نفس من العدم
الهواء في الطابق السفلي لم يكن يشبه هواء المكان الذي فوقه.
كان أثقل... أبطأ... وكأن كل نفسٍ يسحبه الإنسان هنا يُكلفه عامًا من عمره.
الضوء الخافت من مصابيحهم اليدوية ارتدّ على الجدران الرطبة،
لكن الظلال كانت تتحرّك ببطءٍ لا يتناسب مع مصدر الضوء.
كان أدريان يسير أولهم،
وفي عينيه بريق غريب بين الفضول والجنون.
من خلفه إ صوفيا تتنفس بصعوبة،
تحاول ألا تنظر إلى أطراف الجدران التي كانت تلمع كأنها تتعرّق.
أما دانيال فقد بدأ يسجّل بالكاميرا وهو يتمتم:
– نحن الآن تحت مستوى الأرض بستة أمتار... لا توجد أي إشارة اتصال.
وردّت ليزا وهي تفحص جهازها الصوتي:
– هناك تردد مستمر... كأنه نبض.
سألها أدريان دون أن يلتفت:
– نبض ماذا؟
أجابت ببطءٍ وهي تراقب المؤشر يهتزّ بشكلٍ غير طبيعي:
– لا أعلم… لكنه يشبه نبض قلبٍ ضخم.
---
عند نهاية الدرج الحديدي،
وجدوا بابًا معدنيًا نصف مفتوح،
تتسرّب منه رائحةٌ كيميائية نفّاذة تشبه رائحة المطهّر الممزوج بالدم.
دفعه أدريان بحذر، فانفتح بصريرٍ طويل،
كأن المكان لم يُفتح منذ عقود.
الغرفة الواسعة أمامهم كانت مملوءة بالأسرّة،
لكلّ سريرٍ بطانية رمادية متآكلة،
وفوق كل بطانية، أثر غائر لجسدٍ كان هناك يومًا… ثم تبخّر.
في الزاوية، شاشة مكسورة لا تزال تعرض صورةً ثابتةً مشوّشة
وجهٌ بلا ملامح، يفتح فمه مرارًا كأنه يحاول الكلام،
لكن لا صوت يخرج.
قال دانيال بصوتٍ مرتجف:
– هل... هل هذه الشاشة موصولة بالكهرباء؟
أجاب أدريان وهو يقترب:
– لا توجد كهرباء هنا منذ 1999.
تراجعت إيفلين خطوة إلى الخلف وقالت بارتباك:
– أدريان، هذا المكان ليس طبيعيًا. أشعر وكأننا مراقَبون.
أدار رأسه ببطء نحوها،
وفي تلك اللحظة، سمعوا جميعًا صوتًا من الجدار خلفهم —
صوت كأن أحدًا يزحف داخله، يخدش الإسمنت بأظافره.
تجمّد الجميع.
ثم، من داخل الجدار،
انبعثت همسات متقطّعة بالكورية والإنجليزية في آنٍ واحد:
> “هل تسمعني…؟”
“لقد انتظرتك طويلاً، أدريان…”
سقط جهاز التسجيل من يد ليزا،
لكن الصوت استمر، حتى دون وجود الميكروفون.
كان يأتي من كل مكان... ومن لا مكان.
---
اقترب أدريان من الجدار بخطواتٍ بطيئة،
رفع يده ولمس الإسمنت.
كان دافئًا.
نبض خفيف تحت راحته، كأن الجدار حيّ فعلاً.
قال بهدوءٍ غريب، كأنه في حلم:
– من أنت؟
انشقّ الصمت، ثم جاء الرد بصوتٍ أنثويٍّ واضح:
> “مارا...”
شهقت إيفلين، بينما اتّسعت عينا أدريان حدّ الصدمة.
تراجع ببطء، ووجهه صار شاحبًا كأنه رأى شبحًا من طفولته.
قال بارتباكٍ تام:
– لا… هذا مستحيل… مارا ماتت… رأيت الجثة!
لكن الجدار تحرّك.
لم يكن خداعًا بصريًا هذه المرة.
تحرّك كأن ما وراءه يدفع بقوةٍ نحو الخارج.
ظهرت انتفاخات صغيرة على الإسمنت،
ثم راحت ترتسم عليه ملامح وجهٍ… وجه امرأةٍ تبتسم.
صرخت ليزا:
– الجميع إلى الخلف!
تراجعوا بسرعة، لكن أدريان بقي في مكانه،
كأن صوته الداخلي يهمس له بأن هذه اللحظة التي انتظرها عمرًا.
الوجه على الجدار فُتح فمه ببطءٍ…
ومن داخله خرج صوتٌ عميق، مزدوج النغمة، لا يُشبه البشر:
> “لوسيان استيقظ... والبوابة فُتحت بدمك يا أدريان.”
ثم اندفع هواءٌ بارد كالثلج من الشقّ في الجدار،
أطفأ كل الأضواء، وأسقط الكاميرا من يد دانيال.
في العتمة،
بدأوا يسمعون خطوات كثيرة...
كأنّ هناك من يسير خلفهم، لا واحدًا، بل عشرات.
قالت إيفلين وهي تلهث:
– لا تلتفتوا! فقط اصعدوا!
ركضوا نحو السلم،
لكن أدريان بقي لحظة واحدة ينظر إلى الخلف.
كان الجدار الآن مفتوحًا قليلًا،
ومن بين الشقوق، ظهرت عين بشرية، تنظر إليه بثبات.
عين مارا