الفصل الثاني :
عينين علا بدأت تتحرك ببطء من تحت جفونها، نور الشمس كان بيعدي من بين ستارة الإزاز الخفيفة ويعمل خيوط دهب مرسومة في الهوا. كان صباح خريفي، فيه برودة خفيفة، ريح بتزقّ الستارة بحنية وتسيب خط نور ينزل على وشها.
جسمها كله كان بيوجعها، بس أكتر مكان حاسّة إن الألم ماسك فيه هو قلبها. قلبها كان بيتقبض كأن حد ماسكه بإيده وبيضغط عليه. فتحت عينيها أخيرًا، لمحت سقف الأوضة المألوف، وبعدها عينيها لفت حوالين المكان.
افتكرت فجأة… افتكرت آخر لحظة قبل ما تغمض. افتكرت الصراخ، دموعها، وافتكرت إنها وقعت على الأرض منهارة. لسانها نشف، ودمها اتجمّد وهي بتشوف الساعة على الكومودينو جنبها: العاشرة صباحًا.
فتحت بقها بذهول
"إزاي؟! أنا نمت كل ده؟!"
لكن كان في حاجة غريبة… ماخدتش بالها منها في الأول. قبل ما تنام كانت لابسة عباية سودا، نفس العباية اللي لبستها طول الأسبوع ده من ساعة الجنازة. دلوقتي، لقت نفسها لابسة بيجامة قطن لونها فاتح من بتوعها. قلبها دق بسرعة، إزاي حصل ده؟ مين غير لها هدومها وهي نايمة؟
فجأة الباب اتفتح، ودخلت سمر. وشها منوّر، ابتسامتها واسعة بطريقة علا ماقدرتش تفهمها. استغربت جدًا، حتى فكرت في عقلها: "هي بتمثل؟! ازاي وشها منوّر كده وهي أختها ماتت زيّنا؟"
بس علا كانت عارفة إن سمر من يوم الحادث وهي شايلة الحمل لوحدها، بتخفي وجعها علشان تركز على ألم أمهم وأبوهم وتواسيهم .
سمر قالت بضحكة صغيرة
"أنا كنت داخلة أصحيكي، ماصحتيش لحد دلوقتي! مش عندك شغل النهاردة يا علا؟"
علا حرّكت رموشها وهي بتبصلها باستنكار
"شغل؟ شغل إيه في الظروف دي؟! إزاي في وقت زي ده!"
سمر، وهي شايفة تعبير الاستغراب على وش أختها، قالت باندهاش
"إيه يا علا ؟ مش هتنزلي دوامك النهاردة؟"
علا كانت هتفتح بقها وترد، لكن فجأة جسمها اتشنج…
صوت… صوت مألوف جدًا ضرب أذنها.
صوت كانت متأكدة إنها خلاص مش هتسمعه تاني.
صوت كان فيه عصبية، نفس العصبية اللي كانت بتشتكي منها طول الوقت
"إيه يا سمر، واقفة في الباب كده ليه؟! سيبيني أعدي، أنا متأخرة وعايزة افطر كمان !"
علا حسّت الأرض بتتهز تحت رجليها. وشها اتجمد مكانه، الدم انسحب من عروقها، إيديها ارتجفت، وبرودة غريبة سرت في جسمها كله.
سمر زاحت من الطريق، وعلا شافت بعينيها… سلمى.
وقفِة عند الباب، شعرها البني اللي داخل فيه لمعة أشقر سايب على كتافها، بشرتها البيضا منورة بنور الصبح، لابسة جينز أزرق وقميص أبيض بسيط.
علا اتصعقت. رموشها وقفت مكانها، شفايفها تفتحت شوية من غير صوت. كل عضلة في جسمها اتجمدت.
سلمى دخلت بخطوتين، وبدون ما تبص لعلا في الأول، سمر قالت وهي حاطة إيدها على وسطها
"يا سلام يا أختي! مش المفروض البنت المؤدبة تستأذن قبل ما تدخل؟ الأدب فين بقى؟"
سلمى اكتفت بإنها تهمهم بضيق، وهي بتبص حوالين الأوضة. فجأة، عينيها وقعت على حاجة… على السرير اللي علا لسه قايمة منه.
أشارت بصدمة، وقالت بصوت عال
"هو إيه ده؟!"
علا اتجمدت أكتر، لكن سلمى جريت ناحية السرير وتخطّت علا اللي وقفة زي التمثال. مسكت بلوزة الجينز الزرقة اللي كانت متكمشة جنب المخدة، بلوزتها المفضلة.
سلمى قالت وهي بتتنفس بعصبية
"إيه اللي جايب بلوزتي هنا؟! دي غالية اوي ، وكنت دايمًا مخبيّاها!"
رفعت عينيها أخيرًا على علا اللي لسه ساكتة. مفيش كلمة، مفيش حركة. سلمى استغربت ونست زعلها ، بصت لسمر كأنها بتسألها: "هي مالها؟"
سمر رفعت كتفها بجهل وقالت
"واضح إنها لسه مش صاحية. سيبيها، روحي جهّزي نفسك."
سلمى تنفست بغيظ، أخدت بلوزتها، ورجعت تبص مرة أخيرة لعلا قبل ما تخرج ورا سمر اللي طلبت من علا تغسل وشها عشان تصحى .
أول ما الباب اتقفل…
علا وقعت على الأرض.
نفسها تقطع، إيديها بترتعش، عرق بارد نازل من جبهتها، دموعها متجمدة مش قادرة تنزل خالص .
صوت واحد بس بيرن في دماغها
"إزاي؟! إزاي؟! إزاي؟!"
فضلت للحظات واقفة مش قادرة تستوعب… دماغها راحت لسؤال واحد: "أنا في حلم؟"
هو ده كان التفسير الوحيد اللي عقلها قادر يتقبله. لو حلم… يبقى أجمل حلم في حياتها، حلم مش عايزة تصحى منه أبدًا.
دموعها بدأت تتجمع في عينيها، دموع امتنان وخوف في نفس الوقت. لو ده حلم، يبقى تخليه يطول، تخليه يفضل. فجأة قامت من مكانها بسرعة، رجليها الحافية لامست البلاط البارد بس هي ماحستش بيه. خرجت من الأوضة سايبة الباب وراها مفتوح، ماشية بخطوات شبه طايرة كأنها في عالم تاني.
وصلت للمطبخ… أول ما دخلت، قلبها اتخضّ.
الجو كله كان مألوف بشكل وجعها . ريحة القهوة الطازة متشبعة في المكان، بخار بيطلع من حلة فول على النار، وضوء الصبح الخريفي داخل من الشباك وراسم خيوط دافية على الأرض.
أمها كانت قاعدة على كرسي صغير في الركن، لابسة عباية بيت حمرا بسيطة ومشغولة بالحُلي اللي في إيديها، بتعدّل وتصفّ فيهم كأنها ناسية الدنيا كلها.
أبوها قاعد على السفرة، الجورنال في إيده، بيقرا وهو بياكل فطوره على مهله، بياخد لقمة عيش ، ويرجع يقلب الصفحة.
أما سمر فكانت قاعدة جنبه، مركزة في طبق فول كبير قدامها، بتقشّر فيه وهي ساكتة، ووشها فيه هدوء غريب.
المشهد ده… آه، كان دافي جدًا.
دفء يخلي الروح نفسها تتهز. الذكرى دي رجّعت لعلا إحساس بالبيت، بالأمان، بإخواتها… رجعت لها لحظة من الماضي الجميل اللي افتقدته.
أبوها رفع عينه من الجورنال وقال بصوت عادي جدًا
"صباح الخير يا بنتي."
كأنه بينبهها إنها لسه ما سلّمتش.
أمها التفتت وسألتها
" مش اتأخرتي على شغلك يا علا ؟ ولا مابتشتغليش النهاردة ؟"
وسمر بصتلها باستغراب، كأنها بتسأل بعينيها: إيه اللي جرى لها دي؟
لكن علا مااهتمتش بكل ده. عينيها وقعت فجأة على الشخص اللي كان جاي ناحيتهم …
سلمى.
كانت واقفة بتجفف إيديها بعد ما غسلتهم، شعرها البني الفاتح المائل للاشقر نازل على كتفها، ضوء الصبح مدي وشها إشراقة طبيعية
من غير ما تفكر، جرت عليها. قلبها كان بيرقص جوه صدرها وهي بتمد إيديها، وضمتها بقوة شديدة، كأنها عايزة تثبتها جواها وماتسيبهاش تروح.
سلمى اتصلبت مكانها، عينيها اتسعت من المفاجأة، جسدها اتجمد للحظة.
البيت كله اتسكت.
أمها وأبوها وسمر اتبادلوا نظرات اندهاش، محدش فاهم إيه اللي بيحصل.
لكن علا ما كانش فارق معاها حاجة. كانت في اللحظة دي بتشكر ربنا من أعماق قلبها:
"الحمد لله… الحمد لله على الحلم ده."
كانت بتستنشق ريحة شعرها بكل قوة، كأنها بتحاول تخزنها في روحها.
كانت عايشة اللحظة بكل كيانها: الريحة، الدفء، صوت نفس أختها… كل ده كان حياة كاملة ليها.
فجأة حسّت براحة يد بتخبط على ضهرها، خبطة مش عنيفة بس فيها استنكار.
سلمى، اللي صوتها طلع متفاجئ ومستنكر
مالك إنتي؟! إيه اللي جرالك؟ شُفتيني في المنام ولا إيه؟
حاولت تتملص، تحرر نفسها من الحضن اللي مسكها جامد، بس علا زادت في ضمها أكتر، مش عايزة تفلتها أبدًا.
سلمى في الآخر استكانت شوية، بس فضلت عينيها رايحة ناحية أمها بنظرة بتقول
إيه يا ماما؟ مالها أختي؟!
الأم كانت واقفة مش عارفة ترد، الأب بيراقب المشهد والجورنال في إيده متوقف عن الحركة، وسمر قاعدة بتبص باستغراب وحيرة.
اما علا… كانت عايشة الحلم.
متمسكة بأختها كأنها آخر نفس في الدنيا.
_______
من بعد ما قعدوا على الفطار، علا ما اتحركتش من جنب أختها سلمى.
لا قامت تلبس الشبشب، ولا حتى فكرت تغيّر بيجامة النوم، ولا غسلت وشها. قعدت كده، زي ما صحيت، كل همها تبقى قريبة من سلمى.
الكل حواليها كان بياكل: أبوها، أمها، سمر، وسلمى طبعًا. حتى هي نفسها كانت بتاكل… بس الفرق إن باقي العيلة كانوا بياكلوا وهم مركزين في الأكل والكلام، إنما علا كانت سايبة الطبق قدامها من غير اهتمام، وكل عينيها معلقة بس بحركات أختها.
كانت بتبص على كل حاجة بتعملها سلمى… الطريقة اللي بتمسك بيها الملعقة، لمعة شعرها وهي بتميله ورا، وحتى الضحكة الصغيرة اللي بتطلع من غير قصد.
لكن في عينيها كان في نظرة غريبة… نظرة شوق وقلق وخوف في نفس الوقت. كأنها بتحاول تخزّن كل تفاصيلها، كأنها عايزة تشبع منها، زي اللي بيحاول يملأ قلبه صورة قبل ما تضيع منه.
سلمى، من الناحية التانية، كان باين عليها الضيق. تعابير وشها واضحة إنها متغاظة ومش مرتاحة.
خلصت طبقها بسرعة، وحطته على الطاولة كأنها مستعجلة، وقامت تقف عشان عندها مشوار.
ساعتها علا مدّت إيدها واتعلقت بيها من غير تفكير.
مش هي بس اللي اتفاجئت… الكل على الطاولة استغرب، خصوصًا لما سألتها علا فجأة
"إنتي ماشية فين؟"
سلمى وقفت محرجِة، وبصّت على أبوها وأمها الأول، وبعدين ردّت بنبرة سريعة
"عندي مشوار مع صحابي… لازم نكمل شوية حاجات قبل المدرسة ما تبدأ."
علا ما اهتمتش بالرد، كأنها ما سمعتوش أصلاً، وقالت لها بتعلق واصرار
"طب ما تفضلي النهارده… خليكي معانا."
سلمى اتصدمت من الطلب، ووشها اتشد، وقالت بضيق
"هو مالك إنتي؟"
الأم حاولت تكسر الموقف وقالت لعلا
"مش عندِك شغل ياعلا النهارده؟ مش هتروحي؟"
ردت علا بسرعة، من غير حتى ما تبصّ على حد
"ما بشتغلش"
الكل اتصدم ...علا مابتشتغلش ؟ ...دي بتشتغل حتى في الإجازة ...في مجالات حتى مش مجالها الحقيقي ...
وبعدها الجو على السفرة اتغيّر. الكل بدأ يتفرق… أبوها قام خارج من المطبخ ، أمها راحت ناحية الغسيل ، سمر طلعت أوضتها، والوحيدة علا اللي فضل شغلها الحقيقي هو إنها تلحق سلمى.
فضلت وراها لحد الباب. كانت عينيها متسمّرة عليها وهي بتلبس جاكيت الجينز، وبعدها وهي بتنحني تلبس الحذاء.
سلمى في اللحظة دي كانت هتنفجر من جوّاها. نفسها تصرخ وتقول: "إنتي مالك بتتبعيّني في كل حتة؟! هو أنا هسيب بنتي مثلًا مش أختي الكبيرة ؟"
هي مش فاهمة إيه اللي حصل لعلا من امبارح لحد النهارده. نامت وصحيت لقتها واحدة تانية… واحدة غريبة، ملزقة فيها زيادة عن اللزوم.
علا مع ذلك كررت
"خليكي النهارده يا سلمى… أرجوكي."
لكن سلمى رفعت راسها من عند الحذاء، وقفت باستقامة، وقالت بوضوح ونبرة ما فيهاش مجال للنقاش
"أنا خارجة… إنتي روحي شغلك او شوفي حاجة اعمليها"
وبكل بساطة، فتحت الباب وخرجت، وقفلته وراها.
أما علا، فضلت واقفة متسمّرة مكانها، عينيها على الباب اللي اتقفل.
في اللحظة دي حسّت إنها اتحطّت مكان سلمى وهي صغيرة.
افتكرت لمّا كانت سلمى الطفلة تيجي لها، تترجاها تلعب معاها أو تقعد جنبها، لكن هي كانت دايمًا ترفض… مرّة بحجّة الدراسة، ومرّة بحجّة الشغل، ومرات تانية بحجّة الخروج مع أصحابها.
كانت دايمًا تشوف إن طلبات أختها الصغيرة مجرد مضيعة للوقت.
لكن دلوقتي… وهي في نفس الموقف… حسّت بالوجع الحقيقي.
قد إيه صعب إنك تبقى محتاج حد جنبك، وهو يفضّل أي حاجة تانية عليك.
رجعت بخطوات بطيئة أوضتها، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها ما تصحّلش من " الحلم " اللي جواها… الحلم اللي ممكن ينهار. ومع كده، في عمق قلبها، كان في حاجة صغيرة بتقول إنها مبسوطة… مبسوطة إنها عاشت ولو لحظة قريبة مع أختها، حتى لو اللحظة دي كانت كلها شدّ وضيق.
________
سلمى خرجت من البيت بسرعة، ولسه متأثرة من اللي حصل معاها مع علا.
أول ما نزلت الشارع لقت رغدة و إكرام واقفين مستنيينها.
رغدة قالت لها وهي رافعة حاجبها
"إيه يا اختي، اتأخرتي ليه كده؟ كنا هنمشي ونسيبك."
سلمى تنهدت وقالت بضيق
"ما تسأليش… أختي مش عارفة مالها النهارده، غريبة جدًا."
إكرام اتدخلت بسرعة وسألت بفضول
"أنهي واحدة فيهم؟ سمر ولا علا؟"
سلمى ردّت بنبرة متضايقة
"علا طبعًا… خلينا نسيب الموضوع ده، قولولي هنروح أنهي محل الأول؟"
رغدة رفعت إيدها وقالت
"نبدأ بمحل الهدوم، وبعدها الأدوات المدرسية."
وفعلًا، التلاتة مشيوا مع بعض، ضحك وكلام، والجو كان مليان حماس كده بتاع بداية سنة جديدة.
دخلوا محل الملابس…
ألوان، أرفف مليانة بلوزات وجينزات، ومرايات في كل حتة. البنات بدأوا يضحكوا وهما بيقيسوا حاجات.
إكرام طول الوقت كانت عاملة دوشة وعايزة تجرب كل حاجة.
بعدها اتحركوا على محل المستلزمات المدرسية. المحل كان مليان أطفال مع أمهاتهم، أصوات ودوشة وألوان أقلام ودفاتر ورسومات كارتونية في كل مكان.
إكرام على طول شدّتها الحاجات الطفولية: أقلام عليها شخصيات كرتون، كراسات بغلاف ملون، ومساطر عليها جليتر.
سلمى هزت راسها وقالت لها وهي بتضحك بس بنبرة جد
"يا بنتي، إنتي بتعملي إيه؟! إحنا خلاص في آخر سنة… يعني داخلين جامعة، مش هنقعد نشتري حاجات أطفال!"
إكرام عاندت، وحطت إيديها في وسطها وقالت
"لا! بالعكس… الحاجات دي بتفتح النفس على المذاكرة. وبعدين إيه المشكلة نفضل شوية عيال؟"
وبكل إصرار، مش بس اشترت لنفسها، لأ… كمان أجبرت رغدة وسلمى إنهم يختاروا حاجات شبهها.
حتى إنها من غير ما تاخد إذن، خدت قلم شكلُه كيوت أوي ولونُه ملفت، ورمته في سلة سلمى.
سلمى بصّت له باستغراب وقالت بضيق
"يا اكرام القلم ده مش عاجبني!"
إكرام اكتفت بابتسامة ماكرة
"هيعجبك غصب عنك."
لما جوا يحاسبوا، الموقف قلب غير متوقّع…
إكرام دفعت الأول، وبعدها رغدة. ولما جه دور سلمى، القلم الكيوت اللي حطته لها إكرام وقع من السلة على الأرض.
سلمى كانت هتنحني تاخده… بس في ثانية لقت حد سبقها وانحنى.
وقفت مستقيمة، عينيها اتفاجئت…
قدامها شاب.
شعره أسود، لحيته خفيفة، لابس هدوم نصها أسود ونصها رمادي… شكله كده من ستايل "bad boy" اللي بيتكلموا عنه البنات.
بس عينيه… عينيه كان فيها حاجة مختلفة. حاجة خلت قلب سلمى يرفرف للحظة.
مدّ لها القلم، وقال بابتسامة هادية
"قلم حلو أوي… شكله لطيف."
سلمى اتلخبطت، خدودها اتحمرت، وبصّت بسرعة لصاحباتها وابتسمت بخجل.
لكن فجأة سألها
"إنتي مش عارفاني؟"
سلمى اتفاجئت، وقالت بارتباك
"إزاي يعني… أعرفك منين؟"
هو عرّف بنفسه وقال
"أنا معاكم في نفس الثانوية… شوفتك أكتر من مرة."
سلمى بصوت مفضوح خرج منها من غير ما تتحكم
"وتذكرتني؟"
بصلها لحظات باندهاش وبعدين ضحك بخفوت، وقال
"جمال زي جمالك… يتنسى إزاي؟"
الكلمة نزلت زي الشرارة على وشها، سخّنت خدودها أكتر، ولسه هي مش قادرة تستوعب…
وفجأة، صوت جه من ورا
"إسحاق!"
الولد بص بسرعة وقال
"هشوفك بعدين."
وسلّم عليها ومشي.
سلمى فضلت واقفة متسمّرة، خدودها متوردة، قلبها بيخبط.
رغدة قرّبت منها وقالت وهي مستنكرة
"إيه الوقاحة دي؟! يقولك كلام كده على طول!"
لكن سلمى ما ركّزتش، وبصّت على إكرام اللي واقفة ناحية تانية، ملامحها مش مريحة، فسألتها بفضول
"هو فعلًا في مدرستنا؟"
إكرام ردت باختصار وهي متضيقة
"أيوه… ده إسحاق. مشهور أوي عند البنات، عنده معجبات كتير، وبيلعب في فريق الكورة. بيقولوا إنه لاعب شاطر كمان."
سلمى رفعت حواجبها بدهشة
"إزاي في حد زي ده في الثانوية وإنا معرفهوش؟"
إكرام أخدت كيسها بعصبية، وقالت وهي بتسيبهم وتسبقهم
"هو إنتي من إمتى بتبصي على ولاد ولا بتهتمي بجنس المذكر أصلاً؟"
الكلمة نزلت على سلمى زي وخزة. حسّت إنها مش فاهمة قصدها بالضبط، بس عارفة إنها عندها حق…
هي فعلًا عمرها ما اهتمت بالولاد، يمكن عشان تربيتها المحافظة، أو لأنها مقتنعة إن الحب والكلام ده مش ليها دلوقتي.
مشت جنب رغدة اللي حاولت تغيّر الجو وقالت
"بصي يا بنتي… تجاهليه. هو صحيح مشهور، بس في كلام كتير عليه… ناس بتقول إنه بيمشي مع رفقة مش تمام، وموضوع مخدرات والكلام ده."
سلمى هزّت راسها، بس الحقيقة إنها مش قادرة تنسى.
الكلمة اللي قالها وهي ماسك القلم: "لطيف شكله"…
وكمان لما وصف جمالها.
قلبها كان مليان فراشات صغيرة، وإحساس جديد، أول مرة تحس بيه.
ومن اللحظة دي، بدأ الفضول تجاه إسحاق يكبر جواها…