ساحرة الغالبة
بعد أن خرجت رحمة من المركب، أخذت تمشي على كورنيش النيل بخطوات متثاقلة، لا تدري إلى أين تذهب.
رغم أنها تملك عدداً من الشقق، لم تجد في أي منها ملجأً يَحتويها.
ما تمر به الآن أعادها بذاكرتها إلى بضع سنوات مضت، يوم خرجت من الملجأ بعد أن بلغت السن الذي يوجب مغادرته. لم يكن لها وقتها مكان تؤوي إليه، حتى أخبرتها إحدى السيدات المسنات المشرفات على الملجأ بوجود امرأة عجوز مريضة، تحتاج لمن يساعدها في تناول علاجها، وتغيير ملابسها، والاهتمام ببيتها.
وافقت رحمة فوراً، فذلك كان أفضل ألف مرة من أن تُلقى في الشوارع. أخذت حقيبتها الصغيرة، وتوجهت إلى العنوان الذي دُلّت عليه.
وهناك، التقت بالسيدة زينب. كانت طيبة القلب، رحبت بها، واحتوتها بكل حب، حتى عوضتها حنان الأم الذي حرمت منه. لم تكتفِ زينب بذلك، بل أحضرت لها مدرسين لتلحق بما فاتها من تعليم خلال سنوات الملجأ.
في المقابل، ردّت رحمة بعضاً من هذا الجميل بخدمتها من قلبها. أطْعمتها، ساندتها، وتحملت ضعفها ومرضها. كانت علاقة بين روحين أعطى كل منهما للآخر ما كان ينقصه.
حتى جاء اليوم الموعود، وتمكّن المرض من السيدة زينب، ففارقت الحياة. وقتها شعرت رحمة لأول مرة بمرارة فقدان الأم، فأرهقها الفقد وأحنى قلبها الحزن.
ولمّا همّت بالخروج من البيت بعد أن طردها أقارب زينب ــ الذين لم يظهروا إلا بعد وفاتها ــ أوقفهم محاميها، معلناً أنّ السيدة زينب قد تركت كل تركتها لابنتها بالتبنّي، رحمة.
لم تكن رحمة تعلم أن زينب تبنتها، ولم تكن تعلم أنها ستترك لها كل هذا المال. تركت لها رسالة كتبت فيها:
"اوعديني تكملي تعليمك وتدخلي الجامعة. عيشي سعيدة، دوري على الحب. أنا دايماً جنبك... إنتِ بنتي اللي ما خلفتهاش."
انهارت رحمة وقتها، فقد انتقلت فجأة من قاع الجحيم إلى قمة الثراء والرفاهية. اكتشفت أنّ زينب كانت تملك ثروة طائلة: بيوت، أراضٍ، وأموالاً بالبنوك... كلها أصبحت ملكاً لها.
لكن المال لم يجلب لها السعادة، فقد بقيت وحيدة... حتى تعرفت على جيهان وفارس، فملأوا حياتها من جديد.
في تلك اللحظة، وهي تمشي على الكورنيش، اجتاحها الشوق لهم. أرادت أن تتصل بهم، أن تلتقيهم، أن ينسوا كل ما حدث وكأنه لم يكن.
وبينما هي غارقة في أفكارها، لمحَت فارس يترجل من سياره مسرعاً نحوها. شعرت لوهلة أنها تتخيل، من شدة اشتياقها، لكنها سرعان ما أدركت أنه حقيقي. لم تتمالك نفسها، فركضت نحوه هي الأخرى.
عانقته، هامسة بصوت مرتعش:
ــ "إنت فارس؟"
ابتسم فارس وهو يمسك وجنتيها قائلاً:
ــ "لأ... ابن عمه. قلقتيني عليكي يا رحمة."
امتلأت عيناها بالدموع وهي ترد:
ــ "مش قولتلك مش عاوزة أشوفك تاني؟ جاى ورايا ليه؟"
ضحك فارس قائلاً:
ــ "بأمارة الحضن! إنتِ ما تقدريش تعيشي من غيري... اعترفي."
ضربته بخفة على كتفه، ثم اختبأت في حضنه من شدة خجلها، قائلة:
ــ "إنت بارد أوي، أقولك تبعد تلزق أكتر."
شعر فارس وكأن روحه قد عادت إليه من جديد. لم يتوقع أبداً أن تحبه رحمة بذلك القدر، ولم يظن أن له قيمة كبيرة في حياتها كما اكتشف الآن.
وفي الجهة المقابلة، كان عيسى يراقبهما من جوار سيارته. شعر وكأنه دخيل لو اقترب، لكن الغيرة كانت قد التهمته. لم يتمالك أعصابه، فتوجه نحوهما قائلاً بسخرية:
ــ "أجبلكم كرسين واتنين لمون؟"
انفصلت رحمة عن حضن فارس، ووجهت لعيسى نظرة غضب قائلة:
ــ "أوعى تفتكر إنك عشان ظابط ما يخليش إيديا تطير في وشك دلوقتي!"
دهش عيسى من قولها، ورد بقلق:
ــ "طب جربي كدا... وشوفي هعملك إيه."
ضيقت رحمة عينيها بغضب:
ــ "هتعمل إيه يعنى؟ انت واحد مستخبي ورا الشارة بتاعتك بتبيع وتشتري في الناس.. ورحمة زينب، لولا إني مش عاوزة شكلك يبان وحش قدام الناس وإنت بتتضرب في الشارع... كنت عملتها."
كتم فارس ضحكته، بينما عيسى ــ الذي اعتاد أن تقف له صفوف من العساكر احتراماً وهيبة ــ وجد نفسه عاجزاً أمام فتاة لا يتجاوز وزنها الخمسين كيلو، تهزأ به علناً. سأل نفسه بدهشة: "ليه أنا ضعيف كدا قدامها؟"
ثم قال محاولاً التماسك:
ــ "أنا ساكتلك عشان أنا غلطت في حقك... بس لو حد تاني، والله كنت..."
قاطعته رحمة بحدة:
ــ "كنت إيه؟ ها؟"
قال بعصبية:
ــ "بِت... إنتي كلك على بعضك أطيرك بقلم! وبعدين لما ارن عليكى بعد كدا تردى . واى مخليكى في الشارع لنص الليل كدا؟"
ردت بسخرية:
ــ "وإنت مالك؟ هو إنت والدتي؟"
قهقه فارس من كلامها، بينما احمر وجه عيسى غضباً:
ــ "يا بِت... احترمي نفسك بقى."
ردت بتحدٍ:
ــ "ولو ما احترمتش؟!"
تدخل فارس سريعاً:
ــ "خلاص يا جماعة، اهدوا. دا شيطان دخل ما بينا. لازم ننهي الخلاف."
قال عيسى بامتعاض:
ــ "وإزاي بقى؟ بعقليتها دي؟"
رحمة بغضب:
ــ "مالها عقليتي؟ ها؟ مش أحسن من..."
قاطعها فارس:
ــ "الحل إنك تهدي يا رحمة... وإنت يا حضرة الباشا، تعتذرلها، وننهي الحوار."
تنفس عيسى بحدة، ثم قال:
ــ "كنت ناوي... بس خلاص."
رحمة بحدة أكبر:
ــ "ما انشالله ما اعتذرت."
تدخل فارس محاولاً الإصلاح:
ــ "يا جماعة، بالله عليكم. رحمةلو ليا غلاوة عندك... اسمعيه يمكن عنده مبرر."
نظرت إليه رحمة في انتظار التبرير، فقال عيسى متردداً:
ــ "بصراحة... أنا عملت كدا عشان كنت مضايق من قعدتكم سوا في شقة واحدة. قولت مش معقول قعدتهم نضيفة... إنتو فاهمين الشباب عاملين إزاي الوقتى ."
رمقه فارس بحدة، بينما صاحت رحمة بغضب:
ــ "عذر أقبح من ذنب! وإنت مالك؟ نضيفة ولا متوسخة؟ هو إحنا اشتكينا لك؟"
ثم تابعت قبل أن يرد:
ــ "بقولك إيه يا حضرة الظابط... احنا سكّتنا اتقطعت خلاص وقت التحليل الزفت ده. فياريت ما نتقابلش تاني، لا في حلو ولا في وحش."
قال عيسى بهدوء متكلف:
ــ "زي ما تحبي. أنا كنت عاوز أعتذر بس..."
قاطعت رحمة:
ــ "تمام... اعتذارك مش مقبول. يلا يا فارس."
أجاب فارس سريعاً:
ــ "حاضر."
ثم التفت إلى عيسى قبل أن يرحل قائلاً بابتسامة ساخرة:
ــ "أظن عرفت مين اللي كسب فينا... سلامات بقى، وشكراً على التوصيلة."
وركض خلف رحمة التي سبقته ببضع خطوات.
أما عيسى، فوقف مكانه متجمداً، يحدث نفسه:
"مش أنا اللي يتقالي كدا... لسه سكّتنا ما اتقطعتش ومش هتنتهى بالسهولة دي. أنا عيسى مهران... مش أي حد."
رحمة كانت تخطو بخطوات سريعة، وفارس يتبعها بصعوبة، يتصبب عرقًا ويتوقف لاهثًا وهو يقول بصوت متعب:
ـ "رحمة... أنا تعبت، اقفي بقى."
التفتت نحوه، نظرت إلى وجهه المرهق، كيف تبلل جبينه بالعرق وارتفع صدره من شدة اللهاث. عندها هدأت، وعادت بخطوات بطيئة حتى اقتربت منه قائلة بصوت مكسور:
ـ "معلش... العصبية عمتني. بسببه أنا خسرتكم... ورجعت أعيش لوحدي تاني. وأنا مش بحب أعيش لوحدي يا فارس."
اقترب منها فارس أكثر، أمسك بكتفيها كى يطمئنها، وصوته جاد لكنه حنون:
ـ "متقلقيش... مش هسيبك لوحدك، مهما حصل."
أخفضت رأسها بحزن وقالت:
ـ "بس أنا بعملك مشاكل... صدقني حاولت. والله لسه من شوية قولت هنفذ وعدي لفارس... بس الواد طلع غدّار."
تجمد فارس لثوانٍ، لم يفهم قصدها، ثم رفع حاجبيه متسائلًا:
ـ "واد مين اللي غدار؟... تقصدي عيسى؟"
هزت رأسها نافية، وصوتها واهن:
ـ "الواد اللي كان ع المركب."
ضيق فارس أصابعه على كتفيها، وعيناه تشتعلان بالجدية:
ـ "أممم... مركب ايه ؟ وعمل إيه؟ وإنتي عملتيله إيه؟"
ابتلعت ريقها، قلبها يطرق كأنها تخشى فقدانه لو عرف الحقيقة. لأول مرة تدرك كم يعني لها وجوده. نظرت في عينيه محاولة استعطافه:
ـ "لو قولتلك... مش هتزعل، صح؟"
هدأ فارس تحت تأثير نظرتها، ثم قال بصوت خافت وهو يدرك ما تخفيه:
ـ "قتلتيه."
أسرعت رحمة بالرد محاولة شرح الموقف قبل أن يسوء ظنه:
ـ "بص، هفهمك... انا طلعت مركب ع النيل كان فيها فرح وهو كان ماسك على بنت صور وبيهددها. البنت كانت هتنتحر! أنا مقدرتش أستحمل... قولت هخوّفه بس عشان يديني التليفون أمسح الصور. بس الواد طلع مطواة وقعد يحاول يعورني، وأنا..."
قاطـعها فارس فجأة حين وقعت عيناه على يدها المربوطة، فأمسك بها بقلق:
ـ "إيدك مالها؟"
خفضت رأسها وقالت بهدوء:
ـ "منا جيالك في الكلام..."
مد فارس يده وفتح أصابعها رغم مقاومتها، ليكشف عن المنديل القماشي الذي بدأ يتسرب منه الدم. تغيرت ملامحه، خليط من الغضب والقلق، وهتف بانفعال:
ـ "انتى اتعورتى ! حالًا على أقرب مستشفى تخيطي الجرح ده... شكله عميق."
حاولت التخفيف من الأمر بضحكة متعبة:
ـ "فارس... بطل أفورة، أنا كويسة."
لكن فارس وضع إصبعه أمام فمها مقاطعًا:
ـ "هششش... مش عايز كلام كتير."
ثم أشار بيده إلى سيارة أجرة، وأدخلها عنوة وجلس بجانبها، من دون أن يترك لها مجالًا للاعتراض.
...
وبعد وقت قصير خرجا من المستشفى، وقد تم خياطة يدها. وأوصاها الممرض أن تغير الضمادة فى الصباح. كان فارس يسير بجانبها بملامح صارمة، وصوته ممتزج باللوم:
ـ "شوفتى يا ست رحمة؟! لو مكنش الجرح اتخيط، كان هيتلوث وتبقى مشكلة. شوفتى عنادك وتهورك بيوصّل لإيه؟"
نظرت إليه بعينين مثقلتين بالتعب، وقالت بصوت مبحوح:
ـ "أنا عاوزة أنام بس... بكره قطم فيا زي ما انت عاوز"
شعر فارس بصدق إرهاقها، فأوقف تاكسي آخر، وجلس بجانبها في المقعد الخلفي. ومع ارتجاج السيارة فوق المطبات، مالت رأس رحمة على كتفه دون وعي، غارقة في النوم. التفت إليها فارس، عدّل رأسها برفق، ثم طلب من السائق بصوت منخفض:
ـ "لو سمحت... امشي برحتك."
كأنه يخشى أن يوقظ غفوتها
عند وصول السيارة أمام العمارة، مد فارس يده وربت على كتف رحمة برفق ليوقظها:
ـ "رحمة... وصلنا، تعالى أطلعك شقتك."
فتحت عينيها نصف فتحة، وهمست بصوت متعب:
ـ "آه... ماشي."
ترجل فارس أولًا، ثم اتجه إلى بابها وفتحه. وضع ذراعها على عنقه ليساعدها على النهوض، لكنها بالكاد استطاعت الوقوف، جسدها كان منهكًا تمامًا. شعر فارس أنها لن تقدر على الصعود للأعلى، فجلس على ركبته قائلًا:
ـ "رحمة... سمعاني؟ حطي إيديك حوالين رقبتي."
أطاعت في صمت، فألقى بها فوق ظهره، وأمسك بقدميها جيدًا كي لا تسقط. دفع أجرة التاكسي سريعًا، ثم بدأ بالصعود إلى العمارة حاملاً إياها، غير مبالٍ بنظرات الفضول والدهشة من المارة.
وبينما يصعد السلالم، خرجت إحدى الجارات لتضع كيس القمامة أمام بابها. توقفت فجأة حين وقعت عيناها على فارس وهو يحمل رحمة، فتطلعت إليه بنظرة استحقار باردة. نظرة حكم مسبق طالما كرهها فارس، لكنها عندما لمحته ينظر لها دخلت سريعًا، ثم صفعت باب شقتها بقوة بعد أن رمقته باحتقار، وراح صوتها يتسرب من الداخل إلى أذنيه وهي تقول لزوجها:
ـ "البت اللي اسمها زفته رحمة دي... جايه شاربة طينة، وصاحبها شايلها على ضهره يطلعها شقتها. آخر قلة أدب!"
أخرج فارس زفيرًا طويلًا، لم يعرها اهتمامًا. كان يعرف أن تلك السيدة ومن هم في جيلها مثل ابيه لا يرون إلا الظاهر، يطلقون أحكامهم بسهولة. ربما ما يفعله يبدو خاطئًا في أعينهم، لكنهم لا يعلمون أن رحمة ليست غريبة عنه... بل صارت عائلته، بل ويعلم في أعماقه أنه صار عائلتها أيضًا.
واصل الصعود حتى بلغ شقتها. أخرج المفتاح، فتح الباب ودخل، ثم أغلقه خلفه بهدوء. سار بها حتى غرفتها، وضعها برفق على السرير، رفع رأسها قليلًا ليضع الوسادة تحتها، ثم مال ليخلع حذاءها بحذر.
وقف يتأملها لحظات، والحزن يثقل قلبه. كان يعلم أن هذه الفتاة قاسية الملامح من الخارج ما هي إلا طفلة صغيرة من الداخل، تبحث عن ملجأ، عن بيت دافئ، عن حضن عائلة.
كل ما أراده في تلك اللحظة أن يأخذها إلى المأذون، يعقد قرانه عليها، ويضع والده أمام الأمر الواقع. وأن يعود بها إلى منزله، لتفيض عليها أمه بحنانها الذي يكفي العالم بأسره. أن تضم جراحها وتربت على قلبها حتى تهدأ. أن تتذوق طعم الحنان الذي حُرمت منه.
لكن... كان هناك ما يردعه. الجانب الأسود من رحمة، ذلك الجزء الذي يلوث حياتها، سيظل يطاردهما. وما تفعله من قتل وسفك، حتى لو كان بحق رجال قذرين يستحقون الموت، إلا أنه يظل جريمة. وكان يدرك أنها إن عاشت يومًا واحدًا تحت سقف والده، لصار والده احدى ضحاياها دون تردد.
بداخله جزء خائف منها، ومن ظلامها... لكنه في المقابل، يريدها بشدة. يريدها أكثر مما يخافها.
وبينما كان فارس يهمّ بالخروج من الغرفة، سمع صوتها الخافت يناديه:
ـ "فارس..."
التفت نحوها مبتسمًا بدفء:
ـ "أممم... عاوزة إيه؟"
همست بعينين نصف مغمضتين:
ـ "شكراً... إنك ما سبتنيش. كان زماني عروسة النيل دلوقتي."
ابتسم فارس ضاحكًا من قولها، ورد مازحًا:
ـ "تب نامي... ولا جاية تفوقي بعد ما قطمتي ضهري؟"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، ثم استسلمت للنوم من جديد.
نهض فارس بخطوات هادئة، متجهًا نحو الباب. لكن حين وقعت عيناه على دفتر صغير فوق المكتب، توقف. تسلل إليه شعور داخلي يدفعه لالتقاطه، غير أنه تراجع، هامسًا لنفسه:
ـ "أنا مش متطفل... ماينفعش."
أغلق الباب وراءه، لكنه وقف لحظة أمامه مترددًا. عقله يلومه، وقلبه يصر عليه. تمتم في داخله:
ـ "هشوف بس كاتبة إيه عني... وخلاص."
عاد بخطوات متسللة، فتح الباب بهدوء، دخل ببطء كأنه لص، التقط المذكرة من فوق المكتب، وخرج مسرعًا يغلق الباب خلفه. هرول نحو الأريكة في الصالة، جلس، وفتح الصفحات بلهفة.
بدأ يقلب أوراق المذكرة. معظمها قصص قصيرة مكتوبة بخط يد أنيق. توقّف بفضول عند قصة تحمل عنوان "منديل حرير". ما إن بدأ بقراءتها، حتى تجمدت أنفاسه... القصة كانت تشبه تفاصيل مقتل الدكتور حاتم، الذي وجدوه مقتولًا منذ فترة قريبة.
ابتلع ريقه، ثم قلب الصفحة التالية، ليجد قصة أخرى بعنوان "عقد من اللؤلؤ". عينيه اتسعتا بدهشة؛ تفاصيلها تكاد تتطابق مع حادثة مقتل جارهم الذي عُثر عليه مقتولًا يوم أمس.
الصدمة أخذت تتملك روحه... بدأ يدرك أن رحمة تكتب قصة قصيرة كلما قتلت أحدًا.
لكن ما زاد ارتجاف أنفاسه هو تلك الصفحة الأخيرة، وقد كُتب في أعلاها بخط واضح:
"نهايتي: ساحرة الغابة."
مد يده يقلب الورقة، ثم ثبت نظره ليبدأ في القراءة...
"في قديم الزمان، في قرية نائية يحيط بها غطاء كثيف من الغابات الجميله التى تزينها الاشجار والزهور، كانت هناك ساحرة فاتنة تعيش في قلب الغابات تُعرف "بحارسة الغابة". عُرفت برقتها وطيبة قلبها، تحب البشر رغم أنها ليست منهم، تتسلل إلى القرية متخفية لترى الأطفال يلعبون، وأحيانًا تتحول إلى طفلة تشاركهم مرحهم ولعبهم. كان حضورها سرًّا جميلاً، كنسمة ربيع تمرّ ثم تختفي."
"وذات ليلة، عثرت على غزال صغير ضائع، يرتجف كمن فقد الأمان. ضمّته إلى صدرها حنت عليه واطعمته وسقته حتى مرت الأعوام، كبر الغزال وصار جميلاً، قويًا، يرافقها في الغابة ويملأ وحدتها. لم يعد مجرد غزال.. صارت عائلته وهو صار كل حياتها."
"حتى جاء اليوم المشؤوم. بينما كانت تنام فوق فراش من زهور الأوركيد، دوّى صوت غزالها في الغابة، صرخة استغاثة تخترق السكون. هرعت إليه، فإذا به مذبوح، دمه يتدفق كجدول أحمر يسقي الأرض. شهقت، وصرخت صرخة مزّقت الليل، صدى اخترق آذان أهل القرية حتى جعل قلوبهم ترتجف رعبًا."
"الغضب غلّف روحها، واشتعل سواد في ملامحها. ثوبها الأبيض صار حالكًا كالفحم، ووجهها الوديع تبدّل إلى قناع مخيف. انطلقت نحو القرية كالطوفان، قبضت على رجالها ونسائها وأطفالها، مزّقتهم واحدًا تلو الآخر. دماؤهم غمرت الطرقات، وصراخهم يشق هدوء الليل. لم تتوقف حتى لم يبقَ أحد حيًّا."
"وعندما سكن كل شيء، وقفت وسط الخراب تتأمل. الجثث حولها، الدماء تحت قدميها. الغزال الذي أحبته قتل، والأطفال الذين ضحكت معهم اصبحو هباءا، والعجائز الطيبون الذين آووها واطعموها ذهبوا للأبد. لم يعد هناك من يمنحها معنى. لم يعد هناك سوى فراغ."
"انكسر قلبها. أدركت أنها بخسارتها لهم جميعًا خسرت نفسها أيضًا. انحنت تلتقط سكينًا ملقاة على الأرض. وضعتها فوق قلبها، وضغطت ببطء، حتى اتسعت عيناها من الألم. ومع كل نفس يخرج، كانت تتحول إلى رماد أسود يتطاير مع الرياح، يتبعثر بعيدًا، "
فيقرا فارس سطرا اخيرا يختم الصفحه
"أعلم نهايتي... لكنني لن أسمح أن أموت إلا على يدي."