على هامش الوحدة كتبت بثينة - البداية - بقلم بثينة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: على هامش الوحدة كتبت بثينة
المؤلف / الكاتب: بثينة
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: البداية

البداية

يقال إن الإنسان يتغيّر بصمت، وأن أكثر التحوّلات صدقًا لا يسبقها ضجيج… بل شعور خفيف بأن شيئًا في الداخل لم يعد كما كان. نبدأ بالانسحاب من الأماكن التي كنا نملؤها بالحضور، نصير نميل إلى الصمت أكثر، نراقب بدل أن نتكلم، ونرتاح لوحدتنا دون أن نفهم السبب. العزلة ليست وجعًا ولا راحة… هي فقط مساحة نلتقي فيها بأنفسنا كما نحن، بعيدًا عن العيون التي تُفسّر، والقلوب التي لا تسمع إلا ما تريد. كنت أنا — بثينة — فتاةً لا تعرف معنى الهدوء. ضحكتي كانت تملأ المكان، لا أعرف الكتمان ولا الصمت الطويل. كنت مرِحة إلى حدّ يزعج أحيانًا، أتحدث مع الجميع، أضحك بسرعة، أثق بسهولة، وأقترب بلا خوف. كنت اجتماعية إلى حدّ الفوضى، لا أضع حدودًا لأحد، فقط كنت أؤمن أن القلوب الطيبة تجذب مثلها، وأن الناس جميعهم يمكن أن يكونوا أصدقاء. كنت أحبّ الحياة بصخبها، بالضجيج، بالضحكات الكثيرة، أجد راحتي بين الناس، وأخاف من البقاء وحدي ولو للحظة. كنت أهرب من الصمت كما يهرب الطفل من الظلام، كأن الوحدة كانت مرآة أرى فيها ما لا أريد رؤيته. لكن شيئًا ما تغيّر في داخلي، بهدوء يشبه المطر حين يتوقف دون وداع. لم أعد أبحث عن الأصوات العالية، ولا عن تلك التجمعات التي كنت أظنها تمنحني الأمان. بدأت أميل إلى العزلة، بخطوات صغيرة ومترددة في البداية، ثم بشوقٍ خفيّ كلما أدركت أن فيها راحة لا تشبه شيئًا آخر. العزلة لم تعد تخيفني كما كانت، صرت أراها مساحة صادقة ألتقي فيها مع نفسي بسلام، مكانًا لا يُحاسبني فيه أحد، ولا أحتاج فيه إلى أن أبدو بخير. لم أعد تلك الفتاة التي تضحك من كل شيء، لكنني أيضًا لم أفقد نفسي، أنا فقط… صرت أسمع قلبي أكثر.