نبؤة الحارسة الاخيرة
الظلام…
كل ما كانت تشعر به هو ظلام كثيف يلتهم أنفاسها.
صوت المطر اختفى. لم تعد تسمع سوى دقات قلبها — قوية، متسارعة، ثم بطيئة، كأنها تعود من الموت.
فتحت عينيها ببطء…
كانت مستلقية على أرضٍ رطبة، محاطة بالضباب.
لم يكن هناك أثر للقاعة، ولا لأبيها، ولا لأولئك الرجال المقنّعين.
فقط صمت غريب، يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة.
نهضت بتعب، تلمس القلادة المعلقة حول عنقها…
كانت باردة تمامًا، كأنها لم تشعل جحيمًا قبل قليل.
لكن آثار اللهب على ذراعيها لم تكذب.
نظرت إلى يديها، فإذا بعروقها تشعّ بخيوط ضوءٍ أحمر خافت، تتحرك تحت الجلد كأنها نار حيّة.
همست بخوف:
> "ما الذي يحدث لي؟"
وفجأة، دوى صوت خلفها، خافت لكنه حاد:
> "يحدث ما كان يجب أن يحدث منذ زمن، يا ابنة النار."
التفتت بسرعة، وإذا بشخصٍ يجلس على صخرة، يلفّه معطف أسود طويل، ووجهه نصفه مغطى بقناع معدني لونه فضي.
كان شعره أسود كسواد الليل، وعيناه تلمعان بلونٍ أزرق غامض.
> "من أنت؟! أأنت من حرّاس الظل؟"
ضحك بخفة وقال:
> "كنت… لكني لم أعد منهم."
اقترب منها خطوة بخطوة، وكل خطوة منه تُحدث رجفة في الأرض.
> "لقد استيقظ دمك يا دعاء، ولا يمكن لأحد أن يوقفه الآن."
نظرت إليه بعينين متّقدتين:
> "دم ناري؟! يقولون إنني نصف بشرية… نصف شيء آخر… ما أنا حقًا؟"
توقف أمامها تمامًا، حتى شعرت بحرارته، وقال بصوتٍ منخفضٍ كأنّه اعتراف:
> "أنتِ من سلالة الحارسات الأولى… أول من وُلد من بشرٍ ونار.
لقد كنتِ نبوءة، يا دعاء… نبوءة كان يخشاها والدك أكثر من أي عدوّ."
صُدمت.
> "أبي؟ يخشاني؟ مستحيل!"
هزّ رأسه بهدوء.
> "بل خاف قوتك… لأن آخر من حمل دم النار دمّر مدينة بأكملها في ليلة واحدة."
تراجعت، والدموع تختلط بالمطر الذي بدأ يهطل مجددًا.
> "أنا... لست قاتلة."
اقترب أكثر، وقال بنبرة غامضة:
> "ليس بعد."
رفعت نظرها إليه بعينين دامعتين، فابتسم وقال:
> "لكن يمكنك أن تختاري. إمّا أن تهربي من قوتك… أو تتعلّمي كيف تستخدمينها قبل أن تلتهمك."
> "تلتهمني؟!"
> "قوة النار لا تُروّض… هي من تختارك، لا العكس. وإذا لم تتعلّمي السيطرة عليها، فستلتهم جسدك وروحك معًا."
مدّ يده نحوها، وكأنّه يعرض عليها صفقة مع القدر:
> "تعالي معي. سأعلمك من تكونين، وسأريك أين اختفت أمك."
ترددت لحظة…
صوت أبيها يتردّد في ذهنها: “لا تثقي بالبشر.”
لكن أمامها لم يكن بشرًا تمامًا… كان شيئًا آخر، مزيجًا من الظلام والضوء.
مدّت يدها نحوه بتردد، لكن قبل أن تلمس يده —
اهتزّت الأرض من جديد.
تشققت التربة تحت قدميهما، واندفعت من بين الشقوق ألسنة لهب سوداء، لا تشبه نارها الحمراء.
تراجع الغريب بسرعة، وقال بعينين متسعتين:
> "مستحيل... لقد وجدونا مجددًا!"
> "من؟!"
لكن الجواب جاء في شكل صوتٍ أنثوي عميق، يتردد في الهواء من كل اتجاه:
> "يا ابنتي… أخيرًا وجدتك."
تجمدت دعاء مكانها، عيناها تتسعان، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
ذلك الصوت...
كانت تعرفه.
> "أمي؟!"
وفي اللحظة التالية، انبثق من الضباب وجه امرأة من لهبٍ أحمر متوهج، ملامحها مألوفة بشكلٍ مخيف، تتأرجح بين الجمال والرعب.
رفعت يدها النارية، ولمست وجه دعاء بلطفٍ محرق، وهمست:
> "لقد تأخرتِ كثيرًا يا صغيرتي..."
ثم نظرت إلى الرجل المقنّع خلفها وقالت بصوتٍ يقطّع السكون:
> "وأنت... لم يكن عليك أن تعيدها."
وقبل أن تفهم دعاء ما يجري، اشتعلت النار من تحت قدميها، والتفّ الضباب من حولها كدوامةٍ تبتلع كل شيء —
ثم اختفى الجميع.
وآخر ما سمعته كان صدى صوت أمها، يهمس من بعيد:
> "الدم الناري... استيقظ أخيرًا."