الفصل 256
الكل كان جالس في المجلس الكبير , وبسبب قربهم من المطبخ وصلتهم رائحة الكافور والسدر اللي فاحت من أثر طرطشة المويه , حست خوله باختناق فخرجت وسابت أم محمد وأمها جوة , سحبت نفس عميق ومسحت دموعها ورجعت تساعدهم , قلموا أظافر يدينها ورجولها , فرخوا جوفها من أي شي بداخله , غسلوا شعرها الطويل وجدلوه ثلاث جدائل وبعد ما انتهوا من الغسيل بدأوا يكفونها , شهقت نورة لمن غطى الشرشف الأبيض يد البندري المحناة وبلا تفكير بعدت الشرشف ورفعت يدها وقبلت راحتها الباردة وهي تصيح , قال أم محمد بحنان وهي تمسد ظهرها : يزفونها للجنة يارب , يزفونها للجنة ..
رجعت يد البندري وبعدت عن الطاولة وهي تمسح دموعها , ربطت خوله خيط القماش حولين رجول البندري وثبتتها و دموعها تتقاطر غصب عنها على الكفن ..
ولمن انتهوا مابقي إلا غطاء الرأس قالت أم محمد : نغطيها بعد مايسلمون عليها , شهقت خوله لمن شافتها مكفنه ومو باين إلا وجهها الصغير وتفجرت دموعها وهي تقول : بندريييييييييييي ..
وضمتها بقوة وهي تصيح من قلبها , وبعد ما تمالكوا نفسهم فتحوا الباب وراحوا للمجلس عشان يدخلون الرجال عندها , خرج حسان للمجلس الخارجي عشان وراح عند الشباب اللي جالسين هناك بصمت , و أعمامها دخلوا وسلموا على جبينها بالتناوب وضمها أحمد بقوة من دون أي همسة وبعد عنها , سلم جاسم على جبينها وبعد بسرعة وهو يقاوم دموعه , خرجوا من باب المطبخ وتركوا المجال للحريم بعد ما نقلوها على الخشبة اللي بتحمل عليها ..
راحوا الحريم يسلمون وبعدها قالوا للبنات إنهم ممكن يشوفونها راحوا لها , وأول ما شافوها فتحوا مناحة جديدة و ما قدروا يقربون من الطاولة الغريبة اللي كانت لها أربعة أذرع عشان تحمل بها فوق الأكتاف , خاصة لمن رمت العنود نفسها على البندري وضمتها وهي تقول بهدوء : بنات تعالوا ضموها والله تحسون براحة إذا ضميتوها ..
وهي تصرخ بداخلها ~ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يابندري , رحتي وسبتيني لييييييييييييييه ؟؟ لييييييييييه سبتيني ؟؟ استغفرك يارب , لازم أكون أصبر , لازم أكون أقوى ~ مسحت أزهار دموعها الصامته وتقدمت منها وسحبتها وضمتها عشان تعطي مجال لهدى اللي تقدمت مع نورة وهم ساندين حمده اللي كانت تمشي بخطوات متثاقلة وهي تسبح وتدعي ولمن وصلت لها قالت بصوت متحشرج : وااااو يا بنيتي والله إنك صغيرة , أنا قاعدة وانتي رحتي يا البندري ..
ودنقت عليها بالقوة وسلمت على راسها وهي تقول ببكاء : تراني ودعتك الله اللي ما تضيع عنده الودايع , تراني ودعتك الله , تروحين تقابلين جدك في الجنة إن شاء الله , تراك ارتحتي والشقا لنا إحنا اللي لساعنا عايشين , ودعتك الله ..
وسندتها نورة تبعدها وهي تكرر : ودعتك الله , ودعتك الله ..
وقفت هدى تطااااالع فيها بصمت ودموعها تتساكب ولمن انحنت وحضنتها انفجرت بعويل زاد دموعهم , مسكتها العنود وقالت من بين دموعها وهي تسحبها : أمي خلااااااص , خلاص ارحمي نفسك , خلاااااااااص ...
وتساعدت هي وأزهار والجوهرة وبعدوها عن البندري , عهود طالعت فيها من البعيد ومارضيت تسلم زي باقي البنات اللي سلموا عليها , ولمن قالولهم إنهم يخرجون عشان ياخذونها زاد نحيب البنات وتشبثت ريم بالبندري وهي تصيح من قلبها , دق جاسم باب المطبخ بقوة وقال : يلااااااااااا , يادوب نتحرك عشان نصلي الفجر ..
تحركوا الحريم وسحبوا البنات تسحيب عن البندري وهم يحاولون يصبرونهم , تفلتت سمية ورجعت ضمت البندري , سحبتها أمها وهي تقول بوجع : خلااااااص , سيبوها ..
قال جاسم بحزم : أنا داخل ..
غطت نورة وجهها ولفته برباط محكم ومسكت آخر قماش وغطتها بالكامل , قال جلال بعصبية لجاسم : خش عليهم عشان يخرجون ..
ولمن تردد جاسم دخل جلال وهو يصرخ : خلاااااااص , قلنا خلااااااااااص , أدخل يا جاسم ..
دخل جاسم و أشر للشباب اللي تجمعوا برا عشان يشيلون الجنازة إنهم يدخلون , ولمن دخلوا كانت رؤوسهم للأرض وهم يمسكون أطراف الخشبة ..
أول ماشافتهم العنود يخرجونها صرخت وهي تندفع بلا تفكير : لاااااااااااااااااااا , أبغى أسلم عليها , أبغى أسلم عليهااااااااااااا ...
لف جاسم وغطاها بغترته وهو يرجعها ويقول بحزم : خلاص ..
صرخت وهي تتشبث به : الله يخليك , والله بوسه بس , آآآآآآآآآخر مرة , الله يخليييييييييييييييييييك , جااااااااااااااااااااااااســـــم , الله يخليييييييييييييييييييييييييك ..
قالت أزهار من ورى الباب : خليها تسلم عليها , جاسم الله يخليك خليها تسلم عليها , تراها ماعاد بتشوفها ..
واختنق صوتها وهي تتذكر أمها اللي ما قدر لها ربي وشافتها , نزلوا الرجال الخشبة وسحب جاسم العباية من عمته نورة وغطى فيها العنود اللي راحت وضمتها بقوووووة وهي تقول بصوت حنون : سامحيني , سامحيني إذا زعلتك في يوم , ترا كل عنادي لك والله من حبي , سامحيني , بندري , ماعاد بشوفك ..
وسلمت عليها من فوق غطاها وسلمت ودموعها تتسكاب على وجهها كانت تحس ملامح وجهها من فوق الغطى , سلمت على خدودها وعيونها حتى فمها سلمت عليه وهي تصيح , مسح جاسم عيونه وسحبها وهي تطالع في جسد أختها المسجى , تلقتها أمها في صدرها وضمتها وهي تصيح معاها ...
وفي دقائق صار المطبخ خالي إلا من همهمات البكاء و رائحة الكافور والسدر ...