أنه حاتم الطائي
كان لدى حاتم الطائي فرس لا مثيل لها، وكانت عزيزةً جدًا على قلبه، قد ذاع صيتها في أرجاء الجزيرة حتى بلغ خبرها أحد ملوك الغساسنة.
فلما سمع الملك بحديث الناس عنها، رغب في امتلاكها، فأمر جنوده أن يحملوا إليه الهدايا الثمينة، ويتوجّهوا إلى ديار حاتم، ويعرضوا عليه رغبة الملك في شراء الفرس بما يشاء من العوض.
وفي أثناء طريقهم إلى ديار حاتم، رآهم حاتم من بعيد، ففرح بمقدمهم، إذ كان لا يطيق أن يرى ضيفًا دون أن يكرمه.
غير أنه في تلك اللحظة لم يكن في بيته طعام ولا مؤونة تكفي لضيافة أحد، فوقع في حيرةٍ شديدة، وظهر الحزن على وجهه.
وبعد تفكيرٍ لم يطل، اتخذ قراره النبيل، فنادى غلامه وقال له:
"اعقر الفرس، واصنع من لحمها طعامًا لضيوفنا القادمين".
ثم خرج حاتم ليستقبل الوفد الغسّاني بوجهٍ بشوش وقلبٍ مضياف.
فلما اقترب القائد منه، سلّم عليه وقال:
"أيها الكريم، إنّ ملكنا قد سمع بفرسك المشهورة، وقد بعثنا إليك بالهدايا الكثيرة، راجيًا أن تهديَه تلك الفرس مقابل ما تشاء من العوض."
ابتسم حاتم وقال في هدوء:
"لو لم أركم قادمين نحوي، لكنت أتيت بها إليكم بنفسي، ولما طلبت عليها ثمنًا ولا عوضًا.
لكن لما رأيتكم ضيوفًا عندي، ولم أجد ما أقدّمه لكم من الطعام، ذبحت إكرامًا لضيافتكم."
عندها بُهت القائد وجنوده، وسقطت الهدايا من أيديهم دهشةً وإعجابًا، وقال القائد:
"كيف تفعل هذا بفرسك العزيزة عليك كما سمعنا؟"
فقال حاتم بثبات:
"نعم، كانت عزيزةً عليّ، لكن إكرام الضيف أعزّ عندي منها وأغلى."
و انشد يقول:
قدوري بصحراء منصوبةً
وما ينبح الكلب أضيافيه
وإن لم أجد لنزيلي قرى
قطعت له بعض أطرافيه-