فرصة العمر !!
صباح هادئ و شمس دافئة ، المارة يملؤون الطريق كل صوب هدفه ، الغراب يقف في مكانه المعهود ينتظر فرصة لجلب قوت يومه . وقفت سيارة سوداء فاخرة ، نظر إليها الغراب و تذكر شيئا ما ! إنه يتذكر هذه السيارة لكنه نسي أين و ما قصتها ! بدأت زجاجة نافذتها السوداء تنزل ، عجوز وسيم بنظارات شمسية سوداء ، هذه اللحية التي يملأها الشيب مألوفة لدى عيسى ! تكلم الرجل و قال : كيف حالك عيسى ؟ هنا تذكره الغراب ، إنه الرجل صاحب الضيعة الذي عاهده أن يذهب به للعمل و اخلف وعده ، نظر إليه الغراب نظرة تظهر غضبه اتجاهه ، نزل السيد من سيارته و أتى للغراب ، اعتذر منه عن تخلفه و أخبره أنه عانى من مشاكل صحية بقي بسببها في المستشفى لأيام ، هذا ما جعله لا يأتي في ذاك اليوم ، كما طلب منه الذهاب معه و بداية العمل ، لكن الغراب رفض :
_ هيا أحضر أمك و ملابسك و تعال معي للضيعة كي تبدأ العمل !
_( انحنى برأسه بيأس ) لا أستطيع !!
_ (باستغراب) كيف أنك لا تستطيع؟ هل وجدت عملا آخر ؟
_ أمي مريضة ؟؟
_ مذا ؟ ما بها أمك ؟
_ سقطت من الدرج و كسر ساقها و يدها .
تأسف الرجل لحال الغراب و بدا الحزن واضحا على وجهه ، ذهب لسيارته و أعين الغراب تترقبه ، عاد بظرف اصفر ، قدمه للغراب :
_ خذ هذا ؟
_ ما هذا ؟
_ خذ و اعرف بنفسك !
مد الغراب يده ببطء ، أمسك الظرف و فتحه فوجد مبلغا كبيرا من المال ، سأل الرجل عن الذي يحصل فأخبره أنه تسبيق عن العمل الذي سيزاوله في ضيعته !
أصيب عيسى بالدهشة ، ما هي قصة هذا الرجل؟ كيف يقدم له مبلغا ماليا كبيرا و لم يعمل بعد ؟ لمذا لا يذهب و يبحث عن عامل آخر ؟ لمذا سيدفع له المال و ينتظره حتى تشفى أمه ؟
أراد عيسى أن يرفض أخذ المال لكن الرجل أسر عليه ليأخذه ، عيسى أيضا أدرك أنه بحاجة شديدة لذلك المال ، أمه مريضة تحتاج الدواء و الطعام، ميلود سيجن قريبا إن لم يدفع له ، صاحب البيت سيأتي و سيطرده هو و أمه للشارع ، كل هذا جعل الغراب يتنازل عن كبريائه المعهود و يقبل مال الرجل .
بينما يفتح الرجل باب سيارته معلنا ذهابه ، عيسى يطلب منه القدوم عصرا كي يأخذه ، استغرب الرجل و سأل :
_ ألم تقل أن أمك مريضة و تحتاج الرعاية؟؟
_ كلا و لكن لا احب أخذ المال دون مقابل !
_ لا عليك ؛ اهتم بامك و حين تشفى ستأتي للعمل .
_ الجارات سيقمن برعايتها ، أريد العمل .
لم يكن كون عيسى لا يحب أخذ المال دون عمل هو السبب الرئيسي للإسراره على مرافقة العم إلى الضيعة ، بل إن عيسى أدرك أن هذه فرصة العمر بالنسبة له، إن عثر هذا الرجل الثري على عامل آخر فإن عيسى سيكون أكبر خاسر ، أين سيحصل على فرصة كهذه ، رجل طيب ، كريم و غني ، سيوفر له كل شيء و سيعيش برفقته حياة جيدة و لن يكون مضطرا للبحث عن عمل كل يوم ، و حين ستشفى أمه سترافقه و لن يكون مضطرا لدفع الإيجار لذلك الذي يدعى الجيلالي .كل هذا جعل الغراب يسر على بداية العمل و ترك مسؤولية رعاية أمه لرحمة ، سيما أنه يدرك أنها لن تقصر في ذلك ، هو يعلم أيضا أن أمه تريده فقط أن يأتيها بالمال و لن تهتم لرحيله .
رأى الرجل اسرار عيسى و وافق على المجيء لأخذه ، عاد الغراب و أخبر أمه التي سعدت كثيرا و حذرته من أن يضيع الفرصة ، أعطاها مالا و اخبرها أن تدفع إيجار البيت و إن تسخر الباقي في قضاء حاجياتها اليومية ، اخبرها أيضا أن رحمة ستكون رهن الإشارة و ستسهر على راحتها و أنه سيدفع لميلود دينه و سيطلب منه أن يقدم لها كل ما تحتاج و عندما سياتي سيرد له دينه .
حمل الغراب بضعة ملابس رثة وضعها في كيس ، و جلس ينتظر قدوم الرجل كي يرافقه لعالمه الجديد ...