حين يروى الصمت
الفصل العاشر — حين يُروى الصمت
النهار دخل الغرفة بهدوء.
أشعة الشمس كسرت لون الأجهزة الباردة، والهواء صار أخفّ قليلًا.
ليان فتحت عينيها ببطء، كل شيء ضبابي… أصوات خطوات، همسات الممرضات، وأنفاسها نفسها كأنها ترجع تتعلّم كيف تعيش.
دخلت المرأة اللي أنقذتها وهي تمسك صحن طعام صغير.
ابتسمت بخفة، تحاول تخفف التوتر:
> "حمد لله على سلامتك، يا بنتي. لازم تاكلين شوي."
ليان ما تكلمت أولاً، أخذت الملعقة بيد ترتجف.
كل لقمة كانت ثقيلة، كأنها تحاول تبتلع الذكريات مع الأكل.
المرأة جلست على الكرسي المقابل، نظرتها فيها دفء صادق:
> "وين أهلك؟ خليني أتصل عليهم يطمنّون عليك."
توقفت ليان، الملعقة بين أصابعها، عيونها تهرب للأرض.
ظلّت ساكتة لحظة طويلة قبل ما تهمس:
> "ما عندي أحد."
المرأة انصدمت، اقتربت منها أكثر:
> "وش قصدك؟ أكيد عندك أهل ينتظرونك."
ليان رفعت نظرها، بعينين فيها وجع هادي، مو بكاء… بل استسلام قديم.
بدأت تحكي.
عن الأيام الأولى، عن علاء وكلامه، عن الثقة اللي صارت سمّ بطيء، عن خوفها، عن الهروب، وعن بيت ما صدّقها.
كل كلمة كانت تطلع بصوت مبحوح، لكن مرتب، كأنها رتّبت الحكاية في رأسها ألف مرة.
والمرأة ما قاطعتها، بس تسمع.
تسمع بصمتٍ حقيقي، من النوع اللي يواسِي بدون ما يقول شيء.
لما خلصت، ساد الصمت بينهما للحظة طويلة.
المرأة مدت يدها ومسكت يد ليان بخفة.
> "انتهى اللي فات. إنتِ هنا، وتنفّسين، وهذا يكفي كبداية."
ليان أومأت بخفوت، ودمعة ناعمة نزلت بدون صوت.
كانت أول دمعة فيها راحة، مو وجع.