أمر غريب !!
الساعة الرابعة بعد الزوال ، أتى العم ابراهيم لحي الغراب كي يصطحبه لضيعته ، وجد الغراب أمام الباب يجلس على كيس ملابسه ، يدخن سجارته كالعادة ، وقف بجانبه ، قام الغراب بهدوء ، أخذ قبل سجارته و وضعها أمامه ، قام بالعفس عليها ثم فتح باب السيارة الخلفي كي يركب لكن العم ابراهيم طلب منه أن يغلق الباب و يركب في الأمام .
صعد الغراب السيارة، وضع الكيس فوق ركبتيه و أغلق الباب ، أخذ ابراهيم الملابس و وضعهم في الخلف ثم طلب من عيسى أن يسترخي في راحة .
تقدمت السيارة ، نظر عيسى جانبا فلمح رحمة تلوح بيدها مودعة إياه ، منعه الخجل من القيام بالحركة نفسها لكن ابتسامة عريضة على وجهه فضحت مشاعره أمام العم ابراهيم الذي ابتسم و سأله من تكون تلك الفتاة ، تلعتم عيسى و هو يخبر العم أنها ابنة جارهم ، أدرك ابراهيم أن الغراب الذي بجانبه مهووس بالآنسة لكنه قرر ألا يسأله كي لا يحرجه ، إنه يعلم حتى و إن سأل فلن يخبره الغراب بأي شيء !!
كانت السيارة هادئة ، عيسى ينظر من النافذة في هدوء تام ، عقله شارد يفكر في أمه التي تركها في عجز تام ، و رحمة التي سيشتاق لرؤيتها ، نظر إليه العم ثم بدأ الحوار :
_ ( العم ابراهيم بتردد ) صراحة أردت أن أسألك لكنني أخشى أن يغضبك سؤالي أو تعتبره فضول و قلة ادب !
_ لا عليك ؛ إسأل ؟
_ هل توفي والدك ؟
_ لا اعلم !!
_ كيف أنك لا تعلم ؟ ألم تخبرك أمك ؟
_ لا !!
_ و لما ؟
_ لم أسألها يوما !
استغرب العم من حال هذا الشاب ، كيف أنه لا يسأل عن والده ؟ لقد كبر يتيما و لم يجرب يوما شعور وجود أبيه بجانبه ، فتح عينيه فوجد أمه فقط و لم يسألها يوما عن مكان والده ، إنه أمر غريب !!
بينما عقل العم مشغول حيال هذا الأمر تكلم الغراب فجأة :
_ ياقوت تكرهه بشدة ، لو أني سألتها عنه لانفجرت غضبا ، أنا أعلم أنه لم يمت !
_ كيف عرفت أنه لم يمت ؟ و كيف تعلم أن أمك تكرهه ؟
_ إنها دائما ما تقول لي اني عنيد و كسول مثل أبي ، كلما وجدت وصفا سيئا نسبته له ، لو أنه كان ميتا لما كانت حاقدة عليه بهذه الطريقة ، أنا أيضا لا أريده و لا اريد أن أعرف مكانه ، حتى لو أتى و أخبرني أنه ابي فلن أبالي لأمره .
استغرب الرجل استغرابا عجيبا ولم يسأل بعد ، إنه يعلم الآن سبب هذه الشخصية الرهيبة التي يظهر بها عيسى ، لقد عانى بشدة طوال حياته ، أب مجهول و أم قاصية ، لقد تجمد قلبه من الألم لدرجة أنه لم يعد يهتم لأمر أبيه و لا يراوده الفضول ليعلم من هو أبه و اين هو ، لقد مات قلبه حقا !!
واصل الغراب و السيد طريقهما في صمت تام ، لم يعد بإمكان ابراهيم أن يسأل و لم يفكر عيسى في الكلام ، استمر فقط في التأمل سارحا بين أفكاره التي لا تتوقف ، إنه على وشك بدء عمل سيغير حياته بدرجة كبيرة لكنه لا يبالي ، حتى إن أخبره ابراهيم أنه يصطحبه للجنة حيث النعيم المطلق فلن يسعد ، تحجر قلبه و أصبح من الصعب إسعاده ، طلوع البدر وحده يسعده أحيانا ، غير هذا فالغراب حزين لأجل غير مسمى !!!