وريثة اللهب - احب المطر لكنني من النار - بقلم دعاء محيلي | روايتك

اسم الرواية: وريثة اللهب
المؤلف / الكاتب: دعاء محيلي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: احب المطر لكنني من النار

احب المطر لكنني من النار

تجمّدت الكلمات في حلق دعاء، بين الخوف والفضول. كلمة "أمك" وحدها كانت كفيلة بإشعال النار في صدرها... تلك النار التي لم تنطفئ منذ طفولتها. نظرت إليه بعينين مرتجفتين، تتأرجحان بين الدفاع والهجوم. > "أمي؟ ما الذي تعرفه عنها؟!" ابتسم الغريب، ابتسامة خفيفة لم تُفهم معناها، ثم قال: > "أكثر مما تعلمين، وأقل مما ستكتشفين." اقترب خطوة. كانت خطواته هادئة، لكنها تحمل ثِقَل الجبال. تراجعت دعاء لا إراديًا، كأن الأرض تسحبها إلى الوراء. > "توقّف عندك!" صاحت وهي ترفع حجرًا من الأرض، كأنها تحمل سيفًا من الخوف. "قل ما عندك وإلا..." ضحك ثانية، بصوتٍ يشبه دويّ الرعد البعيد. > "وإلا ماذا يا ابنة الجبل؟ أستحق القتال؟ أم الهرب؟ أنتِ لا تعرفين من أنتِ بعد." ارتجفت الشابة، ثم رفعت حاجبيها بعنادٍ مألوف: > "أنا ابنة الحروب! تربّيت بين السيوف، وأعرف كيف أُسكت الغرباء أمثالك!" ساد الصمت... ثم قال بصوتٍ خافتٍ، يكاد يُسمع وسط المطر: > "ابنة الحروب، نعم... لكنك أيضًا ابنة النار." شهقت دعاء، ونظرت إليه كأنها تلقت طعنة غير مرئية. > "ماذا تقصد؟!" تقدّم أكثر، حتى كاد يفصل بينهما المطر فقط. > "أمك لم تمت كما قالوا لكِ... لم تقتلها الحروب، ولا المرض. بل اختفت في تلك الليلة التي احترق فيها الجبل." رفرفت عين دعاء بدهشة: > "الجبل؟ ذلك الحريق... أبي قال إن—" قاطَعها بصوتٍ صارم: > "أبوك كذب عليكِ." تراجعت خطوة أخرى، وابتلعت ريقها بصعوبة. > "لماذا؟ لماذا سيكذب؟" مدّ الغريب يده إلى جيبه، وأخرج قلادة فضية صغيرة، كانت تتدلّى منها ريشة حمراء متفحمة. > "هل تعرفين هذه؟" تقدّمت بخطوات مرتعشة، ولمّا رأت القلادة، اتسعت عيناها كأن الزمن توقف. > "هذه... هذه قلادة أمي!" ابتسم الغريب وقال ببطء: > "أمك لم تمت يا دعاء... بل اختارت أن تختفي. لأن ما يسري في دمك... ليس دمًا بشريًا." وقبل أن تنطق بكلمة، دوّى صوتٌ رهيب من أعماق الغابة... عواءٌ طويل، مدوٍّ، ليس كعواء الذئاب، بل كصراخٍ يخرج من باطن الأرض نفسها. تلفّتت دعاء حولها، والمطر ازداد غزارة، والرعد شقّ السماء. أما الغريب، فابتسم ابتسامة خافتة، وقال بصوتٍ بالكاد يُسمع وسط العاصفة: > "لقد وجدونا..." ثم اختفى. نعم، اختفى أمام عينيها كما يتلاشى الدخان في الريح. وقفت دعاء مذهولة، تحدّق في الفراغ الذي كان يقف فيه، بينما القلادة تتدلّى من يدها، تشعّ بضوءٍ أحمر خافت... وصوت الغابة من حولها يتحوّل إلى همهمة غامضة، كأن الأشجار نفسها تنادي باسمها. > "دعاء..." "دعاء..." رفعت عينيها نحو السماء، لتجد القمر قد انشقّ نصفين، وضوءه يغمرها بلون الدم.