الفصل التاسع
🏰 الفصل التاسع: قلعة نيرفال
كان الليل قد تمدّد فوق الأرض كسجادة من الحبر، والنجوم اختبأت خلف ستارٍ كثيفٍ من الغيوم السوداء. في الأفق، ارتفعت قلعة نيرفال، كجبلٍ من الظلال ينبض بالحقد القديم، يحيط بها ضباب أحمر يبتلع الضوء، وتعلوها أبراج ملتوية كأنها أنياب تنينٍ نائم.
وقف الأبطال على حافة الوادي المقابل، والهواء هناك لا يُشبه هواء أي مكانٍ آخر؛ كان أثقل، وكأنه يتنفّس الشرّ نفسه.
قال إيرين وهو يراقب القلعة عبر بلّورٍ مائي صغير:
"الطاقة هنا… غير طبيعية. الظلال تتغذى من شيءٍ في الداخل… ربما قلب التنين الأسود نفسه."
أومأ كايان بجدية، والقلق يملأ عينيه الفيروزيتين:
"نيرفال يستعمل قلعتَه كجسرٍ بين العوالم. إن استطاع فتح البوابة الكاملة، فلن يبقى للعالم نورٌ بعد اليوم."
نظرت ليانا إلى القلعة، وارتجفت أناملها. شعرت بشيءٍ غريب في صدرها — طنينٌ يشبه نبضات جناحيها. همست:
"إنه يشعر بي… إنه يعلم أننا قادمون."
تقدّم دراكوس بخطواتٍ ثابتة وقال ببرود:
"فليعلم. هذه المرة لن نختبئ. نحن هنا لنُنهي الظلال، لا لنهرب منها."
بدأوا العبور عبر الجسر الحجري الطويل المؤدي إلى القلعة. الجسر كان يطفو فوق هاويةٍ لا نهاية لها، وكل خطوةٍ تُصدر صدىً كأنها توقظ شيئًا من الأعماق.
عندما وصلوا إلى منتصفه، بدأ الضباب يتحرك حولهم ككائنٍ حي، ثم سمعوا همساتٍ تشبه أصوات أحبائهم الراحلين.
قالت سيرافين وهي تشد على صدرها:
"أمي؟… أهذا صوتك؟"
لكن كايان صرخ:
"لا تصدّقوا شيئًا! هذه أرواح الوهم. إنها تختبر قلوبنا!"
لم يكد يُكمل كلماته حتى ارتفع من الضباب كائنٌ هائل مكوّن من أرواحٍ مظلمة، له آلاف الوجوه، كل وجهٍ يصرخ بندمٍ أو ألم. كان هذا هو حارس البوابة.
قال بصوتٍ كالرعد:
"لا أحد يدخل قلعة نيرفال دون أن يُلقي ظلَّه وراءه!"
تقدمت ليانا بثبات وقالت:
"لن أترك ظلي خلفي، لأنني صرّحت بقبوله!"
ومع صيحتها، فتحت جناحيها المصنوعين من الرياح والضوء، وارتفع وميضٌ أزرق اخترق الضباب، مزّق جسد الحارس إلى شراراتٍ متطايرة، جعلت الجسر يرتجف كأنه يحتضر.
ركض الجميع نحو القلعة، والبوابات العملاقة بدأت تُفتح ببطءٍ مثير للرعب، كأنها تبتلعهم.
عندما دخلوا، أغلق الباب خلفهم بصوتٍ مدوٍّ، وانطفأ الضوء تمامًا.
⟡
في الداخل، كانت الجدران تنزف سوادًا حيًا. كل حجرٍ كان ينبض بذكرياتٍ منسية، وكل نافذةٍ تُظهر عالماً آخر.
قال إيرين بصوتٍ خافت:
"القلعة ليست مكانًا، إنها كائنٌ واعٍ. إنها تراقبنا."
وفجأة، انفصل الممر إلى أربعة طرق مختلفة، وظهرت رموز على الجدران تشبه أجنحة ممزقة.
قال كايان بقلق:
"إنها تختار لنا مصائرنا. يجب أن نبقى معًا."
لكن قبل أن يمدّ يده نحو ليانا، ارتفعت دوامة من الظلال وسحبته إلى أحد الممرات.
صرخت ليانا:
"كايان!!"
اختفى صوته، ولم يبقَ سوى الصدى.
التفتت سيرافين نحوها وقالت بلهجةٍ حزينة:
"لقد فصلتنا القلعة… كلٌّ منا سيواجه شيئًا مختلفًا."
أومأت ليانا بعزم:
"سنجد بعضنا… حتى لو احترقت هذه القلعة بأكملها."
⟡
في أحد الممرات المنعزلة، استيقظ كايان ليجد نفسه في قاعةٍ مغطاةٍ بالمرايا، وكل مرآةٍ تُظهر وجهه في هيئةٍ مختلفة.
لكن في المرآة الأخيرة، رأى نفسه بعيونٍ حمراء وجناحين أسودين. سمع صوتًا مألوفًا يهمس خلفه:
"ألم تشتق إلى حقيقتك؟ أنت لست حامي النور يا كايان… أنت وريث الظلام."
استدار ببطء، ليجد نيرفال بنفسه واقفًا خلفه، ملامحه غامضة كالسواد الخالص، وصوته كأغنيةٍ من الجحيم.
قال نيرفال بابتسامةٍ باردة:
"ظلك لم يُختطف يا كايان… بل عاد إليّ."
ارتجف كايان، وعيناه تتوهجان بين النور والظلام، كأنه يُصارع شيئًا في داخله.
⟡
في مكانٍ آخر، كانت ليانا تمشي وسط قاعةٍ واسعة تسبح في العتمة، وتسمع صوت الرياح يُهمس باسمها. وفجأة، يسطع أمامها نورٌ أبيض من السماء، يظهر منه تنينٌ ضخم بأجنحةٍ من البلّور، ينظر إليها بعينيه الحكيمتين.
قال بصوتٍ عميقٍ كالزمن:
"لقد بلغتِ قلب الظلال يا ليانا. من هنا، يولد الأبطال… أو ينهارون."
رفعت ليانا رأسها وقالت بثقةٍ رغم خوفها:
"لن أنهار، لأن خلفي من يؤمن بي، وأمامي ما يجب أن أُنقذه."
ابتسم التنين، وقال:
"إذن استعدّي، لأن ما ينتظرك ليس نيرفال فقط… بل ما كنتِ تخفينه عن نفسك منذ البداية."
⟡
في الخارج، فوق القلعة، كانت العواصف تدور حول الأبراج كأن السماء نفسها تستعد لمعركةٍ لا تشبه أيّ معركة من قبل.