
ــــ وهل جدتي رأتك وأنت تأكلين كل هذه الأطباق؟ أشك في ذلك، وإلا كانت ألقت بك خارجًا. أنت ستُسببين خسارة فادحة لهذا المتجر!
انفجرت جيلان ضاحكة:
ــــ معك حق! هي لم تراني، أنا أكلت وأنا مختبئة منها. وكلما نقصت قطعة كنت أخبرها أن فأرًا ربما أخذها، وهي كانت تصدقني بكل أسف.
قهقهت إيفلين على جنون صديقتها الذي يذكرها بجنون لوكاس تمامًا—فإذا كان لوكاس يحب النوم كثيرًا، فجيلان تحب الطعام أكثر. هتفت بين ضحكاتها:
ــــ وأنت هي ذلك الفأر، أليس كذلك؟
أجابتها الأخرى بمشاكسة:
ـــ أجل!
قهقهتا سويًا وتبادلتا أطراف الحديث الذي لا يخلو من مزاح جيلان الجنوني وضحكات إيفلين الساحرة عليه.
ثم قالت إيفلين بنبرة هادئة متعجبة، عاقدة حاجبيها:
ــــ جيلان، أليس من المفترض أن تكوني في عملك الآن؟ لماذا أنت هنا؟ الزبائن يأتون في المساء، وليس الصباح.
اهتزت جيلان وكأنها صُعقت بتيار كهربائي. عيناها تحاولان تجنب نظرة إيفلين الثاقبة. قالت بمراوغة وابتسامة زائفة:
ــــ أنا فقط شعرت بالملل قليلًا من الروتين الصباحي الممل. أردت أن أُغير الجو بمشاهدة التلفاز وتناول الكعك اللذيذ، هههه.
لكن ابتسامتها كانت كورقة بيضاء تُخفي تحتها بحرًا من الأسرار. إيفلين لم تكن من النوع الذي يسهل خداعه. نظرت إليها بعينين تشبهان عيني محقق خبير:
ــــ لا تكذبي عليّ، وإلا سأصفعك حتى تطير أسنانك! هيا أخبريني بالحقيقة كاملة، ولا تنقصي حرفًا واحدًا."
تنهدت جيلان باستسلام، مدركة أن عناد صديقتها يفوق صلابة جدار الصين العظيم. بدأت تسرد قصتها تحت أنظار إيفلين المتلهفة:
ـــ حسنًا، الأمر بدأ عندما قرر مديري 'المحترم' أن يتحول من ثعلب ماكر إلى ذئب جائع.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت:
ــــ تخيلي أنه حاول أن يُقبّلني عنوة، كأنه دون جوان... لكنه كان أقرب إلى بطة برية، ذلك الفأر!"
وصفت كيف صرخت بقوة جعلت موظفي الشركة يتجمعون كأنهم في حفل توزيع جوائز مفاجئ، ثم صفعته بقوة على وجهه—لقد تجاوز كل الحدود الحمراء معها اليوم. لن تصمت على ذلك كما أوصتها جدتها. بكبرياء ملكي، قدمت استقالتها وخرجت برأس مرفوع.
ما إن أنهت جيلان حديثها حتى انتفضت إيفلين من مقعدها كأنما لُدغت:
ــــ ماذا فعل ذلك الوغد؟!
كادت أن تصرخ بغضب، لولا أن جيلان هرعت إليها وأحاطت فمها بكفيها برفق:
ــــ أرجوكِ، اخفضي صوتك! إذا سمعتنا جدتي، فلن نرى نهاية هذا اليوم!
امتقع وجه إيفلين. بدت وكأنها ابتلعت شيئًا مرًا للغاية. حاولت التنفس بعمق لتهدئة نفسها، بينما تشبثت أصابعها بحافة الطاولة حتى ابيضت مفاصلها.
فجأة، انفتح الباب بقوة لتظهر السيدة نظمية:
ــــ ماذا؟!
صرخت بصوت جعل الفتاتين تقفزان.
تجمدت إيفلين وجيلان في مكانهما، فاغرتي الأفواه.
حاولت جيلان أن تتكلم، لكن صوتها خرج مرتجفًا:
ــــ جـ... جدتي العزيزة، نحن فقط...
قاطعتها الجدة برفع يدها:
ــــ صمتًا! لقد سمعت كل شيء. تتحدثان عن الرجال والصفع؟ يا لكما من فتاتين!
إيفلين، في محاولة يائسة لإنقاذ الموقف، قالت بسرعة:
ــــ لا يا جدتي، نحن كنا نتحدث عن مسلسل تلفزيوني! مسلسل درامي جديد!
نظرت الجدة إليهما بشك، عيناها تضيقان:
ــــ حقًا؟ وما اسم هذا المسلسل؟
التقطت جيلان الخيط بسرعة:
ــــ إنه... إنه 'صفعة في مكتب المدير'! مسلسل رائع عن حقوق المرأة في مكان العمل!
تنهدت الجدة بعمق وهزت رأسها ببطء:
"يا بناتي، تذكرن أن الأدب زينة الفتاة. لكن..."
توقفت فجأة وعقدت حاجبيها:
ــــ يا إلهي! لماذا جئت إلى هنا أصلاً؟ نسيت تمامًا!
خرجت الجدة وهي تضرب جبينها برفق، محاولة استرجاع ذاكرتها. ما إن أغلق الباب خلفها،
حتى تبادلت الفتاتان نظرات مليئة بالارتياح.
ابتسمت إيفلين ابتسامة عريضة، بينما وضعت جيلان يدها على فمها لتكتم ضحكة. لقد نجتا من عاصفة الجدة، ولو مؤقتًا.
جلستا على المقاعد مجددًا، وكأن الزمن توقف للحظة.
سألت إيفلين بفضول.
ــــ إذًا، أنتِ الآن عاطلة عن العمل؟
ردت جيلان بتحدٍّ مرح.
ـــ لست عاطلة، بل باحثة عن عمل!
ابتسمت إيفلين:
ـــ حسنًا أيتها الباحثة، هل يوجد عمل في الأفق؟
أجابت جيلان وعلى فمها أثر قطعة كعك:
ــــ حتى الآن لا. لكن بالأمس رأيت إعلانًا لفندق يبحث عن سكرتيرة. سأذهب غدًا، وإن شاء الله أُقبل.
قالت إيفلين بهدوء يُخفي توترًا دفينًا:
ــــ إن شاء الله تُقبلين.
شعور غريب بالدوار بدأ يزحف إليها، وكأن الأرض تتموج تحت قدميها.
لاحظت جيلان شحوب وجه صديقتها:
ــــ ما بكِ؟ تبدين متوترة، هل أنتِ بخير؟
حاولت إيفلين إخفاء ارتباكها:
ـــ أنا بخير، لكنني تأخرت على العمل كثيرًا.
نظرت إلى ساعتها بقلق:
ــــ يا إلهي، كم الوقت الآن؟
وقفت بسرعة، تحاول ألا تُظهر ما يعتريها من ضعف. احتضنت جيلان باختصار:
ــــ سأتصل بكِ لاحقًا، حسنًا؟
ــــ حسنًا، اعتني بنفسك.
همست جيلان بقلق، لكن إيفلين كانت قد خرجت بالفعل.
أوقفت سيارة أجرة وصعدت بسرعة:
ـــ المشفى الحكومي، من فضلك.
استلقت على المقعد الخلفي وأغمضت عينيها. الدوار مرة أخرى... منذ أسابيع وهو يأتي ويذهب دون سابق إنذار. لكن اليوم كان أسوأ من المعتاد.
كانت الشوارع تمر بسرعة من حولها—واجهات
المحلات، المارة، أضواء الإشارات—كلها تمتزج في ضبابية غريبة. حاولت التركيز على تنفسها، لكن الإحساس الثقيل في صدرها لم يفارقها.
فتحت عينيها قليلًا، تنظر إلى السماء الرمادية من نافذة السيارة.
ربما هذه المرة سيخبرونني بشيء مختلف.
ربما هذه المرة... سأعرف الحقيقة.
لكن في أعماقها، كان هناك صوت خفيف يهمس:
ماذا لو كانت الحقيقة... أسوأ مما تتخيلين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع ........
هذه النسخه المعدله مارايكم بها أتمني أن تخبروني برأيكم ✨