كنت الطفلة.... وكان الصبر رجلا
كاتيا، فتاة الخامسة عشرة، كانت تعيش مشاعر أكبر من عمرها بكثير. كانت تحب رنف، الرجل الذي يكبرها بخمسة عشر عامًا. لم تكن تفهم كيف بدأ هذا الحب، ولا متى، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: أن قلبها لم يعرف إلا اسمه.
كل يوم، بعد عودتها من المدرسة، تجلس أمام شاشة هاتفها، تفتح المحادثة، وتنتظر… لا شيء يسعدها أكثر من أن ترى اسمه "متصل". وحين يتأخر، تبدأ الحديث وحدها. تحكي له تفاصيل يومها الصغيرة، وتكتب وكأنها تهمس له:
"رنف، تعبت اليوم، بس لما أتكلم معك، أنسى كل شي."
كان يستمع. رغم تعبه، رغم يومه الطويل في العمل، لم يكن يرد كثيرًا، لكن حضوره في المحادثة كان يكفيها. وكان يقول مازحًا:
"أحيانًا أحس روحي موظف عندك، أرجع من شغلي أسمع يومك بالتفصيل."
تضحك كاتيا، لكنها في كثير من الأحيان، كانت تندفع، تتحمس، تتكلم بلا توقف، وربما تتجاوز في الكلام دون أن تقصد. كانت تخطئ، وكانت تعرف ذلك. رنف لم يكن دائم الصبر، أحيانًا يسامح، وأحيانًا... يختفي.في مرة، أخطأت كاتيا كثيرًا. قال لها كلمات قليلة، ثم... حظرها.
كأن العالم توقف.
الهواء اختنق.
الشاشة أصبحت باردة، صامتة.
عادت كاتيا تبكي. ليس لأن رنف قسى، بل لأنها تعرف أنها السبب. كانت خائفة... أن يكون هذا الوداع.
مرت ليالٍ طويلة، لم تكن تنام. كانت تتقلب على سريرها، تنتظر إشعارًا، شيئًا، أي شيء. لم يأتِ.
ومع أول صباح، كانت تنهض منهكة، وكأنها قضت سنوات دون نوم.
رنف لم يغادر عقلها ولا لحظة.
ثم... فجأة، بعد أيام، أزال الحظر.
كاتيا لم تتردد. كتبت بسرعة:
"كيف حالك؟ لقد اشتقت لك كثيرًا."رد بكلمتين فقط:
"أنا بخير، وأنتِ؟"
كان بإمكانها أن تطير من الفرح. بكى قلبها قبل عينيها. الكلمات قليلة، لكنها كانت الأهم.
هو هنا. لم يرحل. لا يزال معها.
كانت تعتبره شاحنًا لحياتها، مصدر الأمان. لم تفهم لماذا تحبه بهذا الشكل، لكنها كانت تعرف شعورًا واحدًا:
"أنا لا أرتاح إلا وهو في حياتي."
وفي ليلة هادئة، بينما يتبادلان الحديث كعادتهما، كتب لها رنف فجأة:
"كاتيا، هل أتي لأخطبك؟"
توقف كل شيء.هل تحلم؟ هل هذا حقيقي؟ حلم كانت تكتبه في خيالها، أصبح أمامها… الآن.
كادت تكتب: "نعم!"
لكنها ترددت، وكتبت بخوف:
"أنا لا أدري… أخاف ألا يرضى والدي."
رد عليها رنف بسرعة، وكأن الكلمات كانت جاهزة:
"إذا كان والداك لن يوافقا، لماذا نستمر؟ ستتعلقين بي أكثر، وسأتعلق بك، ثم نفترق… كلٌّ في طريق."
لم تعرف كاتيا ماذا تقول. بقيت تنظر إلى الشاشة والدموع تسقط.
نامت تلك الليلة، وقلبها مكسور، لأنها لم تكن تملك جوابًا.
مرت الأيام، وكانت كل يوم تشتاق إليه أكثر. وفي أحد الفجرات، قامت لتصلي. رفعت يديها، وقالت:
"يارب، اجمعني به بالحلال. لا أريد فراقه."
لكن النهار كان قاسيًا.
رنف لم يرد.أرسلت له:
"رنف، كيف حالك؟ أتمنى أن تكون بخير، لم تتحدث إلي اليوم..."
لم يرد… يومًا، يومين، أسبوع.
كانت كاتيا في الماضي ترسل العشرات من الرسائل، لكنها الآن اكتفت برسالة واحدة فقط، وألم لا يُحصى.
بعد أسبوع، كتب لها أخيرًا:
"كيف حالك؟"
وكأن الحياة عادت.
أجابته:
"أنا بخير، وأنت؟"
ثم أضافت بصدق قلبها:
"اشتقت إليك."
لم يرد.
كانت تعرف أنه تجاهلها متعمدًا. لم يكن قاسيًا، لكنه كان يحاول تعويدها على البعد… أو اختبارها.
لكنها لا تنسى. لا تمل.ستبقى تنتظره، وإن مرت سنين.
لأن من تسكنه روحها، لا تغادره أبدًا.