حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن ) - الفصل الثالث: - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين اختلت عقارب الذاكرة ( خيالي نفسي رجوع بالزمن )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث:

الفصل الثالث:

كانت الدنيا هادية في الحي، والشمس بدأت تميل ناحية الغروب، الجو فيه لمسة دفء خفيفة بتدي إحساس غريب بالحنين. في الدور التاني من البيت القديم، كانت علا واقفة عند الشباك من الصبح، ولا اتحركت خطوة. من بدري وهي بتبص في الشارع، مستنية حاجة مش قادرة توصفها. سمر دخلت الأوضة مرتين، مرة تجيب كتاب ومرة تسألها لو هتنزل تاكل، لكن علا كانت ساكتة، عينيها متعلقة بالفراغ. حتى الأم بصّت لها وقالت بنبرة فيها قلق "فيه إيه يا بنتي؟ من الصبح وانتي واقفة كده؟" لكن علا ولا ردت، وكأنها مش سامعة. وفجأة... وهي لسه شايفة الشارع من فوق، لمحِت سلمى جاية من بعيد، شايلة كيسين كبار ومعاها رغدة صاحبتها. الابتسامة طلعت على وش علا تلقائي، كأن روحها رجعت لها. من غير تفكير، جريت على الباب زي الريح، شعرها بيتطاير ووراها دوشة وصوت خطواتها على البلاط. الأم وسمر اتفاجئوا جدًا، هدوم الأم اتحركت من شدة الهوا اللي عملته وهي بتجري، وسمر شعرها طار على وشها. "هي جنت دي ولا إيه؟!" قالتها سمر وهي بتضحك بنص توتر. علا نزلت السلم حافية، لابسة بيچامة النوم، شعرها سايب ومهوّش شوية، بس عينيها منوّرين، فيها لهفة غريبة. ولما سلمى وصلت عند باب البيت، كانت لسه بتودّع رغدة، قامت علا فتحت الباب بسرعة وقالت بصوت مليان شوق "سلمى!" سلمى اتفاجئت، بصّت لها بصدمة كأنها مش مصدقة إن دي أختها ولا مصدقة الموقف المحرج اللي حطتها فيه رغدة كمان اتلخبطت، مش متعودة تشوف الأستاذة علا، الست الهادية والناجحة، طالعة بالشكل ده! سلمى بسرعة ودعت صاحبتها وقالت "باي رغدة، هكلمك بعدين." ودخلت البيت بخطوات سريعة، متجاوزة علا اللي كانت لسه مبتسمة ومش فاهمة ليه الدنيا غريبة كده. أول ما الباب اتقفل، علا كانت هتتكلم، صوتها راجع من بعيد كأنه محتاج يطمنها "كنت مستنياكي من الصبح..." بس سلمى قطعتها بنبرة عصبية فيها ضيق واضح "إيه ده بقى؟! انتي طالعة الشارع كده؟! من إمتى؟! وبتستنيني كمان؟! هو أنا طفلة؟!" صوتها علي، فالأم وسمر طلعوا يشوفوا في إيه. الأم قالت "خير يا بنات؟ صوتكم واصل لآخر الشارع! مالك ياسلمى؟!" سلمى التفتت وقالت بنفاد صبر "هو في إيه مع علا النهارده؟ من الصبح وأنا شايفة إنها مش رايحة شغلها ولا عاملة حاجة! في إيه؟" علا اتلخبطت، اتنفسها اتقطع شوية وقالت "لا، مفيش حاجة والله... كنت بس مستنياكي." سلمى ضحكت بسخرية خفيفة وقالت "مستنياني؟ ليه يعني؟ عشان تنادي عليا قدام صحبتي؟ تعرفي شكلك كان عامل إزاي؟!" بصّت للأم وقالت "بصراحة يا ماما، اللي حصل محرج جدًا. بسبب بنتك صاحبيتي فاكرة إني طفلة لسه محتاجة وصاية!" سمر حاولت تدخل الكلام "خلاص يا سلمى، هي بس كانت فرحانة بيكي يمكن." لكن سلمى تاففت وقالت "فرحانة؟! ده شكلها مش طبيعة النهارده." أخذت أكياسها بسرعة ودخلت أوضتها، الباب اتقفل وراها بقوة خفيفة. أما علا، فوقفت مكانها، كل المشاعر اللي كانت جواها شوق، فرحة، ولهفة اتحولت لوجع في قلبها. بصت ناحية السلم اللي طلعت عليه سلمى، ودموعها كانت بتلمع في عينيها، وفجأة لمحت مشهد من الذاكرة القديمة... كانت هي اللي في مكان سلمى زمان. فاكرة لما كانت هي الصغيرة اللي بتتافف لما أمها تقولها "خدي سلمى معاكي يا بنتي، دي زهقانة لوحدها." وكانت ترد بملل "يا ماما دي طفلة! هاروح مع صحابي إزاي وأنا ماسكة إيد بنت صغيرة؟" وكانت سلمى تقف على باب الأوضة بعينيها البريئتين، نفس النظرة اللي شافِتها علا النهارده في عيون أختها... بس الفرق إن دلوقتي الزمن قلب، واللي كانت بتبعدها، هي نفسها اللي بتجري وراها. علا تنهدت، ومسحت دموعها وهي بتهمس "يا ريتك تعرفي إني بس عايزة أشوفك... حتى لو دقيقة." _____ رغم كل اللي حصل، علا قررت إنها مش هتسيب سلمى لوحدها. هي عارفة إن دي فرصتها الوحيدة… فرصتها تعيش معاها وتشبّع منها، حتى لو مؤقتًا. قالت لنفسها: "لو صحيت بعد كده ورجعت للواقع اللي سلمى مش فيه… يبقى على الأقل أكون خدت الزاد اللي يخليني أكمّل. أعيش الحلم ده، حتى لو كان وهم." كانت سلمى وقتها في أوضتها، لابسة بيچامة بسيطة، لسه خارجة من الحمّام، قاعدة قدام المراية وهي بتجفف شعرها الأشقر. الدنيا هادية، بخار الحمّام لسه عالق في الهوا، والمجفف صوته مالي الأوضة. وفجأة، الباب اتفتح ودخلت سمر بخطوات مترددة شوية. سلمى بصتلها في المراية وقالت باستغراب "فيه إيه يا سمر؟" سمر قفلت الباب وقرّبت منها، واضح إنها عايزة تقول حاجة ومش عارفة تبدأ منين. قعدت على سرير علا اللي بيقابل سرير سلمى وقالت بهدوء حكيم "بصي يا سلمى… بس متزعليش من علا." سلمى فورًا زفرت بضيق، ولفّت ناحية سمر وقالت "هي عملت إيه تاني؟" سمر رفعت إيدها بسرعة وقالت "استني بس، اسمعيني للآخر. إحنا عارفين إن علا مش طبيعية النهارده، شكلها متوترة أو في حاجة مضايقاها. يمكن في الشغل، أو يمكن في حياتها، بس هي مش بتتكلم. انتي عارفاها، كتومة جدًا، وكبرياءها مايسمحلهاش تشتكي." سلمى رفعت حاجبها وردت "وإيه علاقتي أنا؟ يعني تقف عند باب البيت كأنها مستنية طفل نازل من الأتوبيس؟!" سمر غصبت نفسها على ضحكة، وقالت "ما هو عندك حق… بس برضو، خلينا نمشيها النهارده، ماشي؟ المدرسة هتبدأ بعد بُكرة، وكل حاجة هترجع طبيعية. خليكي بس رؤوفة بيها شوية." سلمى اتنهدت، واضح إنها مش مقتنعة، لكن قبل ما ترد، الباب اتفتح فجأة، ودخلت علا بابتسامة واسعة وعيونها فيها بريق غريب. قالت بحماس "يلا يا بنات! أنا جهزت فيلم للسهرة! قوموا بسرعة قبل ما الفشار يبرد!" سلمى اتسعت عينيها وقالت بصدمة "سهرة؟! انتي من إمتى بتتفرجي على أفلام أصلًا؟! مش انتي اللي بتقولي إن دي مضيعة وقت؟!" أما سمر، رغم استغرابها، قررت تمشي الموجة وقالت وهي بتضحك "طيب طيب، خلينا نشوف الفيلم بتاعك يا ست علا!" علا ابتسمت وقالت وهي بتشاور لهم "بس بسرعة بقى! الفشار سخن وجاهز!" سلمى بصت لسمر بعيون مذهولة وقالت وهي مكررة الكلمة كأنها مش مصدقة "فشار؟" سمر أومأت لها بخفة كأنها بتقول "يلا سايريها وخلاص". سلمى اتنهدت وقالت "ماشي، خليني أخلّص شعري الأول." سمر وقفت وقالت وهي طالعة من الأوضة "تمام، وأنا هروح أشوف الفشار… يا رب ما يكونش اتحرق!" علا ضحكت وقالت "المرة دي طلع ممتاز!" وفعلاً، كانت باين إنها تعبت جدًا وهي بتحضّره، خصوصًا وهي اللي عمرها ما دخلت المطبخ إلا غصب عنها ولو دخلت بتعمل كارثة وخلاص . اتفضّت الأوضة، وبقت علا وسلـمى لوحدهم. سلمى شغلت المجفف تاني، وبصت في المراية وقالت من غير ما تلتفت "ما تتحركي يا علا، قلتلك هاجي بعد ما أخلص." بس علا ما اتحركتش. بعد لحظة، خطفت المجفف من إيد سلمى بهدوء، وقعدت وراها. سلمى بصوت متضايق "إيه ده يا علا؟! سيبيه، أنا هعمله بنفسي انا مش طفلة!" لكن علا قالت بنعومة وهي تشغله "اسكتي بس، خليني أعملهولِك المرة دي." وابتدت فعلاً تجفف خصلات شعرها الشقراء، بهدوء غريب… كل خصلة كانت تعدي بين صوابعها كأنها حاجة غالية بتخاف تضيع منها. وفجأة، دموعها نزلت بصمت. صوت المجفف العالي غطّى شهقاتها، وسلـمى ما خدتش بالها، كانت بس مطفية وساكتة. علا كملت، وبعد شوية مسكت المشط، وبدأت تمشط شعرها برقة. وبصوت حنين مليان وجع، قالت "عارفة يا سلمى… آخر مرة عملتلك كده كان عندك يمكن خمس، ست سنين كده. فاكرة؟" سلمى أومأت براسها، ولسه مش فاهمة التغيير اللي حاصل في أختها. وبعد لحظة قالت بهدوء "حصللك حاجة يا علا؟" علا سألتها وهي عايشة اللحظة ومستمتعة "زي إيه؟" سلمى قالت بجدية وهي لسه بتبص في المراية "يعني، في الشغل مثلًا؟ حد زعلك؟ طردوكي؟" علا ضحكت بخفة وقالت بنبرة فيها شوية غرور "أنا؟ لأ طبعًا، إزاي واحدة ناجحة زيي يطردوها!" سلمى التفتت بسرعة، بصت في عيونها وقالت بعصبية "أمال إيه قصتك النهارده؟ انتي مش طبيعية خالص!" علا سكتت لحظة، وبعدين قامت، رجّعت المجفف والمشط مكانهم، وبصتلها بنظرة غريبة فيها حنان وشجن. وقالت بابتسامة هادئة "ولا حاجة… بس قررت أعتني بأختي الصغيرة شوية." عيني سلمى اتسعت، وفضلت تبص لعلا مش فاهمة قصدها. أما علا، فاكتفت بابتسامة غامضة وقالت وهي خارجة "يلا، الفيلم هيبدأ… متتأخريش." وسابت وراها ريحة شامبو الشعر، وصدى صوت المجفف اللي لسه دافي في الهوا… وسلمى، فضلت في دهشتها وفكرة واحدة في بالها أنه اختها مش كويسة ! _____ الساعة كانت عدّت نص الفجر تقريبًا، والفيلم اللي بيعرضوه في التلفزيون أوشك يخلص. كان من النوع اللي بتحبه البنات — غموض وتشويق وقتل وتحقيق — بس التعب غلبهم في الآخر. سمر أول واحدة عينيها قفلت من كتر الإرهاق، وسلّمى كانت بتقاوم النوم بالعافية، تغمض وتفتح، تمط في نفسها، وبصوتها المبحوح قالت "الفيلم خلص خلاص؟" علا اللي كانت قاعدة في الأرض قدام التلفزيون، عينيها نصها مفتوح من التعب، قالت وهي بتحاول تضحك "أيوه… بس أنا مش نايمة النهارده." الكلمة دي طلعت منها بصوت حنين غريب، كأنها بتكلم نفسها مش هما. هي عارفة إن أول ما تنام، الحلم هينتهي، وهتفتح عينيها تلاقي نفسها في بيتها الحقيقي… والكل لابس أسود، وريحة البخور مالية المكان، والناس بتعزيها في سلمى. الفكرة دي كانت كافية إنها تخليها تقاوم النوم زي اللي بيحارب الموت. سمر مدت إيدها تطفي التلفزيون وهي بتقول بنعاس "كفاية كده يا بنات، اتأخرنا، يلا ننام." فقاموا الثلاثة مع بعض ناحية أوضتهم، وكل واحدة راحت على سريرها. علا كانت على سريرها، بس ماقدرتش تفضل في وضعها الطبيعي. قلبت على جنبها ناحية سلمى، والعيونها معلّقة بيها كأنها بتحاول تحفظ كل ملامحها قبل ما تختفي. سلمى كانت بتسحب الغطا وتستعد تنام، بس نظرة علا كانت غريبة… ساكتة وجادة ومليانة حاجة مش مفهومة. رفعت حاجبها وقالت بتعب "مالك يا علا؟ في إيه تاني؟" جواها كانت بتقول هي لسه ناوية على حاجة تالتة بعد الفيلم والبوظة اللي قبلها؟ لكن علا قالت بهدوء وهي تمد إيدها لسلمى " سيبيني امسك ايدك" سلمى بصت لها باستغراب واستنكار "إيدي؟! انتي عيلة؟ إحنا كبرنا يا بنتي." علا بمنتهى الجدية "لو ماخدتيش إيدي… هاجي أنام جنبك." سمر، اللي كانت لسه بتحاول تنام، زفرت بضيق وهي مغمضة عينيها "خلاص يا جماعة ناموا بقى، صدّعتوني!" سلمى تاففت وقالت بتضجر "ماشي يا ست علا، خدي إيدي اهوه… مبسوطة؟" ومدت لها يدها بخفة، كأنها بتخلص واجب. لكن أول ما علا لمستها، لمستها بحنية كأنها بتلمس حاجة غالية ضاعت منها من سنين. حطت كفها على كف سلمى وشدت عليها بخفة، وبصت فيها كأنها بتسترجع ذكرى قديمة. في عقلها صوت صغير بيقول "من إمتى آخر مرة مسكت إيدها؟ إمتى آخر مرة حسّيتها سخنة في إيدي؟ ليه كنت بخاف أبين حبي ليها؟ ليه كنت بحسسها دايمًا إني مش فاضية؟" سلمى زعقت بضيق وقالت وهي بتحاول تسحب إيدها "هتكسريها يا علا، ريّحي شوية." علا ضحكت ضحكة واهية وقالت "آسفة… نسيت نفسي." بس الضحكة اختفت بسرعة، ووشها هدى، وبقى عليه لمحة حزن ساكت. سلمى بعدها غطّت نفسها، وبعد دقايق قليلة كانت أنفاسها بقت هادية ومنتظمة… نامت. أما علا، فكانت عينيها بتتقفل غصب عنها. حاولت تفتحها، قاومت، بس جسدها تعب، ورأسها بقت تقيلة. قبل ما تغمض تمامًا، شدّت على إيد سلمى أكتر، وهمست بصوت بالكاد طالع منها "يا ريت أقدر آخدك معايا… من الحلم… للحقيقة." وبهدوء، غلبها النوم. فضلت نايمة وهي ماسكة إيد سلمى بإصرار، كأنها لو سابتها، هتضيع منها للأبد.