الحب المحرم
شعر فارس بقلقٍ شديد بعدما قرأ ما كتبته رحمة في مذكرتها، قال في نفسه: "لازم رحمه تروح لدكتور نفسي...بس هى مش هتوافق ..تب الحل ايه؟؟
ظل يفكر طويلًا حتى خطرت له فكرة ...
في صباح اليوم التالي، استيقظت رحمة وجلست على السرير تتثاءب قائلة بصوت متعب:
ـ "هو في إيه؟ أنا حاسة إني دسّني قطر! حتى مش فاكرة جيت هنا ازاى..."
وقبل أن تكمل حديثها، دوى صوت معدتها وهي تطالبها بالطعام. نهضت بتثاقل، تحك رأسها وهي تتثاءب من جديد، ثم خرجت إلى المطبخ بخطوات بطيئة. فتحت الثلاجة وأخرجت زجاجة عصير، شربت منها بنهم ثم وضعتها مكانها. وما إن التفتت حتى فوجئت بفارس واقفًا بجانب البوتاجاز يحدّق بها.
كان ينظر إلى شعرها المتناثر وعينيها المعمصتين، وهي ترتدي جوربًا في قدم والاخرى لا، وفي قدمها حذاء مضحك على شكل أرنب.
اتسعت عينا رحمة من الدهشة، ما الذي جاء بفارس إلى هنا؟
وفجأة تذكرت أحداث الليلة الماضية: كيف احتضنته، ثم نامت على كتفه، وكيف حملها حتى سريرها وخلع حذاءها. همست لنفسها بخجل: "يخربيت الكُسوف!" فأغلقت باب الثلاجة بسرعة، واحمرّ وجهها كالجمر، ثم جرت مسرعة إلى غرفتها.
نداها فارس وهو يحاول كتم الضحك :يبنتى استنى
ولكنها لم تنصت له بل وقفلت الباب خلفها
وقف فارس يضحك بصوت مكتوم حتى لا يحرجها أكثر قائلا:طيب هروح اخلص الفطار...خدى وقتك
، ثم عاد ليكمل تحضير الإفطار. وبعد قليل، وضع الأطباق على المائدة وتوجه نحو غرفتها قائلاً:
ـ "اخرجي يا بنتى يلا عشان نفطر."
فردّت من الداخل بحدة:
ـ "مش عاوزة أفطر... افطر إنت وامشي."
ضحك وهو يقول:
ـ " طب افتحي بس، وأنا مش هعلّق على أي حاجة شفتها."
ـ "هو إنت شفت إيه يعنى؟! .. إنت بتقوم من النوم تلاقي نفسك مهند؟"
ـ "ههههه، ... أمال حابسة نفسك ليه جوه؟"
ـ "مش حابسة نفسي... بس مش جعانة."
ـ "طيب اطلعي... والبسي الكُلوك الأرنب ده، عشان كيوت أوي عليكي."
ـ "ظريف قوي! دمّك كاتشب ما شاء الله."
ـ "حبيبي... تسلم "
ـ "فارس... امشي من قدام أوضتي قبل ما اقوم أعملك بوفتيك.
رد ساخرا:
ـ "تصدقى خفت .. أنا هستناكي عالسفرة. اياكى تتأخري، وعلى فكره عندكم امتحان شفوي النهارده."
تسمرت رحمة في مكانها وامسكت الهاتف لتجد فعلا انها دونت امتحان في ذلك اليوم في المفكره فتفقدت الساعه لتجدها التاسعه والنص ثم صاحت:
ـ "يا نهار أبيض! فعلاً... اتأخرت!"
أسرعت لتتجهز وارتدت "تيشيرت" أوفر سايز باللون البيبي بلو، مع بنطال جينز أبيض، وكاب وحقيبة ظهر بيضاء، وأخذت كتبها ثم خرجت مسرعة وهي ترتدي فردة حذاءها. وجدت فارس ينتظرها فقالت:
ـ "هو مش إنت كمان عندك امتحان... مروحتش تغيّر ليه؟"
ـ "مش هينفع أروح."
نظرت له باستغراب: لى
ثم ادركت قائله :" اه فهمت... طب لحظة."
دخلت غرفتها وأخرجت من الخزانة "تيشيرت" أبيض مخطط بالأسود، وبنطال جينز أوفر سايز، وجاكيت أسود. خرجت وهي تقول:
ـ "عارفة إنه مش ستايلك... بس يمشي اليوم. خد دش والبسهم."
قال فارس بإحراج:
ـ "مكنش له لزوم... كنت هروح بلى عليا وخلاص"
ضيّقت عينيها بحدة:
ـ "يعني بتعمل فرق بينا؟! تمام... برحتك."
سارع فارس قائلاً:
ـ "لا لا، مش قصدي... خلاص هاتيهم."
ابتسمت رحمة وأعطته الملابس، فدخل ليغير. خرج بعدها ليجدها تلتهم الطعام بسرعة كأنها لم تأكل منذ أيام. تذكر أنها ربما لم تذق شيئًا البارحة بسبب ما حدث. قال مازحًا:
ـ "ههههه بالراحة... هتزوري!"
التفتت إليه رحمة لتجده في غاية الأناقة. الملابس كانت تليق عليه بشكل مبهر، بل وكأنها صُممت له. قالت بإعجاب:
ـ "إيه الحلاوة دي! شيك أوي عليك."
ابتسم بثقة:
ـ "ما أنا عارف إنه شيك... أي حاجة بتليق عليا أصلاً."
ـ "يا نهارك أبيض! يخربيت التواضع... مش بقولك دمك بق كاتشب؟"
جلس بجوارها مازحا:
ـ "طيب ما تيجي نحط الكاتشب على البيتزا... ويبقى كتشبنا في بيتزتنا."
ابتسمت مكايدة:
ـ "أنا مش عاوزة كاتشب... عاوزة مايونيز.
ـ "وحياة أمك... مايونيز ...تب خلى الميونيز ينفعك."
وقبل أن يغادر متظاهرًا بالغضب، أسرعت خلفه رحمة قائلة:
ـ "خلاص خلاص...تعالى متزعلش هسميك فارس القمّاص"
ضحك فارس عاليًا هذه المرة، ثم خرجا معًا بعد ان فطرا سويا ولملما الأطباق، متجهين نحو الجامعة...
في الجامعة، الساعة التاسعة وخمس وأربعون دقيقة.
نزل فارس ورحمة من سيارة الأجرة، يتبادلان الضحكات، بينما فارس يعلّق بسخرية خفيفة على شكلها حين استيقظت صباحًا، فتردّ عليه بضربة على كتفه، محاولة أن تجعله يتوقف عن تنمره عليها.
لكن ضحكاتهما توقفت فجأة حين وقعت أعينهما على جيهان، واقفة عند البوابة تراقبهما بعينين ممتلئتين بالدموع. ما إن التفتت لتدخل إلى الداخل، حتى أسرعت رحمة خلفها، تلحقها بخطوات مضطربة حتى أمسكت بمعصمها لتوقفها. التفتت إليها جيهان، وسحبت يدها بغضب وهي تقول بصوت مبحوح:
ــ جايه ورايا ليه؟ عاوزه منى إيه؟
قالت رحمة بأسف:
ــ أنا آسفة، بالله تسامحيني... أنا كنت مخنوقه ومكنتش عارفة بكلم إزاي ولا بقول إيه وقتها . إحساس إنّي السبب في اللي انتو فيه خلاني أقول كلام ما ينفعش يتقال.
عيون جيهان ما زالت تلمع بالدموع، ردّت بمرارة:
ــ بأمارة إيه ؟ جاية إنتي وهو إيد في إيد ومبسوطين... إنتي خرجتيني من حياتك عشان يفضالك الجو مع فارس.
أسرعت رحمة، مدافعه عن نفسها:
ــ لا والله ما حصل! متظلمنيش... أنا كنت هارمي نفسي في النيل امبارح لولا إن فارس جه ..وبعدين اتكلمنا !
كان فارس قد لحق بهما، يستمع بصمت للحديث، حتى التفتت نحوه جيهان وقالت بحدة جارحة:
ــ عشان هو ما عندوش كرامة.
تفاجأ فارس، وقال بدهشة:
ــ أنا؟!
ردّت بحدة أكبر:
ــ اه عشان إنت عادم كرامتك معاها. بتقولك "اخرج من حياتي" وتقولنا "كنّا مجرد ملو فراغ"، وتملّيه بناس تانيين، وانت تجري وراها وتترجّها تكلمك! تبقى إيه؟ غير انك معدوم الشخصية؟
ارتفع صوت رحمة بغضب وهي تدافع عن فارس:
ــ ميجيش معاكي انهو عارف رحمة كويس... وعارف إنّي قلت الكلام دا بدافع الغضب بس. وعشان إحنامش مجرد صحاب احنا عيله ولازم نستحمل بعض.
فارس ظل صامتًا، مكتفيًا بما قالته رحمة، أما جيهان فردّت بقسوة ومرارة:
ــ بتحاولي تستغبي يا رحمة... فارس مش معتبرك صاحبته فارس...
قاطعها فارس بصوت حاد:
ــ جيهان، متقوليش كلام ملوش لزوم الوقتى
ضحكت جيهان ضحكة ساخرة، وقالت:
ــ عشان إنت عارف إنها كرفالك. ومع ذلك بتجري وراها زي الأهبل. بس عاوزة أقولك لو لقت حد أحسن منك هتسيبك وتقولك: "سوري يا فارس، إنت لازم تخرج من حياتي".
رحمة نظرت لها بعينين غارقتين في الحزن، قلبها مكسور من قسوة صديقتها. لم تتوقع أن يخرج من جيهان كل هذا الغضب، لكنها في أعماقها تعلم أن جيهان تظن أنها استبدلتها بفارس. لكن لو تعلم أن مكانتها عند رحمة لم تكن مجرد "صديقة"، بل أخت وسند.
رد فارس وهو يحاول كبح غضبه منها:
ــ جيهان، الغضب عميكي وخلاكي تقولي كلام جارح... أعتقد لازم نهدى وبعدين نتكلم تاني.
قالت جيهان بسخرية لاذعة:
ــ انسوا... انتو الاتنين انتهيتوا بالنسبا لي. وبالأخص إنتي يا رحمة. أما إنت يا فارس، هسيبك للزمن يعرّفك معدن رحمة الحقيقي.
ثم استدارت ورحلت، تاركة خلفها صمتًا مثقلاً بالجراح.
وقف فارس ينظر إلى رحمة، التي ظلت في مكانها والدموع تتسرب من عينيها، تمسحها سريعًا بكمها وهي تقول بصوت مبحوح:
ــ أنا عارفة إنه مش من جواها... بس قلبي وجعني أوي.
أجاب فارس بحزن عميق:
ــ متزعليش... عمرها ما هتلاقي صاحبة زيك.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:
ــ فعلاً... هتلاقي الأحسن مني.
ثم وضعت يدها على كتفه، وأضافت:
ــ شكراً إنك متخلّيتش عني... رغم إني مش صاحبة كويسة.
وقبل أن يرد، أكملت وهي تلتقط أنفاسها:
ــ هتأخر على الامتحان... باي.
تركت مكانها مسرعة إلى الداخل لتلحق امتحانها، بينما بقي فارس في مكانه، يمضي بخطوات مثقلة، حزينًا على ما حدث بين أعز صديقاته.
--------
على الجانب الآخر، جلس عيسى في مكتبه يتابع التحقيقات، أمامه أوراق قضية الجار المقتول. كان يقرأها بتمعن شديد، حتى توقف فجأة عند سطر غريب في تقرير الطب الشرعي.
فحص الدم كشف وجود مادة مخدرة غير معروفة بعد علميًا، مادة تؤثر على الأعصاب وتجعلها في حالة ارتخاء، ومن أعراضها الإرهاق الشديد مع تنميل في الأطراف.
تراجع عيسى في مقعده قليلًا، عقد حاجبيه وهو يفكر:
"مش دي نفس المادة اللي لقوها في دم الضحايا اللي قتلهم السفاح اللي لسه مش عارفين نوصل له؟"
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد لفت انتباهه أيضًا وجود آثار على يدي وقدمي الجثة، وكأنها كانت مقيدة بحبال. وهذه العلامة بالذات... كانت نفس العلامة التي وجدوها على ضحايا السفاح.
هنا تسلّل الشك إلى قلب عيسى، همس لنفسه:
"يمكن يكون مش عشيقته اللي قتلته... يمكن يكون السفاح."
لكن العقل لم يمنحه راحة، فما بين يديه ليس دليلًا قويًا، ربما مجرد مصادفة. ومع ذلك لم يستطع أن يتجاهل الأمر.
بدأ يستعيد في ذهنه الأشياء التي تركها القاتل وراءه: مرة منديل حرير، مرة عقد لؤلؤ، وفي قضية سابقة أثر أحمر شفاه على كأس، وأخرى جثة مشنوقة بحبل وردي اللون. وكأن القاتل يخبرنا: "أنا أنثى."
رفع عيسى رأسه بدهشة:
"ممكن يكون القاتل ست مش راجل؟ إزاي مجاش في بالي وكل الضحايا رجالة؟!"
---
بعد انتهاء المحاضرات، خرجت رحمة مسرعة خلف جيهان، التي كانت تسبقها بخطوات متعجلة وسط مجموعة من الفتيات. نادت بصوتٍ حازم:
- جيهان... ممكن نتكلم خمس دقايق؟
التفتت لها جيهان ببرود:
- نتكلم في إيه؟ أنا قلت كل اللي عندي.
قالت رحمة بإصرار:
- بس أنا لسه مقولتش اللي عندي، ممكن تسمعيني؟
جيهان بسخرية:
- تمام، قولي اللي عندك.
- ممكن لوحدنا؟
- مش بخبي حاجة عن صحابي الجداد.
ابتسمت رحمة بمرارة:
- صحابك الجداد؟... تمام، بس نتكلم بعيد عنهم لآخر مرة.
جيهان بحدة:
- لا، سوري. اللي عندك قوليه هنا.
قاطعتها إحدى الفتيات بجانبها بنبرة ساخرة:
- جيجي مش بتخبي عننا حاجة... وبعدين إنتى ليكي عين تتكلمي؟ مش كفاية إنك واخده حبيبها منها؟
تجمدت رحمة في مكانها، وصدمها الكلام كصفعة. التفتت لجيهان بذهول، بينما جيهان ضربت الفتاة على كتفها بنظرة عتاب، وكأنها توبخها على ما تفوهت به.
لكن رحمة ابتسمت ابتسامة مرة وقالت:
- اخدت حبيبك؟! ياااه... طلعت شريرة أوي! ماكنتش أعرف إنك بتحبي دور الضحية اوى كدا... بس ما علينا، خلاص، ماعنديش حاجة أقولها.
استدارت بسرعة وغادرت بخطوات متسارعة، تاركة جيهان والفتيات خلفها.
خارج الجامعة، كان عيسى يقف بجوار سيارته ينتظرها. لمحها تخرج، فالتقت عيونهما للحظة قبل أن تشيح بوجهها وتلوّح لسيارة أجرة. أسرع عيسى نحوها قائلًا بنبرة غاضبه:
- هتفضلي تتجاهليني كده كتير؟
- آه.
- طب ممكن نتكلم؟ مينفعش كده.
- حضرت الظابط، أنا دلوقتي مش عاوزة أتكلم مع حد. لو حابب نكلم فعلًا، يبقى وقت تاني.
تنهّد عيسى مستسلمًا:
- تمام... بس أوعديني تفكي البلوك.
ابتسمت رحمة بسخرية وهي ترد:
- ماشي.
وقف تاكسي أمامها، ركبته دون أن تلتفت إليه، بينما ظل عيسى واقفًا يتابعها حتى ابتعدت السيارة.
التفت عائدًا إلى سيارته، فسمع صوت شجار قريب. كانت جيهان تتجادل مع إحدى الفتيات بصوت مرتفع:
- أنا عاوزة أفهم... إيه لزمته الكلام اللي قولتيه قدامها؟
سلمى ردت بعناد:
- والله إنتى اللي قايلة إنها عملت معاكي كده. مضايقة إني قولت ليه؟
قبل أن تكمل، قاطعهم صوت عيسى الأجش بصرامة:
- بس... بس! مش كده، بتتخانقوا ليه؟
توقفن الفتيات في ذهول، وأعينهن تلتفت نحو الشاب الغريب. وسيم، ملامحه أكبر من أعمارهن، واضح أنه ليس من الجامعة. تساءلن بينهم بخفوت: "مين ده؟!"
اقترب عيسى وهو يوجه كلامه مباشرة لجيهان:
- إزيك يا جيجي؟
رفعت جيهان عينيها نحوه، وابتسمت بتفاخر أمام صديقاتها:
- إزيك يا حضرة الظابط عيسى... إيه اللي جابك الجامعة؟
ابتسم قائلًا:
- بصراحة، جيت مخصوص عشان أعتذرلك.
تفاجأت ثم سألت:
- تعتذر عن إيه؟
لكنها سرعان ما أدركت قصده، فأمسكت يده بسرعة وأبعدته عن مسمع الفتيات، اللواتي تبادلن النظرات بدهشة، ثم همسن بإعجاب: "يا محظوظة! ظابط جاي مخصوص عشانها!"
قال عيسى وهو ينظر لها باستغراب:
- بعدتينا عنهم ليه؟
ضاقت عيناها بحدة وهي ترد:
- عاوز تقول قدامهم إنك خليتني أعمل تحليل مخدرات؟ مش كفاية أمي في البيت... عاوز تجرسني هنا كمان؟
ضحك عيسى وهو يرفع يديه معتذرًا:
- أنا آسف... والله ماكنتش أعرف إني هسببلك مشكلة كده.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي ترد:
- عادي... ولا يهمك. جيتك هنا واعتذارك كفاية خلوني أنسى اللي حصل.
- تمام... ممكن نقعد في مكان ونتكلم؟
لمعت عيناها بالفرحة، لكنها أخفتها بسرعه وقالت ببرود مصطنع:
- في حاجة ولا إيه؟ بس أوعى تكون هتسألني عن رحمة... أنا وهي متخانقين ومش عاوزة أجيب سيرتها نهائي.
"يا حظك يا عيسى، هو انت مفضوح للدرجة دي..." قالها في نفسه، ثم أجاب بابتسامة هادئة:
- لا طبعًا، أنا مالي برحمة... أنا عاوز أتكلم معاكي إنتي.
ابتسمت جيهان ابتسامة رضا، وقالت بحماس مكبوت:
- تمام... في كافيه قريب، يلا نروحه.
----
في كافيه أنيق بأحد الأماكن الراقية، على طاولة خارجية تطل على المارة المنشغلين بعالمهم، كان كورنيش النيل المقابل يرسم لوحة هادئة، تكسر ضجيج الشارع.
شدّ عيسى الكرسي لجيهان بحركة لبقة تحمل نوعًا من الجاذبية. جلست شاكرة بابتسامة باهتة، بينما جلس هو قبالتها يتأمل ملامحها التي حاولت أن تبدو صافية، لكنها كانت مثقلة بشيء ما.
قال عيسى وهو يحاول إشعال حوار خفيف:
- تشربي إيه يا ست البنات؟
ضحكت بخفة تخفي خلفها توترًا:
- اللي تشوفه يا باشا.
- باشا؟! أقولك ست البنات تقوليلي باشا؟
- أمال أقولك إيه؟
- عيسى... عادي. مش محتاجة تكليف.
- آخر مرة قولتلك كده خدّتني القسم تحقق معايا في قضية قتل.
قهقه عيسي قائلا:
- هههه، لا متخافش... إنت في الأمان دلوقتي.
- ماشي يا... عيسى.
ابتسم وهو يلتقط الكلمة بنبرة رضا:
- شوفتى سهلة إزاي؟ ... ها قوليلي، متخانقة إنتي ورحمة ليه؟
تحولت ملامحها فجأة، نظرة غاضبة ممزوجة بمرارة ارتسمت على وجهها:
- مش قولت إنك مش هتجيب سيرتها؟ عن إذنك.
وقبل أن تنهض، أسرع بنبرة توضيح:
- استني... فهمتي غلط. أنا بس عاوز أعرف، زعلتك في ايه؟
ترددت لثوانٍ، ثم عادت وجلست وهي تزفر تنهيدة طويلة، كأنها تحمل ثِقلاً في صدرها:
- مفيش... طلعت واحدة بياعة.
قطّب عيسى حاجبيه:
- إزاي؟ مش فاهم.
نظرت بعيدًا عن عينيه، نحو المارة، وصوتها هبط قليلًا:
- بعد ما كنا أعز صحاب، وأنا اللي عرفتها على فارس... فارس اللي كان صديق طفولتي من زمان. فجأة بقوا هما الاتنين في عالم... وأنا في عالم تاني.
عارف؟ قبل ما نتخانق بيوم، قالولي " ان كل واحد رايح في طريق"، وفي الآخر لقيتهم مع بعض في بيتها ضحكوا عليا وقالوا بيحضّروا لعيد ميلادي. حسيت إني غريبة بينهم... كأني ماكنتش موجودة في حياتهم أصلًا.
وبعدها... حصل اللي حصل. موضوع الجار والقتل والكلام ده.
بدأت جيهان تحكي بتدفق، كلماتها تخرج بحرقة، تارة غاضبة، وتارة باكية في أعماقها كانت تسرد ما قالته أمها لرحمة، وردود رحمة القاسية، والمشادات التى وصلت لحد الشجار في الجامعة.
ظل عيسى صامتًا، عيناه مثبتتان عليها، كأنه يقرأ ما وراء كلماتها، كأنه يسمع جرحًا أعمق من مجرد خلاف صداقة.
وحين سكتت، سأل بهدوء:
- يعني... علاقتها بفارس مش مجرد صحوبية؟
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت أقرب للاعتراف:
- مش عارفة... بس اللي متأكدة منه إن فارس بيحبها جدًا.
- وده مضايقك ليه؟ بتحبيه؟
ابتسمت ابتسامة حزينة، وكأنها تضحك على نفسها:
- كنت حاسة ناحيته بمشاعر... بس دلوقتي؟ خلاص.
تأملها للحظة، ثم قال ليغيّر المسار:
- أممم... قولتي عيد ميلادك إمتى؟
- بعد كام يوم.
- تمام... كل سنة وإنتي طيبة مقدّمًا.
- وإنت طيب... يا عيسى.
ارتسمت ابتسامة دافئة بينهما، خففت ثقل الجو. ثم عاد الحديث يتدفق، لا يخلو من ذكر رحمة وفارس والجامعة، لكن هذه المرة كان أخف، محمّل بضحكات متناثرة، ونظرات متبادلة .
---
في الجانب الآخر، دخل فارس متجر إلكترونيات، تنقل بين الأرفف بعجلة واضحة حتى اختار هاتفًا جديدًا وخط اتصال. بعد خروجه وقف للحظة أمام الباب، شرد قليلًا ثم أخرج الهاتف، كتب رقم رحمة الذى حافظه عن ظهر قلب..
رنّ الهاتف، وجاء صوتها مترددًا:
- مين؟
تنفس سريعًا وقال:
- أنا فارس يا رحمة... دا رقمي الجديد.
- ليه؟ فين خطك القديم؟
رد بنبرة جافة:
- بابا أخده مع التليفون... وأنا قررت مروحش البيت.
سكتت لحظة ثم قالت:
- تمام... هتقعد معايا؟
تردد قليلًا قبل أن يرد:
- لا، أنا هقعد عند واحد صاحبي.
- فارس... مفيش الكلام دا، هتقعد معايا.
- مينفعش يا رحمة... جيرانك هيقولوا عليكي إيه؟ كفاية اللي حصل يوم ما طلعتك شقتك.
- خلاص... جاتلي فكرة. الشقة اللي قصادي فاضية، أأجرها، وأنا هساعدك في الإيجار.
- فكرة كويسة... بس موضوع تساعديني دا لأ، أنا هتصرف.
ارتفع صوتها وفيه نبرة عتاب:
- فارس، إنت ليه بتعمل فرق بينا؟... وبعدين، جبت التليفون دا إزاي؟
تردد لحظة وقال ببساطة:
- عادي، استلفت من واحد صاحبي.
- بجد؟ وأنا إيه؟... على العموم، برحتك يا فارس. اعمل فرق وارجع قولي إحنا عيلة وبتاع... كله مجرد كلام.
- رحمة...
لكنها لم تترك له فرصة، أغلقت الخط في وجهه.
نظر فارس للهاتف في يده، بدا وكأنه يفكر في كلماتها أكثر من انزعاجه من قطع المكالمة، ثم تحرك بسرعة نحو بيتها ليكمل حديثه الذى لم يكمل
ذهب فارس إلى بيت رحمة وظل يطرق الباب بإلحاح ينادى
ــ رحمه افتحي عشان خاطري لازم نكمل كلامنا.
جاءه صوتها من الداخل حادًا غاضبًا:
ــ مش عاوزه أتكلم يا فارس.. واضح إن كلام جيهان أثر عليك.
رفع فارس صوته مدافعًا:
ــ لا والله محصلش.. تب افتحي بس، هنوصل لحل وسط.
ردت بصرامة:
ــ امشي يا فارس.
تنهد متألمًا وقال:
ــ كدا يا رحمه؟ بتطرديني؟ وانتي عارفه إني ماليش حد أروحلُه؟
جاءه صوتها متصنعه البرود:
ــ روح لصاحبك، مش قولت هتبات عنده؟
أطرق فارس رأسه واعترف مترددًا:
ــ بصراحه ما قلتلوش.. كدبت عليكي.
انفتح الباب فجأة، وخرجت رحمة بحدة وعينيها تشع غضبًا:
ــ يعني كدااااااب كمان؟ تب ليه كل دا؟!
لكنها لم تكد تنهي جملتها حتى لمحت من زاوية عينها رأسًا يطل من السلم السفلى . كأن هناك من يسترق السمع. ابتعدت عن فارس قليلًا، وهبطت بخفة، لتجد جارتها أمامها.
ــ طنط سهيله؟! انتي بتعملي إيه هنا؟
ارتبكت المرأة محاولة تبرير وجودها:
ــ كنت بكنس السلم.. فسمعت صوتكم. فكرتكم بتتخانقوا. هو صحيح فارس دا يبقالِك إيه؟ أصل شوفته مطلعك بليل وانتي نايمه ع ضهره.. هو انتي كنتي...
قاطعتها رحمة بعصبية مشتعلة:
ــ وانتي مالك؟! إيه الحشرية دي؟! حضرتك لما بنتك بترجع كل يوم على واحدة واتنين، أنا باجي أسألك كانت فين؟
اشتعل وجه سهيلة غضبًا وردت بصوت أعلى:
ــ بنتي محترمة ومتربية! دي بتبق بتذاكر عند صحابها البنات.
ضحكت رحمة بسخرية لاذعة:
ــ ههه.. صحابها البنات؟! تب ابقِ سلميلي على صحبتها محمد اللي كانت خارجة معاه من السينما الأسبوع اللي فات.
ارتفع صوت سهيلة مضاعفًا الغضب:
ــ إزاي تتكلمي على بنتي كدا؟! إنتي مش محترمة، وهشتكيكي لصاحب العمارة! مش كفاية مش عارفينلك أصل ولا فصل!
ابتسمت رحمة لتستفزها أكثر:
ــ اعملي اللي إنتِ عاوزاه.. نهارك سعيد.
ثم أمسكت بيد فارس وأدخلته الشقة، وألقت على المرأة كلمات أخيرة:
ــ من غير سلام.
وأغلقت الباب في وجهها بقوة.
وقفت رحمة بعدها تلتقط أنفاسها بحدة، ثم تمتمت بغيظ:
ــ والله لأعرفها إزاي تكلمني بالطريقة دي.. أنا لو قررت أقتل ستات، هي هتبقى أولهم!
أما فارس فوقف مذهولًا مما جرى، يحاول تهدئتها:
ــ اهدَي يا رحمة، عادي يعني.. عندي زيها في البيت.
استدارت نحوه بدهشة:
ــ والدتك ست طيبة جدًا.
هز رأسه بابتسامة ساخرة:
ــ قصدي أبويه وبعدين الى حصل دا السبب الى مخلينى مش عاوز ابق هنا..
نظرت نحوه بحده:
ــ مش واحده زى دى الى هتمشينا على مزاجها
ثم قالت محاوله تغير مسار الحديث.. ما علينا. بص، أنا هكلم صاحب العمارة وهأجّر الشقة اللي قصادي. تمام؟ ولا تتفضل تمشي؟
زفر فارس ببطء، وقال محاولا ان يوضح:
ــ ما عنديش مشكلة.. بس معيش أدفع مقدم إيجار دلوقتي. وقبل ما تتكلمي، أنا مش هسمح إنك تصرفي عليا.
رفعت حاجبها مستفهمة:
ــ أمال هتبات فين؟.. وأنت محرج تقول لحد من صحابك؟
نظر إليها متفاجئًا كيف علمت.
ابتسمت بهدوء وهي تقول:
ــ أنا عرفاك يا فارس.. عارفه إنك حساس ومبتحبش تبقى تقيل على حد. عارف إنت بتزعل من أبوك ومن تصرفاته. وأى نعم طريقته غلط، بس هو طلعك راجل محترم.
تجمد فارس لحظة، لم يتوقع أن يدافع احد عن ابيه يوما وبالاخص رحمه .. تنهد ثم قال بمرارة:
ــ وطلعني معدوم الشخصية وجبان، مش عارف أشيل مسؤولية نفسي. آه، وضيفي كمان إني مش بعرف أظهر مميزاتي لحد، فالناس فاكراني معدوم الموهبة وبيتنمّروا عليا.
اقتربت منه ، لتخفف عنه :
ــ بس أنا شايفة كل مميزاتك.. شايفة شخصيتك الجميله. وكفايه بتعرف تسيطر على واحدة مجرمة ما فيش راجل ملَى عينيها غيرك.
اتسعت عينا فارس بدهشة، وقال متعجبًا:
ــ يعني أنا مالي عينك؟
ابتسمت بمكر:
ــ أيوه طبعًا.. إنت صاحب وأخ جدع.
تغيرت ملامحه في لحظة، نظر إليها بحدة كيف لها بعدما رفعتْه للسماء كيف تنزله على الارض بتلك الطريقه:
ــ وحياة أمك.. تصدقي إني غلطان إني بكلم معاكي؟ عن إذنك بقى.
قهقهت رحمة بخفة وهي تقول:
ــ يا بني بقه بهزر معاك! تعالا، هقولك حل وسط يرضينا إحنا الاتنين.
ــ أمّم، قولي.. بس من غير استظراف.
ــ هههه حاضر.. بص يا روسه، إنت هتاخد مني فلوس وتروح تدفع مقدم الإيجار. كدا تلاقي مكان تقعد فيه لحد ما تحل مشكلتك مع أبوك.
ــ برضه يا رحمة؟
ــ يا بني افهم.. مهو بعدها هننزل نشتغل سوا. لقيت إعلان قدامي لمطعم بيتزا قريب، محتاجين دليفري وموظف جوه المطعم. إنت تمسك الدليفري وأنا الوظيفه التانيه.
فكر فارس قليلًا، ثم قال بحزم:
ــ تمام، موافق.. طالما هسددلك الفلوس بعدين.
صفقت رحمة بحماس وضحكت:
ــ أيوه! هو دا الكلام.
ضحك فارس من رد فعلها ثم قال ممازحًا:
ــ تب حضريلي حاجة آكلها، يلا امشي.
نظرت له بنصف ابتسامة محذرة:
ــ ماشي.. بس متخدش عليها، ها؟ عشان زعلي وحش.
ضحك مرة أخرى وهو يراقبها تتجه للمطبخ. تبعها وجلس على كرسي يتأمل حركتها. تساءل بينه وبين نفسه كيف لليدين اللتين تقتل الرجال بأبشع الطرق، أن تحضّرا له الطعام بكل هذا الحب.ثم اخبر نفسه كما هو محظوظ بذلك.
بعد أن انتهوا من تناول الطعام وجمعت رحمة الأطباق، ناداها فارس قائلاً وهو يتهندم في جلسته:
ــ الدكتور طالب مننا نكتب قصة قصيرة تكون بطابع رومانسي حزين.
ابتسمت رحمة بتفاخر خفيف وقالت:
ــ آهـا، عاوزني أساعدك يعنى
ضحك فارس وهو يومئ برأسه:
ــ يا بنتي بقَـي... "من تواضع لله رفعه". أنا كتبتها خلاص، بس كنت حابب آخد رأيك فيها.
اتسعت ابتسامة رحمة بفضول :
ــ بجد؟... تمام، وريني. ووعد إن نقدي يكون بناء.
ضحك فارس ساخراً:
ــ يلهوي! نقد كدا من أولها حتى قبل ما تقرأيها؟
ــ أخلّص، وريني بق.
أخرج فارس مذكرة صغيرة من حقيبته، مدّها لها ثم قال بجدية هادئة:
ــ استني... متقرأيهاش دلوقتي. لما تيجي تنامي اقريها، والصبح قوليلي رأيك، ماشي؟
نظرت له بتعجب، ثم استسلمت مبتسمة:
ــ تمام، مش مشكلة... بس لو ما عجبنيش حاجه فيها هعدل عادي.
ابتسم فارس وكأنه واثق مما سيحدث:
ــ تمام... بس أنا متأكد إنها هتعجبك.
ظلّا يتبادلان أطراف الحديث عما جرى خلال اليوم، وعن ريهام وصديقتها، وكيف اندهش فارس مما قالته هى عن رحمة. لكنه أوضح لها أن جيهان لا تفعل ذلك إلا بدافع الحزن من الأحداث السابقة. استمر الحوار طويلاً حتى استأذنت رحمة لتتجه إلى غرفتها. أعطت فارس وسادة وغطاء ليستريح على الأريكة، ثم دخلت غرفتها.
جلست على سريرها، وما أن هدأ المكان، حتى مدّت يدها إلى مذكرة فارس. فتحتها ببطء، لتبدأ بقراءة القصة التي كتبها خصيصاً للاختبار...
كانت القصه بأسم "العشق المحرم"
في زمن بعيد، وُلدت الأميرة هيلينا، ابنة ملك عظيم. عاشت حياةً مرفهة ورغيدة، تحيطها القصور والخدم، لكنها كانت حياة تملؤها القيود. القوانين الملكية تتحكم في كل تفاصيلها: كيف تأكل، كيف تلبس، حتى النوم له قواعد صارمة. ومع كل هذا البذخ، كانت هيلينا تعيسة إلى حدٍ جعلها تحسد الفتيات الفقيرات على حريتهن، تلك الحرية التي لم تعرفها يومًا.
حين اقتربت من عامها العشرين، أراد الملك أن يزوّجها، كما تفرض القوانين الملكية. توافد الأمراء من شتى أنحاء الممالك طمعًا في يدها، لكنها رفضتهم جميعًا. غضب الملك بشدة، وقرر أن يزوجها غصبًا عنها. عندها لم تحتمل هيلينا، فتسللت ليلًا هاربة من أسوار القصر.
وفي طريق هروبها، أوقفها أحد الحراس، وكان يُدعى ألفريدو. حاول منعها، لكنها ارتمت عند قدميه متوسلة أن يساعدها. نظر إليها، فرأى في عينيها سحرًا غريبًا أيقظ في قلبه ضعفًا لم يعرفه من قبل. رقَّ لحالها، فساعدها على الهرب وأواها في بيته البسيط.
مرت أيام عديدة وهما يعيشان معًا في الخفاء، بينما كانت المملكة تضج بغضب الملك الذي جنّ جنونه من اختفاء ابنته، وأطلق جنوده يبحثون عنها في كل مكان بلا جدوى. كان ألفريدو يعيش خوفًا دائمًا، يعلم أن دمه سيسفك اذا اكتشف الملك خيانته، لكن قلبه كان المسيطر عليه. وكأن الأميرة قد سحرته بجمالها وحسنها، فأحبها حبًا صادقًا، رغم أنه كان يدرك أنها لا تبادله ذلك الشعور، وأنها لجأت إليه فقط لتتحرر من ظلم الملك.
ومع ذلك، عاملها ألفريدو معاملة أميرة. أنفق كل ما يملك ليأتيها بأجود الطعام، اشترى لها أجمل الثياب، وكان يصفف لها شعرها بيديه، و يطعمها أيضاو كأنها ملكة فوق عرشه الصغير. حتى تعجب تجار السوق من تغير حاله، فأخبروا حراس القصر عنه. وما هي إلا لحظات حتى داهمو الجنود بيته، فقبضوا عليه وأعادوا الأميرة إلى القصر.
هناك، واجهها الملك بعقابٍ قاسٍ: وضع بين يديها خنجرًا، وخيّرها بين خيارين كلاهما مرّ. إما أن تقتل الحارس بيدها، فيحررها من الزواج ، أو أن تعفو عنه وتخضع لزواجٍ يفرضه عليها.
وقفت الأميرة حائرة، قلبها يتمزق. كيف تقابل حب الفريدو الطاهر بالقسوة؟ قبل أن تنطق، اقترب ألفريدو منها بعينين تلمعان بحزن وقال:
ــ أريد جوابًا على سؤالى الوحيد فقط... هل أحببتني؟
ارتجف صوتها وهي تقول:
ــ نعم... أجبرني حسنُك وكرمُك أن لا يحب قلبي غيرك، ما حييت.
ابتسم ألفريدو بمرارة، وأمسك يدها برفق، ثم دفع الخنجر إلى صدره قائلاً وهو يزفر انفاسه الاخيره:
ــ أموت فداءً لحريتك خيرٌ لي من أن أموت كل يوم وأنتِ ملكا لغيري.....
وبينما كانت رحمة تقرأ، انسابت دموعها على وجنتيها دون أن تشعر. مدت يدها إلى القلم، وأكملت السطور الأخيرة:
"مات ألفريدو، وحررت هيلينا من قيود الزواج القسري. لكنها لم تتحرر يومًا من حبها له. عاشت سنينًا طويلة، حرّمت فيها على قلبها الرجال، وظلت أسيرة ذكرى الحارس الذى اجحمته في حبها الملعون.فقررت ان تلحق به ..
ولكن قبل أن تغادر الحياة، أوصت أن يُدفن جسدها بجوار حبيبها الأول والأخير، ألفريدو...واخذت ذات الخنجر الذى زهق روح حبيبها وطعت قلبها ليظل عرش الموت شاهدًا على حبٍ لم تهزمه القوانين ولا القيود.
وهكذا، عبر الأزمان، بقيت أسطورة هيلينا وألفريدو تُروى باسمٍ ... الحب المحرَّم."