اجنحه الظلام - الفصل الثالث - بقلم Yahya Al-Haddad - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اجنحه الظلام
المؤلف / الكاتب: Yahya Al-Haddad
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

🕯️ الفصل الثالث: أصوات الغابة المنسية كانت الغابة التي دخلاها تمتد بلا نهاية، كأنها بحر من الأشجار القديمة التي تتنفس في صمتٍ غامض. الضوء لا يخترقها إلا كخيوطٍ واهنة تتراقص على الضباب، والهواء مشبع برائحة الطحلب والرطوبة، ممزوجة بصوت همساتٍ بعيدة لا تُشبه صوت البشر. سارت ليانا خلف كايان، خطواتها تتردد فوق أرضٍ لينة، وكأنها تمشي على ذاكرةٍ حيّة. كل شجرة هنا بدت وكأنها تراقبها، تنحني أغصانها قليلاً كلما اقتربت، كما لو كانت تعرفها منذ زمن بعيد. همست ليانا بصوتٍ خافت: "كأن المكان يتحدث... أسمع همساتٍ، لكنها ليست كلماتٍ واضحة." ردّ كايان بنبرةٍ غامضة: "ليست الغابة من تتحدث، بل الأرواح التي تسكنها. هذه أرض الريح القديمة، لا يدخلها إلا من يحمل أثرها في دمه… مثلك تمامًا." توقفت ليانا، وقد بدأ قلبها يخفق بسرعة. "أثر الريح؟ تقصد... أنني لست بشرية؟" نظر إليها طويلاً قبل أن يقول: "دمك نصفه من البشر، ونصفه من العالم الآخر. والدك كان من نسل حماة الأجنحة، آخر من ارتبطوا بالتنانين القديمة قبل أن تُمحى آثارهم من التاريخ." سكتت لحظة، تتأمل كلامه، وصوت الريح يمر بين الأغصان كأنها تردد كلمات أبيها الغائب. قبل أن تسأل أكثر، دوّى في الغابة صريرٌ حادّ، تلاه صراخٌ مخيف كأنه نُحيب مئات الأرواح في آنٍ واحد. اهتزّت الأرض، وانشقّ بين الأشجار شقّ أسود تصاعدت منه أدخنة سامة. صرخ كايان: "ابتعدي يا ليانا! لقد استيقظت ظلال الحارس!" ومن بين الدخان، خرج مخلوقٌ ضخم، عيناه تحترقان بلونٍ قرمزيّ، وجسده أشبه بجذورٍ متشابكة، يُحيط نفسه بظلالٍ تتبدّل كأنها حيّة. تراجعت ليانا، لكن الريح هبّت فجأة من حولها، تدور حول جسدها في دوائرٍ متلألئة، كأنها تحاول حمايتها. كايان أخرج خنجرًا من حجرٍ أزرق متوهج، وقال: "إنه حارس البوابة الأولى، حارس الممر نحو وادي النور. إذا لم نهزمه الآن، لن نخرج من هذه الغابة أبدًا." هزّت ليانا رأسها، ورفعت يدها بلا وعي، فاشتعل الهواء حولها بضوءٍ أزرقٍ لامع. أطلقت صرخةً صدعت الغابة بأكملها، فارتفعت الأعاصير الصغيرة من تحت قدميها، تضرب المخلوق بكل قوتها. ارتد الوحش إلى الوراء، متفاجئًا، لكنّه لم يسقط. نظر إليها كايان بدهشةٍ وابتسامةٍ فخرٍ خافتة: "لقد بدأتِ تفتحين جناحك الأول يا ليانا." أغمضت عينيها، تشعر بأن الريح تُوجّهها، تُحرّك ذراعيها كأنها ترقص مع الطبيعة نفسها. وفي لحظة خاطفة، هبّت ريح قوية كسيفٍ خفي، شقت صدر المخلوق إلى نصفين، فاختفى في دوامةٍ من الظلال والدخان. حلّ الصمت. اختفى كل شيء، وعاد الهواء نقيًّا، كأن شيئًا لم يحدث. اقترب كايان منها، وقال بصوتٍ مملوء بالإعجاب والرهبة: "الرياح القديمة اعترفت بك يا ليانا. من الآن، لن تكوني مجرّد فتاة… لقد صرتِ وريثة الأجنحة." رفعت نظرها إليه، والعرق يتصبب من جبينها، وقالت بصوتٍ مرتجف: "لكنني لا أفهم بعد… من أنا؟ ولماذا أُخترت أنا دون غيري؟" وضع كايان يده على كتفها وقال بهدوءٍ غامض: "كل شيء في أوانه. لكن تذكّري… كل قوة تُمنح، تُطالب بثمنٍ غالٍ." نظرت إلى الغابة التي بدأت تستعيد سكونها، وشعرت بأن الأرض نفسها تراقبها. لقد تجاوزت أول اختبار… لكن الطريق إلى وادي النور لم يبدأ بعد.