الفصل 37
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
كانت الليلة طويلة، والريح تعصف بين أشجار المزرعة كأنها تواسي أنينها المختبئ خلف الجدران.
جلس في مكتبه، الضوء الخافت يتراقص على ملامحه المتعبة.
فتح الأزرار العليا من قميصه، وأسند رأسه على يده، يحاول أن يفهم ما الذي حدث للتو.
لم يكن هذا هو الرجل الذي يعرفه... كان شخصًا آخر، غريبًا، يصرخ في وجه ضميره ويكمم صوته.
في الخارج، كانت السماء تمطر بغزارة،
قطرات المطر تضرب زجاج المكتب كما تضرب أفكاره رأسه بلا توقف.
أشعل سيجارة، لكنها انطفأت بسرعة من شدة ارتجاف يده.
تذكّر وجهها، نظراتها، صرختها وهي تحاول الهرب منه.
تذكّر كيف سقطت دموعها على الأرض الباردة، وكيف ارتجف قلبه رغم أنه حاول ان يكابر.
أغلق عينيه بشدة، وكأنّه يحاول ان يطرد الصورة من رأسه، لكن عبثًا...
كانت ملامحها محفورة في ذاكرته، تلاحقه كظلٍ ثقيل لا ينفك عنه.
مرت دقائق بطيئة،
ثم نهض من مكانه بعصبية، أزاح الكرسي بقوة حتى ارتطم بالجدار.
خرج من المكتب تحت المطر دون أن يحمل مظلة،
الماء يغمر شعره وملابسه، لكنه لم يهتم،
كان يسير نحو المبنى الذي حبسها فيه ، وكل خطوةٍ منه كانت حربًا بين قلبه وعقله.
وقف أمام الباب،
يده امتدت إلى المقبض، ثم توقفت.
سمع أنفاسها الخافتة من الداخل،
وشيئًا داخله انهار بصمت.
فتح الباب ببطء،
دخل دون صوت، والمكان كان غارقًا بالعتمة والرطوبة.
رآها جالسة في الزاوية، جسدها متعب، وعيناها نصف مغمضتين من الإرهاق والخوف.
اقترب منها، خلع سترته ووضعها على كتفيها دون كلمة.
همس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
– "قومي... خلنا نطلع من هنا."
رفعت رأسها ببطء، نظرة خائفة، لكنها لم تقل شيئًا.
وقف صامتًا، لا يعرف كيف يبرر ما فعل، ولا كيف يبدأ من جديد.
كان يريد أن يقول «آسف»، لكنه لم يستطع.
كأن الحروف نفسها خانته ورفضت الخروج من فمه.
خرج الاثنان إلى الخارج،
الريح تلطخ وجهيهما بالمطر،
لكن في داخله، كانت هناك عاصفة أكبر...
عاصفة من الندم والضياع، لا يعلم إن كان سيخرج منها يومًا.
.
.
.
.
.
.
.
ابتدت عنه وخرجت من المبنى بخطواتٍ بطيئة، المطر ينهمر فوقها بلا رحمة.
لم تلتفت خلفها، لم تنطق بكلمة،
كل ما خرج منها كان شهقاتٍ متقطعة، تختلط بأنفاسها المرتجفة.
كانت تمشي كأنها في حلمٍ ثقيل، أو كابوسٍ لم ينتهِ بعد.
الريح تدفع خصلات شعرها على وجهها، والبرد يلسع بشرتها،
لكنها لم تهتم. لم تكن تشعر بشيء...
حتى الخوف الذي كان يملأ قلبها، صار صمتًا مرًّا يتغلغل في أعماقها.
سارت عبر الممر الحجري المؤدي للحظيرة،
وفجأة توقفت.
بين المطر وضباب المساء، لمحت كاسر — الحصان الأسود الذي كانت تعتبره صديقها الوحيد.
كان يقف هناك، شامخًا كعادته، ينفث بخاره تحت المطر،
ذلك الكائن الذي حرَمها عزّام من رؤيته منذ زمن.
ارتجفت شفتاها،
وبدأت الدموع تختلط بالمطر على وجهها دون أن تدري.
اقتربت بخطواتٍ مترددة، مدّت يدها نحوه بخوفٍ واشتياق،
ولمّا لامست عنقه البارد، انسكبت دموعها بصمتٍ مؤلم.
همست بصوتٍ مبحوح، بالكاد يُسمع بين صوت المطر:
– "اشتقت لك يا كاسر..."
رفع الحصان رأسه، وصهل بصوتٍ قوي، كأنه أحسّ بما في قلبها.
ابتسمت بخفوتٍ، ابتسامة قصيرة باهتة تشبه بقايا أملٍ قديم.
ثم أغلقت عينيها للحظة، تنفّست المطر،
وشعرت أن هذا الكائن الوحيد الذي ما خانها،
هو الشيء الوحيد الباقي لها في هذا العالم الغريب.
وقفت هناك طويلًا،
السماء تبكي فوقها،
وهي تبكي بصمتٍ أعمق منها.
.
.
لمحها وهي تحضن حصانه،
وقف في مكانه دون حراك، المطر يتساقط على كتفيه بصمتٍ ثقيل.
نظرته ثابتة عليها، ولا يعلم ما الذي يشعر به بالضبط...
شيء ما في صدره يتحرك بعنف، كأنه إعصار ما بين الغضب والندم والشيء الذي لا يريد الاعتراف به.
كل ما يعلم به أن داخله حرب لا تهدأ.