ظل القصر القديم
الفصل الأول: ظلّ القصر القديم 🌧️
كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً حين بدأت الغيوم تتجمع فوق بلدة وِستفيلد الصغيرة، لتغرق شوارعها المرصوفة بالحجارة في ضباب رمادي كثيف.في أعالي التل، كان قصر وِستن يطلّ بصمته المهيب، كأنه شاهد على أسرارٍ لا يريد أن يبوح بها.من بين نوافذه العالية، كانت إليانور تقف خلف الزجاج، تراقب السماء وهي تمطر ببطء. كانت في الثالثة والعشرين من عمرها، ذات ملامح هادئة وعيونٍ تشبه المطر في صفائها وحزنها.لم تكن تشبه نساء الطبقة الراقية اللاتي يملأن القصر بالثرثرة والاهتمام بالمظاهر. كانت مختلفة... تفكر أكثر مما تتحدث، وتحلم أكثر مما تعيش.
في الطابق السفلي، كانت أصوات الخدم تعلو وتهبط، بينما كانت الليدي ماريان، والدتها، ترتب التحضيرات لحفلة المساء القادمة، التي سيحضرها النبلاء والوجهاء. كانت الحفلة مخصصة لتقديم إليانور إلى المجتمع كفتاة جاهزة للزواج.
لكن إليانور لم تشعر بالفرح.
كانت تشعر أن تلك الليلة ليست سوى بداية سجن جديد، سجن من الحرير والعطور والكلمات المنمقة.
جلست على الكرسي قرب النافذة، وبدأت تمرر أصابعها على زجاجها البارد. كانت تفكر في العالم خارج الأسوار العالية... في الحرية التي لم تعرفها يومًا.
وفجأة، لمحت من بعيد رجلاً يسير في الطريق الموحل المؤدي إلى البلدة. لم يكن يشبه رجال الطبقة الراقية ببدلاتهم الأنيقة، بل كان بسيط المظهر، يحمل حقيبة جلدية على كتفه، ويمشي بخطى ثابتة رغم المطر.
راقبته طويلًا دون أن تعرف من هو، لكن شيئًا في داخلها ارتجف.
ذلك الشعور الغريب الذي يسبق المصير.
وفي تلك اللحظة، دخلت والدتها الغرفة بصوتها الحازم المعتاد:
إليانور، أرجو أن تكوني جاهزة. اللورد فيكتور بلاكويل سيصل بعد قليل، وأريدك أن تظهري كما تليق بعائلة وِستن.
أجابت إليانور بهدوء، دون أن تدير وجهها:
وهل المظهر هو كل ما يليق بالعائلة يا أماه؟
تجمدت الكلمات بينهما للحظة. ثم خرجت الليدي ماريان من الغرفة، تاركة خلفها صدى خطواتها، وصدى حزنٍ قديم في قلب ابنتها.عادت إليانور تنظر من النافذة... لكن الرجل كان قد اختفى.
ولم تكن تعلم أن ذاك الغريب سيكون أول خيطٍ في حكايةٍ ستغيّر حياتها إلى الأبد.