بين العيون والهمس
الفصل الأول — بين العيون والهمس
كانت تمشي في الممر الطويل بخطوات صغيرة، حقيبتها تكاد تسحب على الأرض.
صوت ضحكاتهم يسبقها. دائمًا يسبقها.
في فصلها، الكراسي تصطف كجنود، والعيون تتبعها كأنها جرم غريب سقط بينهم.
اسمها ليان. وجه طفولي كأنه ما عرف التعب بعد، بشرة ناعمة وشعر بنّي فاتح ينسدل بهدوء على كتفيها.
ما كانت تحب تطالع في المراية كثير، لأنها تحفظ كل العبارات اللي انقالت عنها:
“بنت الطفولة”، “وجهها مثل الدمية بس غبية”، “ما عندها شخصية”.
لكن اللي يوجعها مو البنات، بل الثلاثي الخطير: علاء، مصعب، ويوسف.
كل واحد فيهم له طريقته في كسرها.
علاء، بابتسامته اللي تخلي أي بنت تتلعثم، كان يعرف متى يهمس، ومتى يضحك.
يقرّب منها بالكلام الحلو، يلين صوتها، وبعدين يتركها معلقة في الهواء.
أما مصعب، فالعنف عنده لغة. يدفّها وهي تمر، يسحب دفترها، يرميه من الشباك، وكأن كل حركة منها تثير غضبه بلا سبب.
ويوسف… يوسف أسوأهم. لسانه سكين.
يقول لها:
“يا وجه الطفولة، ليه جيتي للثانوي؟ ارجعي للابتدائي أحسن.”
ويضرب الطاولة كأنه يعلن عن نهاية درسها في الصبر.
ليان ما كانت ترد. تنظر للأرض، تمسك طرف قميصها، تتنفس ببطء حتى لا تبكي.
بس داخلها شيء آخر.
في كل مرة يسخرون، كانت تكتب. في آخر دفترها، بخط صغير جداً:
"أنا أراكم، وأحسب كل شيء… بس مو اليوم اللي تضحكون فيه، اليوم اللي تعرفون فيه من كنت فعلاً."
الجرس يرن، والطلاب يخرجون.
بقت وحدها في الفصل، الضوء النازل من النافذة يلمع على خدّها.
أغمضت عينيها، ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً، كأنها تواعد نفسها بشيء قادم.