الفصل 238
في نفس الوقت في جدة :
عند شقة أزهار وجاسم :
كانت أزهار تحس بتوتر وهي واقفة قدام باب شقتهم اللي فتحه جاسم وهو يقول : نورتي البيت , تفضلي ..
رفعت غطاها بعد ما دخلت وهي تسلم وابتسمت , حست براحة من مجرد الدخول للبيت , حست بالأمان وإنها اشتاقت لكل ركن فيه ~ سبحان الله كيف الإنسان ~ نزعت عبايتها وتفاجأت لمن شافته يتناولها عنها ويعلقها في الشماعة , طالعت في باستغراب فابتسم وهو يأشر للداخل وهو يقول : تفضلي ..
أول ما دخلت لاحظت إنه في شي غريب في الصاله المظلمة , فتحت الأنوار وشهقت لمن شافت الكيكه اللي على الطاولة وحولينها صحون ورق عنب ومعجنات وأكواب وعصيرات , غطت فمها بيدينها وهي تتأوه و تقول : جسووووووووم ..
ابتسم وقال بتردد مو من عادته : حاجة بسيطة , كل شي سويته بسرعه بسرعه وعلى بال ما كنت أسويها جا واحد من الشباب أخذ الرسيفر والعود ..
وتقدم منها وسحبها للطاولة وهو يقول : تعالي إقري ..
اتسعت عيونها لمن شافت الكلمة الوحيدة اللي تتوسط سطح كيكة الشوكلاته (( أحبك )) ..
غطت وجهها وهي تحاول تمسك دموعها عشان ما يقول عليها صايرة بكاية لكنها ما قدرت , كان اللي يصير فوق مستوى تخيلها , ضحك وقال : اش فيييييييييييك ؟؟ إنتي قلتي ما تبغين تسمعينها فكتبتها ..
ولمن شاف صمتها عرف إنها تقاوم صياحها , همس بخفوت : تبغين تصيحين صيحي ..
ما خلص كلمته إلا وهي جالسه على الأرض على أطراف رجولها وهي تصييح من قلبها وتقول : شكرا , والله ما تصدق قد ايش فرحتي , أحلى مفاجأة تلقيتها في حياتي ..
زفر وجلس جنبها وحط يده على ظهرها ومسدها بصمت وهو بداخله يقول ~ شكرا يا مطلق , شكرا على كل اللي سويته ~ ..
***************************
وبعدها بفترة في فيلا عبد الكريم :
صكت سحر جوالها بعد ما أنهت مكالمتها مع عدنان اللي تأسف منها إنه ماقدر ينزل من الشرقية عشان يكون معاها ووعدها إنه بيجي في أقرب فرصة , طالعت في الظلام الحالك اللي يحيط بها وهي منسدحة على سريرها , حطت جوالها على الكومدينة وتلحفت وهي تدفن وجهها في المخدة ..
ومن وسط الصمت استعاد عقلها صوت ماهر وهو يقول بحماس : ما أتخيل إنه صقر من بين الناس كلها هو اللي متقدم لسحر ..
تلاها ضحكة سامر وهو يقول : أنا أستنى يقولون لها الموضوع عشان أشوف وجهها و ..
توقفت ذاكرتها عند هالحد لأنها شردت من المكان وهي خايفة ومستحية إنهم يشوفوتها ويعرفون إنها سمعت اللي قالوه وهي جاية تناديهم للغدا ..
~ خالي بالرضاع , طلع خالي بالرضاع , حكمتك يارب , رحمتك يارب ~ دمعة وحيدة تسللت من عينها وبللت مخدتها تلاها صوت استنشاقها للهواء وهي تمسح أنفها بالمنديل ..
************************
بعدها بخمسة أيام :
الأحد 25 / 8 / 1427 هـ
في فرنسا الساعة 8 صباحا :
(( اليوم : السبت 30 محرم 1427 هـ
الساعة : 4 عصرا ..
الحالة : سحب متراكمة تعصف بها الرياح منذرة بمطر هائل ..
أرجوك يا إلهي إرحم ضعفي وقلة حيلتي وهواني على النااااااااااس ..
ربي ليس لي سواك ..
فتاتين عشرينيتين وثلاثة شبان في يوم واحد ...
آآآآآآآآآآه يا قلبي المكلوم ..
وقفت في تلك الغرفة الباردة وأنا أشعر أن أطرافي أكثر برودة من تلك الأدراج المعدنية اللي تملآ الغرفة , سحب الأول و كم هو شعور مؤلم متضارب حين يفتح الغطاء ليكشف عن ميتة تتمنى من كل قلبك أن تكون أختك ليرتاح قلبك المطحون بالمشاعر و تدعو في ذات الوقت ألا تكون هي حتى تمني نفسك بأمل مرير ..
ليست أزهار ..
لا هي ولا التي تليها ..
من تكونان إذن ؟؟ أين أهلهما ؟؟ هل ماتتا غرقا ؟؟ أم بنزيف أم ....
: الجثة التالية ..
يال قسوته هذا ما صرخت به بداخلي عندما سمعت صوته البارد المتأفف الذي ينبه إلى نفاذ صبره , وكما كانت سابقتها , شعرت بنفس الشعور ..
همست وأنا أنظر لآخر الجثث : ليس هو ..
لا أدري هل قلتها براحة أم بضيق من أفكاري التي صرخت أنها لن تعلن احتضار تكونها بداخلي كل ليلة ..
أين هماااااااااا ؟؟
أزهار , عمير , أين أنتما ؟؟
حيان , جائعان , مريضان أم ميتان في عمق البحر أو محروقان حتى الموت أو ... في بطن إحدى المخلوقات ..
ربااااااااااااااااه ارحم ضعفي , ربااااااااااااااه من لي سواك أشكو له وأبث له حزني ..
رحمك الله يا عمار , رحمك الله يا أماه ..
ماذا سأفعل الآن ؟؟
استعدت البيت ولكني بلى أهل , بلى مااااااااااااال ..
حتى الجامعة تطالبني بإعادة أوراقي ومراجعتها , هل ستذهب الوظيفة كما ذهب غيرها ؟؟
لا بأس , فأنا فقدت الأغلى ..
أتوسلك أيتها الأمطار لا تهطلي الآن , لا تهطلي لأن رياح وجعي تكفي لـ ))
صك الدفتر بسرعة ورفع راسه لمن ناداه نايف وهو يقول بلهجة نجدية ثقيلة : تأخرنا على المحاضـــرة , تحررررررررررك ..
انتبه للساعة فحط الدفتر في درج سرير وتحرك بسرعة وهو يشيل شنطة المحمول وجواله المحطوط على الكومدينه وهو يصرخ : مطوووووووووور ترانا مشيناااااااااا ..
ما وصل لرصيف الشارع إلا ومطر سابقه على سيارة نايف , ثبت يده على طرف الباب ونط جوة السيارة وجلس على المقعد برشاقة وهو يقول بلهجة خليجية : رزوقو لا تبطي ترا ورانا محاضره ..
رماه عبد الرزاق بنظرة بارده وهو يقذعه ببعض السباب باللغة الفرنسية قبل ما يقول : ترا لا تخلينا نغير رأينا ونطردك من الشقة بعد ما نسوي حزب سعودي ..
قال بتريقه : سوها وورنا شطارتك إن كان فيك خير ..
أول ما وصلوا الجامعة لقيوا ميشيل في انتظارهم , نزل عبد الرزاق من السيارة وفرد يدينه يتنفس الهواء البارد وهو يقول : cooooooooooool ..
وانتبه لساره اللي جات ناحيتهم وهي تمشي بهدوء وهي ضامة حقيبتها الواسعة , ابتسم وقال : صباحو ..
ابتسمت وقالت : خيرو ..
على الرغم من باعه الطويل مع البنات الفرنسيات إلا إنه ساره بالذات ما كان يقدر يقرب منها أو يحاول يستميلها رغم إنه نظراتها تفضح حبها له , يمكن لأنها من أب سعودي , كانت تطالع فيه بنظرات خجولة , ابتسم وقال : أحلى شي إنك أخذتي عيون أمك وخشم أبوك ..
دنقت راسها بخجل في نفس اللحظة اللي رن جواله , رفعه ولمن شاف الرقم طنشه ورجع طالع في سارة و ضربها على كتفها وقال : يلا انقلعي لمحاضرتك ..
ولف على الشباب اللي سبقوه وتحرك لهم وهو يناديهم بصوت عالي ..