عندما عبروا حدود الظلام - الفصل 328 - بقلم عاشقة أمها - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عندما عبروا حدود الظلام
المؤلف / الكاتب: عاشقة أمها
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 328

الفصل 328

يوم الجمعة 5 / 1 / 1427 هـ : في وقت ما من النهار : صرخ بلا كلل : أزهاااااااااااار , عماااااااااااار .. وسحب نفس وهو يبلع ريقه الجاف وكمل صراخه : عــمـيـــر .. كان يحس أطرافه تؤلمه من مجرد تحريكها , لكن كان عليه إنه يستمر في تحريكها عشان ما يغرق , شهق لمن غمرته موجه عاليه وغطس داخل البحر لثواني قبل ما يجدف بيدينه بكل قوة فيه , خرج راسه للسطح وسحب نفس سريع وهو يهتف : رحمتك يااااااااااارب .. ولمن حس بالألم يزيد في أكتافه ورقبته بشكل موجع إثر تجديفه , قاوم دموعه وهو يهمس : رحمتك وسعت كل شيء .. من فارقها من فوق الـ 15 ساعة تقريبا وهو يسبح بين الجثث وهو يصرخ باسمها وباسم أخوانه وفي نفس الوقت كان يبحث عن سترة نجاة أو أي شي يتعلق فيه لفترة عشان يرحم جسده اللي بدأت عضلاته تتراخى بعد ما كانت تستسرخ من التعب , كانت هناك قطع خشبية و براميل غريبة وبعض الأشياء الطافية حولينه لكن في كل وحدة منهم اثنين أو ثلاثة متعلقين فيها , غمض عيونه بإرهاق وهو يتوقف عن التجديف بيدينه اللي وصلت لمرحلة ما بعد الاسترخاء , وبدأ يحرك أقدامه بدل عنها , كان على هالطريقة يبدل بينهم كل فترة ولمن تذكر إنه يوم جمعة بدأ يقرأ سورة الكهف بهمس و ثواني و حس إنه بدأ يغرق في ظلام غريب .. : ارفع صوتك يا شيخ .. فتح عيونه المجهدة بسرعة لمن وصله الصوت الهادئ بلكنته المصرية وكأنه قرع ناقوس , انتبه لحظتها إنه إما كان على وشك النوم أو الإغماءة , التفت للرجل الكبير في السن واللي كمل بذات الهدوء وعيونه تلمع بلمعة غريبة : أنا ما أعرفش الإرايه لكن ابني كان يأراها لي كل جمعة .. اللمعة تحولت إلى رقرة دموع انسابت على خدوده وهو يهمس : أعطاني السترة دي واختفى .. ابتسم عمر بتشجيع وقال وهو يسبح للشيخ الكبير : إن شاء الله يرجع لك بالسلامة يا عم .. ولمن قرب منه بدأ يقرأ السورة من بدايتها , كان الشيخ يستمع ودموعه مالها توقف , وبعد ما انتهى من قراءتها بدأ يدعي , يعلم إنه هالوقت الدعاء مستجاب فبدأ يدعي ربه إنه ينجيهم من هالمحنة ويرفع عنهم العذاب , دعا لأزهار وأخوانه ورغم عنه بدأت دموعه تنساب وهو يدعي لأمه بالرحمة , دعا لولد الشيخ الكبير , حس بانتعاش بعد ما دعا ربه , حس نفسه قريب من ربه وأيقن إنه بيستجيب له دعاؤه , ولمن فرغ من دعاؤه قال بصوت جهوري : إدعووووو الدعوة مستجابة في هذا الوقت , إدعو الله .. صوت الموج وعصف الهوا البارد اختلط بهمهات الموجودين و صرخات رجاء , لمن جا وقت المغرب توضأ و رفع صوته بالتكبير لكن خانته قواه وغطس مع وحده من الموجات العالية اللي دفعت الكثير للصراخ , وبدأ معاها نواح , كح وهو يحس ملوحة البحر اللي دخلت أنفه وفمه تزيده جفاف وقال : صلوااااا يا جماعة , دخل وقت المغرب .. من بدأ الشفق الأحمر بالظهور بدأ الهوا يزداد جنون , كان بارد بشكل لا يطاق , قبل كم ساعة كان بيموت من شدة الحر بسبب الشمس اللي يحسها تضرب رأس العاري من أي شيء ودحين يتمنى لو شويه من هالدفء اللي كان يحسه , ثواني وغرق المكان بظلااااام تام , كان يحس وجهه اللي يتبلل كل فترة من ماء البحر اللي بدأ يتفاعل مع جنون الهواء يتحول لقالب من الثلج , حاول يفتح فمه عشان يكلم الشيخ لكنه حس لسانه لاصق في سقف فمه من شدة البرد , ولمن شاف الشيخ يرتجف وهو يخرج يدينه من تحت الموية ويفرك بها أكتافه , تحرك عمر وهمس بالقوة : عم حسين , بردان .. هز الشيخ راسه وبدأ فمه يرتجف وتصطك أسنانه , تمنى لو يقدر يسوي شي عشانه , تحرك بصعوبة وهو يحس بالبرودة تجتاحه من الحركة , وبدأ يجدف بأقدامه و يفرك كفوفه بصعوبة قبل ما يمدها ويمسد بها ذراعين الشيخ ويحطها على أذنيه اللي كانت جامده من البروده , كان حسين يدعي له بدعوات صادقة جميلة وهو يحكيه عن ولده المفقود وزوجته وبنته اللي ينتظرون رجعته , هو بشبابه كان يحس البرودة تنخر أكتافه ووجهه وتخترقه للعظام حتى جسده المغمور بالموية بدأ يحس بقرصات وتنمل في كل شبر منه فكيف هذا الرجل العجوز , طالع في الناس اللي همدت أصواتهم المنطلقة طوال النهار , كانوا يسبون ويحللون ويدعون و ينادون طوال الوقت , أما الآن أخرستهم البرودة , ما كان يقدر يشوف أي شي أبعد من امتداد يده , بدأت النجوم بالظهور وأعطت إضاءة خفيفه لكنها ما تكفي لتبديد الظلام الدامس , حتى القمر كان مجرد قوس صغير بحكم إنهم في بداية الشهر .. : عـ ... ـمـ ..ـر .. التفت عمر للشيخ الكبير وقال وهو يحس نفسه يسحب حروفه سحب من فمه اللي بالكاد قدر يفتحه : هلا يا عم .. : خد .. ستر.. تي .. شكـ ..ـلي .. حمـ ..ـوت .. انعصر قلب عمر وصرخ بداخله ~ لااااااااااا أرجوك , ما أقدر أستحمل موت شخص ثاني قدامي , يارب رحمتك ~ همس وهو ينفض عن نفسه التعب ويبدأ يفرك يدينه : لا تفاول على نفسك , إن شاء الله تجي سفينة عن قريب , تراها مهي بعيدة عن ربنا ياعم حسين .. بعد ما دفأت أصابيعه مسد وجه الشيخ اللي همس بضعف : ونعـ .. ـم بالـ .. ـله .. استغرب من المويه اللي يحسها , يدينه جفت من كثر الفرك , مد كفوفه وانصدم من الحرارة و العرق اللي يتصبب من جبين الشيخ , ما فتح حسين عيونه وهو يهمس بتعب : يا ابني .. أنا .. عندي .. سـ .. ـكر .. ~ لاااااااا , لااااااااااااا ~ لف وقال بصوت عالي : أحد معاه شي ينأكل , أي شي ؟؟ ولمن ما سمع رد قال وهو يحاول يخترق حجب الظلام ببصره وهو يسبح بصعوبة من أطرافه اللي حسها كتلة وحدة من التعب والثقل : يا جماعة الرجال معاه سكر , لازم ياكل شي .. كان كإنه يكلم أشباح صامته , عرف إنه محد عنده شي , لف على حسين وقال وهو يسبح له : عم حسين , استحمل شويه , إن شاء الله بيجي الفرج .. كان الشيخ يرتجف وجبينه يعرق بكثرة , وبعد فترة تراخى راس حسين وتدلى على صدره بطريقة غريبة , مد عمر يده بخوف ورفع راسه بيده اليمين , شافه مغمض العينين وفكه شبه متدلي .. : عمي حسين , عمي حسين .. حس بالرعب وهو يشوف ملامح وجهه المستكينة , مد يده اليسار و حطها تحت أنفه وحس بالدماء الهاربة ترجع لجسمه وهو يحس أنفاسه الدافية , أطلق أنفاسه الحبيسة وهو يقول : حي , حي , الحمد لله ... وضم جسد العجوز وهو يقاوم دموعه وهو يردد : حي , حي , حي .. وابتعد عنه لمن ساد سكون غريب , في شي مفقود , بدأ يسمع صوت غريب , انتبه لحظتها إنه أسنانه تصطك في بعضها من شدة البرودة , نفخ في يدينه أنفاس مقطعة من شدة البرد وفركها وهو يدعي بداخله إنه ربي ينجيهم من هالعذاب , شق المكان صوت صرخة محروقة : بنتيييييييييييييي , بنتي سكتت , بنتي ما تتحرك , محمد بنتي ما تتحرك , بنتي ما تتحرك , بنتيييييييييييييييييييي , بنتي مااااااااااااتت , بنتيييييييييييييييي .. اختلطت صرخاتها بصوت رجولي يحاول يهديها , وبدأت الهمهمات تتصاعد , شفقة على ألم على حسرة وكثير من الهمهمات كانت دعاء على الكابتن وطاقمه .. الآن عرف الصوت المفقود , بكاء الرضيعة , حس باعتصار قلبه , كانت الدقيقة تمر عليهم زي الساعة والساعة زي اليوم , كان يحس إنه يدخل في ظلام غريب ويرجع يصحى منه إما على مناداة واحد على شخص من المجموعة عشان يتطمن عليه أو على صراخ المرأة اللي يخترق المكان كل ما وجدت في جسدها قوة على البكاء أو في لحظة خوف إنه حسين صحي أو صار له شي , كان كل شويه يحط يده تحت أنفه ويتنفس براحة لمن يحس بأنفاسه ويرجع يقاوم الموج ويحاول يسترخي على ظهره عشان يريح عضلاته , لكن الموج الهادر كان يضرب وجهه كل شويه ويخليه يشهق بقوة فيختل توازنه .. : عمر , عمر , عمر .. فتح عيونه بصعوبة لمن سمع صوت غريب يناديه وانتبه إنه مازال في عرض البحر , شهق وهو يطالع حولينه برعب , كانت أشعة الشمس تخترق الظلام على استحياء , قال وهو يرفع يده بصعوبة عشان يشوف الوقت : لا يكون أشرقت الشمس .. حس بتعبه يزيد لمن شاف إنه فاته الفجر , والتفت بسرعة لحسين اللي ربط سترته بحبل موصل بين المجموعة عشان ما ينجرفون بعيد عن بعض , كان على نفس الوضعية , مد عمر يده وحاول يرفع راسه لكنه كان جامد زي الحجر , مد يده المرتجفة تحت أنفه ولمن ما حس بالدفء تسللت الدموع لعيونه وصورهم تتدافع له , أمه وهي تنسل من بين يدينه , صرخات أزهار المتوسلة , عمار , عمير , كتم صرخاته بداخله وهو يذكر نفسه إنه أي إنهيار ممكن يأثر على الكل , التفت وتقطع قلبه وهو يشوف الحرمة الوحيدة معاهم ضامة بنتها الرضيعه الميته ومتشبثه فيها كإنها خايفة إنها تهرب منها أو إنه أحد يخطفها , سأله واحد من الموجودين : مات العجوز .. هز راسه بإيوه وانصدم لمن شاف ثلاثة يسبحون بسرعة وهم يتصارعون مين ياخذ السترة , كانت سحناتهم متغيرة وهم يتصارعون بكل قوة في أجسادهم , لدرجة ما كان يهم الواحد فيهم لو غرق الثاني , الكل كان يطالع بصمت وذهول في اللي قاعد يصير , قال عمر بحزم : بسسسسس , هذا بدال ما تترحمون عليه تتصارعون من ياخذ السترة .. ولمن وصل أعظمهم جثة لحسين وبدأ يفك السترة بلا اهتمام وهو يحاول يخلصها من جسد حسيت المتصلب حس بدمه يفور , صرخ وهو يدفعه بعيد عنه : سيبه .. وبلا مقدمات رفع الرجال يده المكوره وهوى بها على وجهه ..