اقتربت النهاية اخيرا !
كانت المدينة تحترق تحت المطر الأسود.
صرخات الجنود تختلط بصوت العواصف،
والسماء تتوهج بلونٍ أحمر كأنها نزيف الأرض نفسها.
وقفت دعاء على حافة الجبل،
ثوبها الممزق يرفرف كلهيبٍ متمرد،
وعيناها تشعّان بخيوطٍ من الذهب والظلام.
كانت تشعر بأن الزمن نفسه يراقبها… ينتظر قرارها التالي.
> "لقد قلتَ إنني أنا من فعل هذا… كذب!"
صوت السيف الأسود أجابها ببرودٍ لامبالي:
> "الزمن لا يكذب يا وريثة اللهيب.
كل خطوةٍ تخطينها تُعيد تشكيل العالم.
لقد اخترتِ القوة… والآن ترين ثمنها."
ضربت الأرض بنصل السيف، فانفجر البرق حولها.
> "أريد العودة! أعِدني إلى الماضي!"
ضحك السيف كأنه يستمتع بعجزها.
> "يمكنني أن أعيدكِ، لكن العودة ليست مجانًا.
لكل زمنٍ بوابة… ولكل بوابة قربان."
تقدّم منها رجلٌ مقنّع وسط المطر،
يحمل رمحًا مضيئًا بلونٍ فضيٍّ باهت.
كان صوته مألوفًا، عميقًا، ومليئًا بالندم.
> "لا تستمعي إليه، دعاء."
تجمّدت في مكانها.
> "رَسِيل؟!"
رفع رأسه، والدماء تغطي وجهه، لكن عينيه بقيتا ثابتتين نحوها.
> "لقد عبرتُ الزمن من أجلكِ. هذا المستقبل ليس لكِ. السيف خدعكِ."
> "كفى كذبًا!"
صرخت دعاء، واللهيب اشتعل من حولها.
"أنتم جميعًا تكذبون عليّ! من أنا؟ من أمي؟ من أبي؟! ما أنا حقًا؟!"
اقترب منها ببطء، رغم الرياح التي تدفعه بعيدًا.
> "أنتِ ميزان النار والنور. خُلقتِ لتوقفي الحرب… لا لتشعليها."
> "لكنني رأيت أمي تموت… بسبب النار!"
> "أمك لم تمت، دعاء. لقد حُبست بين العوالم لتمنع قيام ملك الرماد من جديد.
والآن… سيفكِ هو مفتاح تلك البوابة."
تراجعت خطوتين، وصوتها يرتجف بين الغضب والدموع.
> "أتعني… أن هذا السيف… يقتلها إن استُخدم؟"
> "نعم. هو اللعنة الأخيرة التي تركها الملك في دمكم."
أمسكت دعاء السيف بقوة حتى سال دمها عليه،
فتوهّج النصل بوميضٍ أحمر قاتم.
> "إذن سأكسر اللعنة… وسأمزق هذا القدر!"
لكن السيف ضحك بصوتٍ مدوٍ،
وتحوّلت الأرض من تحتها إلى رمادٍ سائل،
ابتلعها هي ورَسِيل معًا،
وأعادهم إلى مكانٍ خارج الزمن — الفراغ الرمادي.
---
كانت واقفة في قاعةٍ عظيمةٍ من الظلال،
في منتصفها مرايا ضخمة تُظهر مشاهد من الماضي والمستقبل.
في واحدةٍ منها رأت طفلةً صغيرة تلعب تحت المطر — كانت هي.
وفي أخرى رأت والدها راكعًا أمام كائنٍ من لهبٍ بشريّ الشكل.
صوت السيف همس:
> "شاهدي الحقيقة التي خافوا أن يخبروكِ بها."
> "كفى!"
صرخت وهي تحاول تدمير المرايا، لكن كلما حطّمت واحدة،
ظهرت أخرى تحمل مشهدًا جديدًا —
وجه والدها يسلّمها إلى النار…
وجه أمها تصرخ: "لا تفعل!"
والظلال تبتلعهم معًا.
جثت دعاء على الأرض، يداها ترتجفان، الدموع تسيل مع الرماد.
> "لماذا… فعل بي هذا؟"
ظهر رَسِيل خلفها، يضع يده على كتفها برفق:
> "لأن والدك لم يكن شريرًا، بل كان يحاول إنقاذكِ.
الملك الرماد… كان في طريقه للعودة.
لقد اختاركِ أنتِ لتكوني وعاء النار المقدسة التي توقفه."
رفعت رأسها نحوه بعينين تلمعان بالغضب:
> "لكن النار أصبحت جزءًا مني… كيف أوقف شيئًا أنا نفسي أُشعلُه؟!"
> "بكسر النبوءة. بالسير عكس قدرِكِ، حتى لو احترق كل شيء من حولكِ."
تنهّدت بعمق، ثم نظرت إلى السيف الذي يلمع بوميضٍ أحمر قاتم.
> "إذا كنتُ حقًا الميزان… فسأعيد كل شيء إلى الصفر."
مدّت السيف نحو السماء،
وانفجرت المرايا كلها دفعةً واحدة،
فتدفّق منها ضوءٌ هائل ابتلعها بالكامل.
---
استيقظت وسط العدم من جديد —
لكن هذه المرة، لم تكن وحدها.
كانت هناك امرأة تشبهها تمامًا تقف أمامها، تبتسم بهدوء.
> "من أنتِ؟"
"أنا أنتِ، يا دعاء… من المستقبل الذي تخشينه."
تقدّمت منها النسخة الأخرى، وعيونها تشتعل بالنار الخالصة.
> "لقد حان الوقت لتقرري من تبقين… ومن تُمحى إلى الأبد."
وتصطدم سيفان من اللهيب،
لينفجر العالم من حولهما في دوامةٍ من الضوء والنار.