دم النار
كانت القلادة تلمع بين أصابع دعاء كقلبٍ حيّ ينبض بالضوء الأحمر، تارةً تخفت، وتارةً تشتعل.
المطر لم يتوقف، لكن الريح سكنت فجأة، وكأن الطبيعة كلها تحبس أنفاسها في انتظار ما سيحدث.
تراجعت دعاء خطوة إلى الخلف، وهمست لنفسها:
> "ليس دمًا بشريًا؟ ما الذي يعنيه هذا؟ من أنا؟"
لكن الهمهمة في الغابة لم تجبها… بل ازدادت قوة، حتى بدا وكأن الأشجار تنحني نحوها، تُنصت، تراقب.
ثم... انفجر الضوء من القلادة، ليمتدّ كشرارة نار إلى الأرض المبللة، يرسم دوائر غامضة متشابكة حولها.
صرخت دعاء، محاولة نزع القلادة، لكنها التصقت بعنقها كأنها جزء منها.
أغمضت عينيها من الألم، وفجأة وجدت نفسها في مكان آخر.
لم يكن هناك مطر... ولا غابة.
بل قاعة حجرية ضخمة، مضاءة بمشاعل خضراء متراقصة على الجدران.
صدى خطواتها يتردد في المكان، وجدران القاعة مزخرفة برموز غريبة: ذئب، نسر، أسد... ونار.
وقبل أن تستوعب أين هي، سمعت صوتًا مألوفًا، عميقًا، قويًا...
> "مرحبًا بكِ، يا ابنتي."
تجمّدت.
ذلك الصوت...
كانت تعرفه.
> "أبي؟!"
التفتت، وها هو — والدها — يقف أمامها مرتديًا درعه الأسود اللامع، سيفه يتدلى على خاصرته، وملامحه جامدة كالجبل.
لكن شيئًا في عينيه لم يكن طبيعيًا… كانتا تقدحان بضوء ذهبي غريب.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، وعيناها تبحثان عن دفءٍ مألوف فلم تجده.
> "أين أنا؟ ماذا يحدث؟ قالوا إن أمي لم تمت! هل هذا صحيح؟!"
صمت للحظة، ثم قال بصوتٍ بارد كحدّ السيف:
> "كان يجب ألا تعرفي... لم يحن الوقت بعد."
> "لكنني رأيت القلادة! أمي حيّة، أليس كذلك؟!"
خفض رأسه قليلًا، ثم قال:
> "حيّة؟ لا... ليست كما تظنين.
لقد تجاوزت حدود البشر. وما يجري في عروقك هو نفس الدم الذي جرى في عروقها... دم النار."
ارتجفت دعاء، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
> "دم النار؟!"
> "أجل... أنتِ من سلالة الحارسات. آخر من تبقّى. ولأنك وُلدت من بشرٍ ونار، فإن الجميع سيطاردك. البشر يخافونك، والمخلوقات الأخرى تريد قوتك. لهذا أخفيتك. لهذا... كذبت."
صرخت بانفعال:
> "أخفيتني؟! من العالم؟ أم من نفسي؟!"
لكن قبل أن يجيب، اهتزّت القاعة بعنف، وتساقطت الحجارة من السقف.
ارتفع صدى صرخات قادمة من الخارج، أصوات معدنية، وسيوف تتقاطع، وصيحات حرب.
فتح الأب عينيه على اتساعهما، وقال بحدة:
> "لقد وجدوك!"
> "من؟!"
> "حرّاس الظل!"
أمسك بيدها بقوة، وفتح بابًا حجريًا في الجدار الخلفي.
> "اركضي، الآن! لا تنظري خلفك!"
لكن دعاء توقفت، بعنادها المعهود:
> "لن أهرب بعد الآن! لقد تعبت من الهروب!"
وفي لحظة خاطفة، اقتحم الباب الخلفي ثلاثة رجال يرتدون أردية سوداء، وجوههم مخفية، وأعينهم تضيء بلون أزرق باهت.
رفع أحدهم سيفًا ضوئيًا كأنه من لهبٍ أزرق، وصاح:
> "سلّمها لنا، يا حارس الجبل! الدم الناري ملك لنا!"
أشهر والدها سيفه، وقال بصوتٍ يشبه الرعد:
> "على جثتي!"
اندلع القتال.
شرارات تتطاير، والهواء يشتعل بحرارةٍ غريبة.
دعاء تراجعت للخلف، تمسك القلادة التي بدأت تتوهّج أكثر فأكثر، حتى أصبحت تحرق جلدها.
صرخت بألم، وامتدّ اللهيب من حولها، يرسم جناحين من نار خلف ظهرها.
توقفت المعركة. الجميع نظر إليها بدهشة ورعب.
حتى والدها جمد مكانه.
> "لا... لا يمكن..." تمتم وهو يحدّق فيها.
رفعت دعاء عينيها، ووجهها يضيء بلونٍ أحمر ناري، وصرخت بصوتٍ لا يشبه صوتها:
> "من أنا؟!"
ثم انفجر الضوء.
اختفى كل شيء في ومضة نارية هائلة...
وحين هدأ الدخان، كانت القاعة خالية.
لا أثر لوالدها.
ولا أثر لحرّاس الظل.
فقط القلادة...
تتدلّى على الأرض، مشتعلة بضوءٍ أحمر نابض...
ثم، فجأة، انطفأ!..