حين تستيقظ النار في العدم
لم يكن هناك ضوء.
ولا صوت.
فقط صدى أنفاسها يتردد في الفراغ اللانهائي.
فتحت دعاء عينيها، لكن لم ترَ شيئًا.
كانت تطفو وسط سكونٍ أسود يشبه الموت.
أحست بجسدها خفيفًا… كأنها لم تعد من لحمٍ أو عظم، بل من رمادٍ يتحرك بالذاكرة فقط.
> "أين أنا؟"
لم يجبها أحد.
لكن صوتًا همس من الظلال، قريبًا منها، دافئًا كأنفاس بشرية:
> "أنتِ في العدم، يا وريثة اللهيب."
التفتت حولها، تتلمس الفراغ.
> "من هناك؟ أظهر نفسك!"
فجأة، انبثق السيف الأسود أمامها، يطفو في الهواء.
وكان صوته هو من كلّمها.
> "أنا لست سلاحًا… أنا إرث الدم الأول.
لقد اخترتِني، والاختيار لا يُلغى."
تراجعت خطوة، لكن الأرض لم تكن موجودة لتدوسها.
> "ابتعد عني!"
ضحك السيف بصوتٍ خافتٍ يشبه صفير النار.
> "لا يمكنكِ الهرب. لقد صرنا واحدًا، أنتِ وأنا.
دمكِ يغذي لهبي… ولهبي يُبقيكِ حيّة هنا."
مدّت يدها تريد دفعه بعيدًا، لكن عندما لمست مقبضه،
رأت ذكريات ليست لها:
مدنٌ تحترق، عروشٌ تسقط، امرأةٌ تصرخ وهي تحمل طفلةً شقراء وسط اللهب.
صرخت دعاء وسحبت يدها بسرعة.
> "ما هذا؟! من كانت تلك؟!"
> "أمك."
"كاذب!"
"كانت آخر من حملتني… حتى قررت ألا تقتل. فخانت النيران."
ارتجف قلبها، وخيالات حمراء بدأت تدور حولها كأشباحٍ من لهب.
كل واحدٍ منها يهمس باسمها، وكل همسة كانت تحرق أعماقها أكثر.
> "أريد الخروج من هنا!"
> "لتخرجي، عليكِ أن تعرفي الحقيقة."
توهجت رموز غريبة على نصل السيف،
ثم تفتّح الفراغ من حولها كجدارٍ زجاجي،
كاشفًا عن عالمٍ آخر —
سماء من رمادٍ ذهبي، وأرض من رموزٍ منقوشة بلغةٍ منسية،
وفي وسطها عرش من العظام المتوهجة.
مشَت نحوه دون وعي.
كل خطوة كانت تُعيد إليها صورًا من ماضي لم تعشه:
طفلة تركض وسط المطر… رجل يصرخ باسمها… وامرأة تحترق وهي تبتسم.
جلسَت على العرش،
وفجأة، انتصب السيف أمامها كما لو انحنى احترامًا.
> "لقد قبلتِ إرث النار، سواء أدركتِ أم لا."
لكن صوتًا آخر تسرّب إلى عقلها، هذه المرة أكثر نقاءً ودفئًا:
> "دعاء، لا تدعيه يملككِ. لا تنسي من أنتِ…"
تجمّدت.
عرفت الصوت فورًا.
> "رَسِيل؟! هل تسمعني؟!"
> "أجل… من خلال الضوء الذي تركتُه فيكِ.
تمسّكي بنفسكِ، دعاء. السيف يريد روحكِ، لا قوتكِ."
أمسكت بالسيف بكل قوتها، تصرخ بين اللهيب والصدى:
> "أنا… من يختار! لن أكون ظلًا لأحد!"
اشتعل جسدها بالكامل، وانفجرت دوامة نارية حولها،
تحطّم العرش، وتصدّع الفراغ،
لكن السيف ظلّ في يدها، ينبض كقلبٍ أسود.
ومن خلفها…
انشقّ الظلام ليكشف عن بوابةٍ جديدة،
ومنها سُمِع صراخٌ بشريّ — صدى معارك، وهدير وحوش.
صوت السيف همس بابتسامةٍ خبيثة:
> "عدنا… إلى عالمكِ. لكنه لن يكون كما تركتِه."
رمشت دعاء، لتجد نفسها على حافة جبلٍ مظلم،
تحتها مدينة تشتعل بالحرب،
وأعلام تحمل شعارًا لم تره من قبل —
لهيب أسود يلتف حول عينٍ ذهبية.
رفعت رأسها، والريح تلعب بشعرها المبلل، والسيف يلمع بوميضٍ خافت.
> "من فعل هذا؟!"
ردّ السيف ببرودٍ قاتل:
> "أنتِ، يا وريثة اللهيب… في المستقبل الذي اخترتِه."
وتجمّد المشهد على وجهها المصدوم،
بينما تتساقط من السماء رمادٌ يتوهج كالنجوم الميتة.