الغراب - الغراب في الجنة !! - بقلم عبدالرزاق الناوي | روايتك

اسم الرواية: الغراب
المؤلف / الكاتب: عبدالرزاق الناوي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الغراب في الجنة !!

الغراب في الجنة !!

وصل عيسى رفقة العم ابراهيم إلى الضيعة ، إنها لم تكن ضيعة عادية ، إنها جنة فوق الأرض ، دار عملاقة جوانبها من الخشب الرفيع و الزجاج الأنيق ، مسبح شاسع ، أشجار متراصة و حدائق تنبع بالحياة ، ورود بمختلف الأشكال و الألوان ، أصيب عيسى بالدهشة ، لم يتخيل يوما أن يدخل مكانا كهذا . أخذه ابراهيم في جولة يريه فيها المكان و يعرفه على كل ركن من أركان جنته الشاسعة التي جعلت الغراب لا يصدق ما يراه . على بعد مسافة من الفيلا ، حظيرة اجمل من بيت اغنى رجل في حي الغراب ، الكثير من الأغنام و الماعز ، و في الجوار الأبقار تنام في جو أحسن بكثير من الجو الذي ترعرع فيه عيسى ، الإسطبل مليء بالأحصنة ،  الدجاج ، الإوز و البط يتجولون في كل مكان . لقد جن جنون الغراب حقا ، يتأمل المكان و يقول بداخله كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيا !! بعد أكثر من ساعة من التجول بين جنبات الضيعة ، دعا العم ابراهيم الغراب للجلوس قرب المسبح ، أخبره أن يتصرف و كأنه في بيته ، و ألا يخجل من اي احد ، أكد له أن كل من في هذه الضيعة سيساعدونه في اي شيء و لن يجد أي مشاكل في التأقلم كما أخبره أنه سيعرفه فيما بعد عن زهور ، إنها زوجته ، قال بأنها إنسانة نبيلة و طيبة و سيحبها الغراب بلا شك . ثم أخيرا دعاه ليذهب به للمكان الذي سيعيش فيه ، بيت جميل بين الأشجار ، مرتب و انيق ، يتكون من غرفتين و حمام بالإضافة إلى مطبخ صغير ، أخبره أنه لن يكون مضطرا للطبخ ، سيتناول من الأكل الذي يطبخه أصحاب الدار . كل هذا كان مفاجأة بالنسبة للغراب ، لكن المفاجأة الكبرى هو العم ادريس ، رجل يبلغ  من العمر ثمانية و خمسين عاما ، جلبابه أسود و على رأسه قبعة نباتية مصنوعة باليد ، يضع عصاه فوق كتفه ، ألقى السلام ثم سأل الحاج هل الذي أمامه هو عيسى الذي سبق أن تكلم له عنه . أجابه ابراهيم أنه عيسى فعلا ، ثم التفت نحو الغراب و عرفه على ادريس ، أخبره أنه يعمل في ضيعته  لمدة تجاوزت الأربعين سنة ، لم يقصر يوما في مزاولة عمله ، بل دائما ما كان يشتغل  بإتقان و تفاني ، لم يسبق لهما أن واجها أية مشاكل بينهما ، ادريس يقوم بعمله كما يجب ، و الحاج يكرمه كما يستحق ، هكذا استطاع ادريس أن يعمل في ضيعة الحاج طيلة هذه المدة دون مشاكل او صعاب ، بل إنه تزوج و بنى له الحاج مسكنا داخل الضيعة و هو يسكن فيه رفقة زوجته و ابنتيه و يعيش في سعادة و هناء . نهض الحاج من مكانه و طلب من ادريس أن يشرح للغراب طريقة العمل و أن يساعده في التعرف أكثر على الأمكنة . بدأ ادريس يحكي للغراب عن حياته و المدة التي قضاها في الضيعة و الظروف التي أتى فيها : _ لقد طردني ابي ذات يوم من البيت لأني رفضت أن اشتغل عند رجل يبيع الخمر في حينا ، أخبرني أنه علي الإختيار إما العمل و إما أن أغادر البيت فاخترت المغادرة رغم رفض امي ، والدي كان رجلا سيء ، لا يقضي ليلة واحدة دون أن يشرب النبيذ و يأتي ليضربني أنا و أمي . عانت أمي كثيرا و مرضت بسببه ، لم يكن يعطينا المال لنستطيع شراء ما يلزمنا ، أنا و أمي كنا نعمل و نحاول أن نتعايش مع الوضع ، عشت حياة قاسية قبل أن أغادر البيت و اذهب  عند عمي الذي كان يقطن بالمدينة ، لقد أتى بي إلى هنا و عرفني على الحاج ، أخبرني أني سأعمل هنا و الحاج لن يحرمني من أي شيء و ذاك ما كان ، لقد عاملني كصديقه طوال هذه المدة التي قضيتها هنا ، لم يشعرني يوما أني مجرد عامل هنا ، يشاورني في أي شيء ، أما أمور الماشية فأنا من تكفلت بها كاملة ، عندما أتيت هنا لم يكن الحاج يملك هذه الأبقار و الأغنام و الماعز و لا أي شيء ، أنا من اقترحت عليه الفكرة و وافق ، في الأول كان دوري هو السقي و قطف الثمار ، كنت اغسل سيارته احيانا و أقوم بإحضار الحاجيات من عند البقال ، لكنني اقترحت على الحاج فكرة الماشية و وافق دون تردد و جعلني الوصي عليها و نجحت في المهمة . كثيرا ما يسافر الحاج للخارج ، اهتم أنا بكل شيء بمساعدة زوجتي السعدية و بنتاي صفاء و إيمان اللتان تساعدانني احيانا في وقت الفراغ . _والداك ؟ _ بعد قدومي بشهر واحد ، تشاجر ابي مع شخص ما و طعنه بسكين فمات الرجل ، أبي أيضا تعرض لجرح خطير في بطنه ، قضى مدة في المستشفى ثم أخذ للسجن حيث قضى عاما و توفي هو أيضا . طلب مني الحاج احضار أمي معي لتعيش هنا فأحضرتها ، عاشت هنا ما يقارب عشر سنوات ، قصت اجمل فترة في حياتها قبل أن تودعني لدار البقاء . لكن  قبل أن تذهب لجوار ربها طلبت مني الزواج من السعدية التي كانت تعمل هنا ايضا ، تنظف المنزل و تطهو الطعام و كانت امي تحبها بشدة ، الحاج أيضا اعجب بالفكرة فتزوجتها و لم اندم على ذلك يوما . أنجبت لي بنتين أحبهما حبا عظيما ، صفاء تدرس بالجامعة ستحصل على الإجازة هذه السنة ، أما إيمان ففي السنة الثانية باكالوريا ، تدرسان جيدا و هذا يسعدني كثيرا .الحاج ساعدهن كثيرا و هو من تكفل بشؤونهن الدراسية كلها . هنا نعيش كعائلة واحدة ، الحاج و زوجته الحاجة زهور من أطيب خلق الله ، يعاملاننا كأننا أصحاب الدار و لا يشعراننا أبدا اننا عمال هنا و حسب . أنت أيضا أصبحت الآن فردا من أفراد هذه العائلة يا عيسى و ستكون سعيدا بيننا . رافق الغراب العم ادريس الذي أخذه في جولة تفقدية، أخبره عن أعداد البهائم و كيفية عيشها ، أراه المراعي ، أخبره عن القصص التي عاشها مع الماشية و بعض الطرائف التي وقعت طيلة الفترة التي قضاها في الضيعة . كان الغراب مستمتعا و يصغي لإدريس باريحية لم يجربها من قبل و كان كلامه يطربهه و كأنه يعرفه منذ مدة طويلة . اخبره فيي الأخير أنهم سيعودون ليعرفه على باقي أفراد العائلة و كان عيسى في خجل كبير و خوف لا يحسد عليه . إنه اعتاد الخلوة و لم يتعود على التعرف على أناس جدد سيما نون النسوة ...