حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن ) - الفصل الرابع : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع :

الفصل الرابع :

أشعة الشمس كانت بتتزاحم على وشها، تدغدغ جفونها وتقنعها تفتح عينيها. صوت العصافير كان مالي المكان، كأنها حفلة صغيرة على شباك البلكونة. علا حركت عينيها بهدوء، مش مستوعبة هي فين ولا إيه اللي حصل. فضلت ثواني كده قبل ما تاخد نفس عميق وتغمض عينيها تاني. (خلاص... الحلم خلص. رجعت للواقع المرّ.) نفسها اتحبس في صدرها وهي تحاول تمنع دمعة نزلت غصب عنها من طرف عينها وتذكر نفسها انه حتى لو خلص فهي صنعت ذكريات ثمينة ... بس فيه حاجة غريبة... فيه حرارة، دفء حقيقي، مش مجرد إحساس. جاي من ناحية إيدها بالظبط. فتحت عينيها ببطء، لفت راسها ناحيتها... ولقت سلمى نايمة، وشها هادي وبريء كأنها ملاك صغير. والمفاجأة؟ إيدها لسه ماسكة في إيدها من امبارح. عينين علا اتسعت، قلبها بدأ يدق بسرعة. (سلمى؟!) ابتدت تلهث بخوف وفرحة في نفس الوقت. (هي هنا! هي فعلاً هنا! يعني سلمى ما ماتتش؟! ولا أنا اللي رجعت؟ ولا... ولا ده حلم تاني؟!) حاولت تعقل الموقف... بس عقلها رفض. ما استحملتش التفكير أكتر، صرخت وهي بتسحب إيدها من إيد سلمى "سلمى!!" سمر صحت متخضّة، شعرها منكوش ووشها متفاجئ "في إيه؟!" سلمى كمان قامت بفزع، عينها لسه ناعسة، شعرها واقف على كل ناحية، وبصت لعلا بخضة وهي بترجع لورا لما لقتها بتقوم فجأة وتقفز على السرير عندها. علا كانت شبه مجنونة من الفرحة، دموعها بتنزل وهي بتضحك وتكرر بصوت متقطع "مش هيتكرر تاني... مش هيتكرر تاني أبداً..." ضمّت سلمى جامد لدرجة إن التانية ماعرفتش تتنفس، "إيه يا علا! في إيه؟! إيه اللي مش هيتكرر؟!" سمر كانت قاعدة على السرير التاني، متكتفة بالبطانية، بتبصلهم بنظرة فيها قلق واضح وهي تهمس لنفسها "يا ساتر... شكل حالة علا مطوّلة فعلاً." _________ كانت سلمى طالعة من أوضتها بخطوات تقيلة، شعرها لسه سايب كده على كتفها، وعنيها تخلصت من أثار النوم والصدمة اللي جتها الصبح. اتجهت ناحية المطبخ، المكان الوحيد اللي كان فيه صوت خفيف، صوت المية وهي بتخبط على الأطباق. البيت كان هادي بطريقة مش مريحة. هادي لدرجة إنك تسمعي صوت أنفاسك. وده في حد ذاته غريب جدًا بعد اللي حصل امبارح، بعد حالة علا اللي محدش كان فاهمها. دخلت المطبخ، شافت مامتها واقفة عند الحوض، بتغسل الأطباق بهدوء. سلمى سحبت الكرسي الخشبي الصغير الموجود جنب الترابيزة، وقعدت وهي بتقول بنبرة فيها فضول بسيط "هي علا فين ياماما؟" الأم ردت وهي لسه مركزة في الغسيل "طلعت برا البيت." سلمى رفعت حاجبها وقالت "برا البيت؟" الأم سكتت شوية، وبعدين لفت تبص عليها وهي بتجفف إيديها في الفوطة، وقالت "قالت عندها شغلة مهمة." سلمى اتنهدت وهي بتقول بسخرية خفيفة "يعني رجعت لعقلها... الحمد لله، ارتحنا." الأم كتمت ضحكتها وقالت بنبرة فيها تحذير "ما تتكلميش كده عن أختك الكبيرة يا سلمى." سلمى رفعت كتفها بتجاهل وقالت وهي بتفتح التلاجة "ماشي يا ماما، هو الغدا إيه؟" الأم رجعت تكمل شغلها وهي تهز راسها بخفة، بينما سلمى قاعدة تاكل ببطء، مش واخدة بالها إن في اللحظة دي، في مكان تاني تمامًا… كانت علا سايقة عربيتها بسرعة وثقة. لابسة شيك، شعرها مربوط بدقة، ونظرتها ثابتة في الطريق قدامها، ملامحها فيها تركيز، حزم، وجدية مريبة. إيديها ماسكة الدركسيون بقوة، كأنها ماسكة قرار مصيري. أفكارها كانت بتلف وتدور جوا عقلها، نفس الجملة تتكرر جوه راسها من غير توقف "سواء ده حلم أو حقيقة... سواء دي ظاهرة غريبة أو قدر... مش مهم." ضغطت على دواسة البنزين، والعربية انطلقت أكتر. "أنا مش هخلي الماضي يتكرر. مش هسيبها تموت تاني. المرة دي... همنع كل حاجة قبل ما تحصل." عينيها كانت مليانة دموع مش باينة، بس كل لمحة في وشها كانت بتقول إنها مصممة، إنها خلاص اتبدلت. الفرصة جاتلها... ومش هتسيبها تضيع. لأنها علا. وعلا عمرها ما فشلت في إنها تستغل الفرص لصالح أهدافها. _______ المسا. بعد يوم طويل، رجعت علا أخيرًا. دخلت البيت بخطوات هادية، صوت كعب الشوز كان بيكسر سكون الصالة. أول ما وصلت عند الباب، نزعت شوزها بتنهيدة تعب، ورفعت شعرها اللي كان لاصق في رقبتها من العرق عينها وقعت على سلمى… كانت متمددة على الكنبة، لابسة بيجامة واسعة، شعرها مفكوك وملفوف نص لفة كده فوق راسها، وفي إيدها كيس بذر، قدامها التلفزيون مولع على برنامج خفيف، والضحكة باينة على وشها. ريحة اللب والسناك والجو الهادئ كله كان بيقول “سلام”. الروقان اللي قدامها ده… الروقان اللي علا كانت طول عمرها فاكرة إن ده حياة سلمى العادية — الطفلة المدللة، اللي عايشة ببساطة من غير وجع ولا تفكير. لكن بعد ما ماتت… وبعد ما سمعت التقارير، والكلام اللي دار في التحقيق، اكتشفت إن سلمى كانت عايشة جوا نار. رمَت نفسها من فوق السطح. كده ببساطة. وقالوا إنها انتحرت عشان شوية تنمر من صحابها، وإهمال من مدرسينها، وشاب كانت بتحبه وجرحها… شاب اسمه حتى ما اتذكرش. وهي؟ مش قادرة تنسى. مش قادرة تستوعب. إزاي حصل كده؟ ازاي حد مااتعاقب ؟ ازاي سلمى مشيت كده؟ دلوقتي، وهي واقفة قدامها في نفس المشهد ده اللي افتقدته . كان قلبها بيخبط جوّاها بخليط غريب من خوف وحنين وذنب. عينيها كانت متركزة على سلمى بنظرة فيها وعد. نظرة بتقول إنها المرة دي مش هتسمح للتاريخ يعيد نفسه. مش هتسيبها تنهار. مش هتسيبها تموت. هي هتحافظ على الروقان ده، وتحميها من نفسها ومن العالم كله. سلمى لاحظت نظراتها الغريبة، فانتفضت وهي بتقول وهي مكرمشة وشها "إيه يا علا؟ بتعملي إيه واقفة كده؟ خوفتيني!" علا فاقت من أفكارها، وبدلت ملامحها بسرعة. ابتسمت، ابتسامة واسعة غريبة على وشها، ابتسامة ماكانتش بتعملها من زمان… يمكن من امبارح بس ابتدت تعرف يعني إيه تبتسم كده. سلمى بصتلها باستغراب، رفعت حواجبها وقالت "هو إيه اللي حصلك؟ بتضحكي كده ليه؟" علا تجاهلت السؤال ومشت ناحيتها بخطوات هادية. سلمى سألتها تاني "هو انتي كنتي فين من الصبح؟ رجعتي الشغل ولا إيه؟" علا ردت بثقة وهي بتفك الإيشارب من على رقبتها "رجعت طبعًا، وهارجع بقوة كمان. عندي شغل كتير أعمله." سلمى هزت راسها باستخفاف، وقالت "تمام يا ستي، مبروك الرجعة." وبينما هي بتكمل مضغ البذر، لقت علا فجأة بترمي نفسها على الكنبة جنبها. مش بس كده، دي لزقت فيها حرفيًا. سلمى اتجمدت مكانها وبصتلها بصدمة وهي بتقول "يا بنتي ابعدي شوية! إيه ده؟ في إيه؟!" لكن علا كانت بتبتسم بس، ولا كأنها سامعة كلامها، وبصت للتلفزيون وسألت باهتمام "بتحضري إيه؟" سلمى لفّت وشها ناحيتها وهي لسه مش مصدقة الموقف وقالت "إنتي أكيد اتجننتي رسمي ." علا ضحكت ضحكة خفيفة، ناعمة، فيها حاجة بين الطفولية والوجع، وقالت وهي تبصلها نظرة حنونة "يمكن… بس طالما أنا جنبك، يبقى الجنون ده أجمل حاجة حصلتلي." وسكتت. سلمى ماعلقتش، لكن فضل في عينيها قلق غريب وهي تبص ل أختها الكبيرة اللي واضح إنها رجعت البيت بشخصية تانية تمامًا وساعتها حست بقشعريرة هي مش فاهمة ليه ______ الجو الصبح كان مختلف… ريحة الخبز الطازة من المخبز اللي عند أول الشارع، وصوت الأطفال الصغيرين رايحين مدارسهم، والهواء فيه لسعة برد خفيفة كده تفوق الدماغ. سلمى كانت ماشية بخفة، شنطتها على ضهرها، ووشها منور بالحماس. النهارده أول يوم في آخر سنة ليها في الثانوية… السنة اللي كانت مستنياها من بدري عشان تبدأ صفحة جديدة. في البيت كانت واقفة قدام المراية في أوضتها، بترش شوية عطر على رقبتها وهي بتبتسم لنفسها، بتحاول تخفي توترها بالحماس. سمَر دخلت الأوضة، شعرها لسه ملفوف فوق راسها بسرعة وقالت " خلصتي ولا لسه؟ بابا واقف بالعربية مستنيكي." سلمى ردت وهي بتقفل الزجاجة " أهو خلاص، كنت بس برش عطر." وبصّت ناحية السرير المرتّب وقالت وهي رافعة حاجبها "هي علا راحت الشغل؟" سمَر قالت وهي بتعدل طرحتها " آه، طلعت بدري جدًا النهاردة، معرفش مستعجلة على إيه." سلمى اكتفت بإيماءة، وشالت شنطتها ومشيت من غير ما تقول حاجة تانية. نزلت على المطبخ، مامتها كانت حاطة حاجات للاكل في لانش بوكس وقالت بابتسامة دافية " يوم جميل يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك." " تمام يا ماما، ما تقلقيش." ركبت العربية جنب أبوها، واللي كالعادة بدأ يسألها عن السنة الجديدة، والمدرسين، واذا كانت مستعدة او لا هي كانت بترد وهي بتبص من الشباك على الشوارع اللي لسه بتفوق. لما وصلوا المدرسة، كان الزحمة بدأت على البوابة: طلبة داخلين، وأولياء أمور واقفين يودعوا أولادهم، أصوات ضحك وضجة، ورائحة طباشير جاية من الفصول اللي لسه بتتفتح شبابيكها. سلمى خدت نفس عميق وهي ماسكة شنطتها بإيدها ونزلت من العربية. أبوها قالها "بالتوفيق يا سلمى، خلي بالك من نفسك." ابتسمت وقالت "ما تقلقش، يوم ويمشي زي العادة." دخلت من البوابة بخطوات مترددة في الأول، بعدين بدأت تبص حواليها. المدرسة هي هي، نفس الحوش الكبير اللي الشمس بتغرقه أول النهار، نفس الشجرة القديمة اللي البنات بيقعدوا تحتها أول الفسحة. قلبها كان بيرقص من الحماس وهي بتدور بعينيها على رغدة وإكرام، صاحبتها اللي متأكدة إنهم وصلوا قبلها كالعادة. كانت كل حاجة شكلها مألوف… بس في نفس الوقت، كان جواها إحساس غريب إن السنة دي مش هتكون زي أي سنة قبلها.