الفصل 230
(( اليوم : الأربعاء 24 / 1 / 1427 هـ
الساعة : 11 مساء ..
الحالة : غائم ممطر ..
اليوم فقط وبعد عناء طويل ومعارك كلامية ونفسية مميتة دخلت المنزل أو بالأحرى ما كان يدعى بالمنزل , هل البرودة التي أحسها بسبب الجو أم بسبب قلبي الذي أحسه كقالب ثلج ؟؟
لطالما كنت أرى أن الكتابة هي وسيلة الضعفاء للبوح بمكنوناتهم , كان لدي عمار من بعد الله أشكو له ثقل أفكاري ..
الآن لم يبقى سوى أنا وجدران ما أسميه بالمنزل ..
دخلت منذ ساعتين ولكني مازلت قابعا في الصالة بلا حراك , لكم أشعر بثقل في قدمي وقلبي , ليس لدي طاقة أو قوة لأتحرك في أرجاء المنزل الذي يحمل في كل أركانه أطيافهم ..
أمي , عمار , أزهار , عمير , هل حقا لن أراكم بعد اليوم ؟؟
لم لا أستطيع التصديق ؟؟
لم قلبي يخبرني أن هذه ليست الحقيقة ؟؟
رباااااااااااااااااااااااااه مالي سواك ألجأ إليه ..
ربااااااااااااااااااه ارحمني برحمتك التي تسع كل شيء ..
رباااااااااااااه أدعوك أن تثبت قلبي وتصبرني .. ))
صك عبد الرزاق الدفتر وغمض عيونه بقوة وهو يصرخ بداخله ~ ليه معطيني هالدفتر ؟؟ لييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه ؟؟ ~ فتح عيونه وتصفح أوراق الدفتر , كانت مليئة بالكتابات , وقف عند آخر صفحة مكتوبة وتصنم لمن لمح اسمه ..
(( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أخي الغالي عبد الرزاق ..
لا أعلم إن كان ما ستقرؤه هنا سيروقك أم لا , وربما لن تكمل قراءته , أقسم لك أني لا أعلم السبب الذي دفعني لإخراج هذا الدفتر من صندوق أسراري لأعطيه لك , ربما لأنك ستكون وحيدا في الخارج مثلما كنت في فترة سابقة , وربما لأنني شعرت برغبة أن تتعرفني أكثر وأخرج عن كوني (( المطوع )) الذي يتعبك بكثرة نصائحه ونقاشاته وربما لأسباب قد أخبرك بها عندما نلتقي مرة أخرى بإذن الله في دنيانا , ومن يعلم قد يكون لقاؤنا هذا آخر لقاء بيننا ويكون هذا الدفتر هو آخر بقاياي على وجه هذه الخليقة ولن نلتقي بعدها إلا في الجنة بإذن الله العلي القدير ..
رزوق ..
هناك بعض وريقات باقية , أكتب فيها إذا أحببت وعند عودتك سأطالبك برد دفتري لي ..
أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه ..
أخوك المحب :
أبو عبد الله ))
حس بغصة غريبة فصك الدفتر ودخله في شنطة المحمول اللي خرجه وفتحه وبدا يطقطق عليه ..
***********************
في الرياض :
في فيلا عبد الكريم :
أول مافتح سامر باب الفيلا قال بصوت مجهد : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
ما رد أحد عليه والبيت كان يبدو خالي من شدة هدوؤه , تحرك وهو ينزع شماغه بتعب وانتبه لحظتها إنه في همهمة غريبة من ركن المدخل اللي تزينه فازة كبيرة تقارب طوله , تحرك لها وطالع وراها لقي عيون تطالع له من وسط الظلام ..
: بوووووووووووووووووووووووو ...
تراجع لورى وهو يغمض عيونه وهو يقول : الله لا يبارك في العدو ..
ضحكت غدي ضحكة طفولية وهي تقول : فجعتك ..
رمى شنطته وشماغه وشمر أكمامه وهو يقول : فجعتك هاااااااااااا ..
صرخت غدي لمن شافت حركته وفهمتها وشردت من قدامه وهي تصرخ : أبويه , جدتييييييييييييييييييييييييييي , واااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ...
خرجت سحر من المطبخ مفجوعة وابتسمت لمن شافت سامر شايل غدي ورافعها للمروحة وهو يقول بتهديد : أعلقك في المروحة , أعلقك في المروحة ...
ثواني ونزلت غيداء و غيناء وتعلقوا فيه يبغونه يلاعبهم , قالت : بنات خالكم جاي من المدرسة تعبان , خلوه يتغدى وينام والعصر يلاعبكم ..
قال بمرح وهو يرفع ثوبه ويربطه عند خصره : لا عادي , ألاعبهم إلين تغرفون الغدا ..
ابتسمت و هي تراقبه يلاعبهم وهم يضحكون بفرح , شويه ونزل خالد وقام يلعب معاهم , ضحكت من قلبها وقالت وهي تشوف أمها اللي غارقه في الطبخ : الله يخلف عليك يا أم خالد , مايكبرون عيالك , طالعي خيبلت بهم غدي ...
لفت عليها وقالت : عقبال ما أشوف عيااااااالك وعيال عدنان وعيالكم كلكم وانتم تلعبون هنا ..
نزلت سلافة اللي توها صحيت من النوم , وقفت عندهم وهي ضامة مومو وتقول بصوتها النحيف : اش هذا أصواتكم واصله فوق tooo much noisy ...
طالعت فيها سحر اللي مافهمت اش تقول وقالت بتريقة : لا والله , إي والله إنك صادقة , هو هذا اللي أنا كنت بأقوله , لازم يكبرون ..
قالت تصحح لها : لااااااااااااا أنا قاعدة أقول إنهم مسويين إزعااااااااج !!
شهقة بتريقة وهي تهز راسها وتقول : أهااااااااااااااااااااا ومنكم نستفيد ..
وقبضت على كمها بقوة وجرتها على المطبخ وهي تقول بطفش : قالولك مهتمة في الخبال اللي قاعدة تقولينه , تحركي أفرشي السفرة وجهزي الصحون ...
ولمن تذكرت سابت سلافة و لفت على أخوانها وقالت بفرح : إيوه صح , عدنان طلعت نتيجة تحاليله متوافقة ..
تعالت صيحات حماسهم وتفاجأت سحر لمنانطلقوا يدورون على جوالاتهم يتحدون مين يبارك له أول ..
: بابا ..
: بابا ..
وقالت غدي : بابا , خالو ..... خالو , بابا ...
ضحكت وقالت : آآآآآآآآآآآه يالسوسه , لاعبتها صح ..
ولمن سمعت خالد يقول : هلاااااااااااااااا بالمعرس ..
صرخوا البنات الصغار : هيييييييييييييي , بابا فاز ...
و تبع صرخ فرحتها كلامها وهي تكمل : حبيبي خالو إن شاء الله في المرة الجاية إنت تسبق ..
ضمها سامر وشالها وهو يبوسها , شهقت سحر وقالت لأمها : لاااااااااااا هالبنت كل مالي أكتشف إني لازم آخذ دروس خصوصية عندها , ماشاء الله , البنت سوسة مع مرتبة الشرف ...
نقلت حنان نظراتها بينهم وهي تدعي بداخلها إن الله يديم السعادة عليهم ...
،،
،
في مطار باريس _ أورلي :
ابتسم أول ماشاف أصحابه بانتظاره , صرخ أوسمهم : هيييييييي , رزووووووووووق , هناااااا , يا مطول الغيبات ياجايب الغنايم , طولت الغيبة يا رجال , والله اشتقنالك ..
والبقية يرحبون به بكلمات خليط من الفرنسية والإنجليزية , ضحك وقال بالعربي : أحس اللغة مغبرة ..
ابتسم الفرنسي واللي كان أطولهم وهو يصفق كفه بكف عبد الرزاق قبل مايكورون يدينهم ويضربونها ببعض ويقبضون يدينهم وينحنون على بعض عشان يدقون أكتافهم ببعض تحية بطريقة الزنوج المعتادة في الشارع و سأله بالفرنسية : Comment dit-on eshtaqnalk en français ?
قهقوا وعبد الرزاق يقول بالفرنسي : nous manquons you ..
وكمل بالعربي : معناها إشتقنالك ..
مايدري ليه حس لها رنة غريبة وهو ينطقها بالعربي ..
ضحك ميشيل وسأل بالإنجليزيه بمزح : we miss you ?? oooooh no no no ..
وبعد و أشر على وحده كانت واقفة وراهم وقال : sheeeeeeeeee miss you ...
انصدم عبد الرزاق لمن شافها وقال : سااااااره ..
ابتسمت ساره بخجل وهي تقول بلغة عربية فيها لكنه فرنسية : حمد لله على السلامة رزوق ..
ابتسم بتردد وقال : هلا سرسوره , الله يسلمك ..
طالعت فيه بصمت معبر وهي تبتسم بخجل , تأمل وجهها الجميل الخالي من الزينة وعيونها الخضراء وخصلات شعرها الناعمة اللي انسلت من تحت طرحتها الرمادية المثبته حولين وجهها , بعد نظره عنها لمن تذكر صوتها وهي تصرخ ~ ماااااااااايحق لك تدلعني ~ , مشي معاهم وهم شايلين عنه الشنطة والأكياس و مخلين معاه شنطة المحمول , لف على سارة وسألها : اش اللي جابك المطار معاهم ..
همست بخجل : ماقدرت أستنى إلى يوم تجي للجامعة قلت أجي أشوفك هنا ..
لمن لف عنها شاف الشباب يغمزون له ويسوون له حركات حس بعدها بضيق غريب رغم إنه في العادة يقعد ينكت معاهم على هالحركات , الكل لاحظ صمته اللي مهو من طبيعته لكنهم ماعلقوا , أول ماانتبه للي حوله والأجسام العارية السافرة واللغة الموسيقية الغريبة حس بضيقه يزيد , طالع في ساعته وانتبه إن صلاة العصر أكيد انتهت فقال بعفوية : ماصليت العصر لسه ..
لفوا عليه الشباب وانفجروا بالضحك وميشيل مقطب حواجبه ومبتسم رغم إنه مافهم شي , قال واحد منهم بتريقة : ماشاء الله متى أشهرت إسلامك ؟؟؟..
وقاموا ينكتون على اللي قاله , وسحبه الثاني وهو يقول : أقول تعال مسوين لك حفلة صغيرة في البار اللي جنب السكن , لمن نوصل هناك صلي على كيفك حتى لو بتصلي التراويح ..
تبعهم عبد الرزاق بتردد لأنه يعرف إن السكن بعيد وأكيد بيفوته وقت الصلاة , دقايق ومن بعد ماركب السيارة في الوسط بين سارة وميشيل وبدأ الشباب يستخدمون اللغة الفرنسية المخلوطة بألفاظ إنجليزية احتراما لميشيل نسي توتره وتردده وحس إنه رجع للعالم اللي ينتمي له ..