حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن ) - الفصل الخامس : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس :

الفصل الخامس :

في ساحة المدرسة، كانت الزحمة بدأت تهدى شوية لما سلمى أخيرًا لمحت رغدة واقفة عند السلم وإكرام جنبها، الاتنين بيضحكوا وبيتكلموا بحماس. صوت إكرام كان باين من بعيد وهي بتحكي حاجة مضحكة، وساعتها سلمى نادت وهي بترفع إيدها " رغدة! إكرام!" الاتنين التفتوا بسرعة، ووشوشهم نورت لما شافوها. إكرام جريت ناحيتها واحتضنتها وقالت بصوت عالي كالعادة " يا بنت انتي فين ! اتاخرتي كده ليه؟!" رغدة ضحكت وقالت وهي بتعدل الشنطة على كتفها " أخيرًا رجعنا بقى… السنة الأخيرة يا سلمى!" سلمى ضحكت وقالت " مش قادرة أصدق إننا خلاص فاضلنا سنة ونخلص." دخلوا سوا الفصل، المكان اللي حافظينه كويس جدًا. الصف كان زيه زي كل سنة: الطاولات الخشبية اللي فيها حفر من أسماء الطلبة اللي سبقوهم، السبورة القديمة اللي نصها دايمًا متسخ بالطباشير، والمراوح اللي بتزن من السقف. سلمى وهي بتبص حواليها لاحظت إن الوجوه هي نفسها تقريبًا، نفس الزملاء، نفس الدوشة، نفس الأجواء. الراحة غمرتها فجأة، كأنها رجعت لبيتها التاني. قعدت في مكانها المعتاد في الصف التالت ناحية الشباك، وإكرام ورغدة جنبها كالعادة. إكرام أول ما قعدت، فتحت شنطتها وطلعت منها علبة بسكويت وقالت وهي بتمد لسلمى " خدي يا بنتي افطري، أول يوم لازم نبدأه بطاقة." رغدة بصت لها وقالت بنبرة فيها توبيخ خفيف "يا شيخة سيبينا من الأكل شوية، دي سنة مصيرية، مفروض نبدأها بتركيز مش ببسكويت!" إكرام رفعت حاجبها وقالت باستهزاء "تركيز إيه؟ أنا السنة دي ناوية أعيشها زي المسلسلات! أخرج، أضحك، أعمل حاجات مجنونة. آخر سنة لينا، بعد كده كل حاجة هتبقى جدّ." سلمى كانت بتضحك وهي بتسمعهم يتجادلوا، وعلقت بهدوء " طيب يا جماعة، كل واحدة فيكم عندها حق بطريقتها." رغدة قالت وهي بتسند راسها على إيدها " حق إيه؟ دي البنت ناوية تبوّظ السنة من أولها!" إكرام عقدت دراعيها وقالت وهي مبتسمة بخبث " لا يا ستي، ناوية أعيشها بس… عايزة لما أتخرج أقول إن الثانوية كانت حلوة." الضحك كان مالي الجو، والطلبة كلهم بيتكلموا بصوت عالي، وكل مجموعة ليها موضوعها. فيه اللي بيحكي عن الإجازة، وفيه اللي بيشتكي إنه مش عايز يرجع للدراسة، وفيه اللي بيتكلم عن خططه المستقبلية. سلمى كانت قاعدة تتفرج على المشهد بابتسامة هادية، مستمتعة بالضوضاء دي اللي حسستها إن الدنيا لسه بخير. كان في جو مريح جدًا… بسيط، عادي، لكن مليان حياة. هي ماكنتش تعرف إن الهدوء ده هو آخر حاجة طبيعية هتحس بيها قبل ما تتبدّل حياتها كلها. ________ كانت سلمى حاطة إيدها على خدها، عينيها سابحة بره الشباك، تتفرج على السما والولاد اللي في الفناء تحت بيضحكوا ويهزروا، ونص ودنها بس مع إكرام اللي لسه شغالة كلام عن إنها عايزة "تعيش حياتها على الآخر" السنة دي، كأن الثانوية دي فيلم وهي البطلة. رغدة كانت قاعدة هادية، كل شوية ترمي جملة كده بنص اهتمام " عيشي يا ستي، بس متنسيش الامتحانات." " طبعًا آخر السنة هتبكي وتقولي يا ريتني سمعت كلامي." سلمى كانت بس بتبتسم بخفة، مش مشاركة اوي بس مستمتعة بالدوشة. الجو كله دوشة وضحك، والفصل بيغلي حرفيًا من الفوضى، محدش فارق معاه إن الأستاذ أو الأستاذة لسه مجاش، بالعكس، الكل مبسوط إن أول حصتين باين كده "طارت"، يعني راحة غير رسمية. بس فجأة، الباب اتفتح بهدوء أولها... وبعدها اتسمع طقطقة كعب عالي على أرضية الفصل، كل خطوة كانت تقيلة وواثقة. دخلت شابة جميلة، ملامحها هادية بس فيها قوة، لابسة تنورة سودة لحد الركبة وبلوزة بيضا مكوية بعناية، ماسكة شوية كتب في إيديها وضامّاهُم على صدرها، شعرها مربوط بدقة. رغم كده، محدش في الأول اهتم، كأنها مجرد "زميلة ضايعة" أو موظفة جديدة عدّت غلط على الفصل. ضحكات الطلبة فضلت تعلى، وصوت الهمهمة ماوقفش. بس هي، بمنتهى الهدوء، ابتسمت بسخرية خفيفة… وبعدها خبطت الكتاب بقوة على المكتب. الصوت كان عالي جدًا، ارتدّ في الفصل كله. الكل سكت في ثانية. اللي كان بيضحك بقى متجمد، واللي كان واقف رجع مكانه بسرعة، واللي كان قاعد على الطاولة نزل فورًا، كأنه طفل اتلبس في مصيبة. هي، بالعكس، فضلت محافظة على ابتسامتها الهادية، وقالت بنغمة واثقة " صباح الخير " سكتت لحظة، وبعدين تابعت "أنا الأستاذة علا… مدرسة الأدب الجديدة." الصوت كان هادي بس فيه هيبة، زي حد مش محتاج يزعق علشان الناس تطيعه. سلمى أول ما سمعت الاسم… تجمدت مكانها. نفسها اتقطع للحظة، عينيها اتسعت، وبُصّت كويس اوي… يمكن غلطت في السمع. لكن لأ… مافيش غلطة. هي فعلاً… أختها علا. أختها اللي شافتها امبارح بالليل وهي بتضحك وبتسألها بتحضر إيه في التلفزيون… دلوقتي واقفة قدامها في الفصل، قدام الكل، كمدرسة! سلمى حسّت بدقات قلبها بتزيد، ومخها مش قادر يستوعب. إزاي؟! إزاي أختها تبقى هنا وماتقلهاش؟! بس علا ماكملتش حتى تصتلها، عينها كانت بتتحرك على الطلبة بهدوء وهي بتقول "هبدأ بالمناداة علشان أتأكد من الحضور." سلمى كانت قاعدة متخشبة، بتحاول تبص بعيد علشان محدش يلاحظ توترها. بس لما علا وصلت للحرف اللي فيه اسمها، وقفت لحظة بسيطة جدًا، لحظة كأن الزمن وقف فيها… بعدين نادت الاسم بنبرة عادية جدًا، كأنها بتنادي على أي طالبة تانية " سلمى ..." سلمى بلعت ريقها وقالت بصوت خافت " موجودة " رغدة واكرام بصوا ليها وكانوا مستغربين عشان سلمى ماحكتش ليهم أنه اختها هتشتغل في مدرستهم . اما علا وقتها رفعت عينيها ليها ثواني قليلة جدًا… نظرة ثابتة، عميقة، صعبة تتفسّر… وبعدين كملت كأنها ولا تعرفها. سلمى فضلت تبصلها مش مصدقة… "هي فعلاً أختي؟ ولا دي واحدة تانية؟" بس جواها كانت حاسة… في حاجة غريبة جدًا في علا النهارده. ابتسامتها مختلفة. نظرتها مختلفة. حتى وجودها هنا… مش صدفة. بعد نهاية الحصة، الجو كان بدأ يهدى في الممر، الطلبة خرجوا يتكلموا ويضحكوا، والأصوات بتتلاشى وحدة وحدة. علا كانت خارجة من الفصل بخطوات ثابتة، شايلة كتبها، عينيها فيها لمعة غريبة كأنها بتحاول تسيطر على اللي جواها. بس قبل ما تاخد أول منعطف… إيد شدّتها من دراعها فجأة. اتلفتت بسرعة، لقت سلمى واقفة وراها، ملامحها كلها صِدمة واستنكار، خدودها محمرة وعينيها فيها خليط بين الغضب والارتباك. سلمى بصوت متوتر ومتعالي شوية " إيه ده يا علا؟! إمتى حصل كده؟! إمتى نقلتي المدرسة اللي كنتي فيها؟! وليه ماقلتيش؟!" كلامها كان بيطلع بسرعة من غير ترتيب، كأنها بتحاول تلحق نفسها من كتر الدهشة. علا ما اتكلمتش في الأول، بس بصتلها بثبات، وبعدين مدت إيدها بهدوء تمسك إيد سلمى اللي كانت مكبّلة دراعها بقوة، وقالت بابتسامة صغيرة جدًا " مفاجأة بقى." سلمى قوصت شفايفها بنرفزة، وعينيها اتسعت أكتر " مفاجأة؟!" قالتها بنبرة فيها سخرية وغضب واضح. علا أومأت وهي لسه محافظة على ابتسامتها، كأنها بتحاول تهدي الموقف. لكن سلمى سحبت اصبعها بعنف في وش علا وقالت بحدة " بصي، من الآخر… أنا بحذّرك من دلوقتي، ما تلعبِيش عليا دور المدرسة، ولا تجربي تمشيها عليا إنك “أستاذة علا”. أنا مش ههتم، ولا هسمعك، ومن الأفضل تعملي نفسك ما تعرفينيش خالص، تمام؟" صوتها كان بيتهز من التوتر، بس كلامها طالع قوي. وبعدها استدارت بسرعة ومشيت بعصبية، شنطتها بتتأرجح على كتفها، وخطاها سريعة كأنها بتهرب. علا وقفت مكانها ثواني، بتتنهد بعمق، وعينيها بتتبع سلمى وهي بتبعد. قالت في سرّها وهي تبص لتحت " كنت عارفة… كنت عارفة ردّ فعلها هيبقى كده." رفعت رأسها بعدين، نظرتها بقت حازمة أكتر، كأنها خدت قرار نهائي جواها. " بس المرة دي… مش هسيبها. مش هسيبها تمشي في نفس الطريق اللي مشيت فيه أختها اللي راحت. أنا لازم أحميها، حتى لو هي نفسها مش عايزة." خطت كام خطوة وهي ماسكة كتبها، صوت كعبها بيرن في الممر الفاضي، ووشها بقى جاد جدًا. " و الحل إني أبقى قريبة منها كل يوم، جوه المدرسة اللي بتقضي فيها نص حياتها… يبقى هفضل هنا. مش مهم اتنازلت عن راحتي، ولا حتى عن سمعتي كمدرسة ناجحة… المهم إنها تفضل عايشة." وقتها ابتسمت ابتسامة حزينة وهي خارجة من الباب، والهواء خبط وشها بخفة… كأنها بداية جديدة، بس هي الوحيدة اللي عارفة قد إيه فيها خطر. ______ كانت ماشية بسرعة في الرواق، خطواتها متوترة وغضبها واضح في كل حركة. كانت الكلمات بتدور في دماغها بدون توقف: "يعني إيه تيجي هنا؟! يعني إيه تبقى مدرسة عندنا؟! وازاي ماقالتش؟! ليه السرية دي؟" الأسئلة كانت بتتخبط جواها زي أمواج مش عايزة تهدى، ووشها بيغلي من الضيق. من يومين وهي مش فاهمة حاجة ، والمشهد اللي شافته في الفصل لسه بيتكرر قدام عينيها. إزاي أختها تبقى واقفة قدامها كـ"أستاذة علا" مش كـ"علا أختها"؟ كل حاجة بقت ملخبطة، وهي مش بخير خالص خلال اليومين اللي فاتو. كانت ماشية بسرعة، مش مركزة ولا شايفة الناس اللي حواليها، لحد ما فجأة خبطت في حد حرفيًا اصطدمت بيه بكل قوتها. اتراجعت خطوة لورا، وشعرت بإيدين تمسكها من كتفها بخفة علشان ما تقعش. اتنفسِت بسرعة ومسحت على جبهتها بتوتر قبل ما ترفع عينيها، وقبل ما حتى تتكلم، سمعِت صوته "انتي تمام؟!" الصوت كان دافي، فيه نغمة لطيفة خلت قلبها يدق أسرع. بصت ناحيته، والعالم وقف لحظة. هو. إسحاق !! وشها احمرّ فورًا، كأن الدم كله قرر يطلع لوشها في ثانية. رغم إنها شافته مرة واحدة بس قبل كده، إلا إن المرة دي حسّت إن كل حاجة حواليها اختفت. كان وسيم جدًا، وابتسامته فيها حاجة… ساحرة. اتلخبطت، مش عارفة تقول إيه، بس هو اللي كسر الصمت وهو بيضحك بخفة "واضح إنك مستعجلة اوي ." هي هزت راسها بسرعة وقالت بتوتر "لأ، مش اوي يعني." ضحك أكتر، ضحكة ناعمة كده خرجت منه بسهولة، وقال وهو بيبص فيها "أول يوم ليكي؟ عامل إزاي؟" قالت وهي بتحاول تبان عادية "تمام… يعني، كويس نوعًا ما." لكن صوتها فضحها، ونبرتها كانت مليانة توتر، فابتسم وقال وهو بيهزر "واضح جدًا إنو مش كويس." هي ماقدرتش تمنع نفسها من الضحك الخفيف، وبصت له ثواني أطول من المفروض. ضحكته كانت معدية، والريحة الخفيفة من عطره علقت في أنفها بطريقة غريبة. سرحت للحظة قبل ما يشاور وراها وقال بلطف "ده فصلي، لو احتجتي أي حاجة قوليلي." ابتسمت وقالت بهدوء "تمام، شكرًا." وسمعت صوت حد بينادي عليه من آخر الرواق، فابتسم لها آخر مرة وقال "نشوفك تاني يا سلمى." وسابها ومشي. وقفت مكانها، لسه بتراقبه وهو بيضحك مع أصحابه، والدوشة اللي كانت في دماغها قبل شوية اختفت كأنها ما كانتش. نسيت هي كانت رايحة فين، ولا ليه كانت غاضبة أصلًا. كل اللي فاضل في عقلها كان صوته، وضحكته، ونبض قلبها اللي بقى أسرع من الطبيعي.