الفصل الاول :
ماكنتش متخيلة أبدًا إن اللي حصل دلوقتي يحصل في يوم من الأيام.
ماخطرش على بالي إنه إهمالي ولا يمكن أقول كده، انشغالي عنها يقدّر يأثر بالشكل ده.
كنت فاكرة إحنا هنقعد ونتكلم بعدين، هنضحك بعدين، يمكن لما تكبر شوية نتفاهم، أو يمكن لما أنا أكبر واستقر تتعدل الأحوال.
كنت مشغولة بنفسي وبدايرتي، ونسيت أهم حد سبتّه ورايا، وما تعبتش نفسي أبص عليه حتى.
بس الندم اللي جوايا دلوقتي بيوجع بطريقة قاتلة
حاسّة إن روحي بتولع من جوا.
ماكنتش مستعدة للّحظة دي، ولا حتى فكرت فيها قبل كده.
كنت واثقة إن الحياة هتستنى، إني هلاقي وقت، بس اتضح إن محدش بيستنى حد
_________
صوت كعبها العالي كان بيرن في طرقة المدرسة الفاضية، خطواتها واثقة، قوية. لابسة تنورة طويلة سادة بلون هادي وبلوزة شيك مكوية كويس، بسيطة بس أنيقة. شعرها الأسود الداكن، اللي عمرها ما فكرت تصبغه عشان بتحب لونه زي ما هو، كان قصير وملائم على وشها. ماسكة كتب الأدب بقوة، وضامّاهم على صدرها كإنهم درع بيحميها من التوتر اللي جواها.
وقفت قدام باب الصف، خدت نفس عميق، وفتحته.
صف ثالث ثانوي.
أول يوم ليها في المدرسة دي، وأول مرة تدخل فصل بالشكل ده. الفوضى كانت سايدة المكان.
بنات قاعدة في الصف الأول بتضحك بأصوات عالية وهي بترسم آيلاينر وبترش سبراي بارفان.
وراهم، اتنين بنات متكئة على بعض وبيتهامسوا ووشوشهم كلها أسرار.
مجموعة ولاد قاعدين ورا بيضحكوا جامد، واحد فيهم ماسك الموبايل وبيعمل حركات باينة إنها جيم، والتاني بيفرّج اللي جنبه.
فيه ولد قاعد محطوط على الترابيزة ومش فارق معاه أي حاجة حوالينه، نايم ومش مهتم.
والجو كله كأنه سوق مش فصل.
علا دخلت بخطوات ثابتة، طلعت على المصطبة، وقفت ورا المكتب، استنت لحظة إن صوتها أو حضورها يفرض نفسه، لكن ولا كأنها موجودة. الفوضى زي ما هي.
بهدوء، حطت الكتب على المكتب، وبعدين فجأة بكل قوتها ضربت بيهم مرة واحدة. الصوت دوّى في الفصل كله، زي مطرقة نزلت على الحديد.
سكتوا.
عيونهم كلها اتعلقت بيها، بعضهم متفاجئ، وبعضهم مستغرب.
ملامحها كانت باردة جدًا، وشها خالي من أي تعبير. بس فجأة، ارتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة شكلها دافي، لكنها متصنعة اوي.
بصوت هادي بس فيه نغمة واثقة، قالت
"معاكم الأستاذة الجديدة… علا فاتح. إن شاء الله نتفاهم وتبقى سنة حلوة علينا كلنا."
الحجرة كلها بقت هادية بشكل غريب، لحد ما من آخر الطاولات تقريبًا، وقبل الصف الأخير بشوية، رفعت راسها طالبة.
شعرها بني على اشقر ، نازل حر على كتافها. بشرتها بيضا، عينيها واسعة، بس دلوقتي ملامحها كانت متشنجة. حواجبها متعقدة في استنكار، وكأنها مصدومة من اللي شايفاه.
بس ما قالتش حاجة.
فضلت ساكتة، سايبة عينيها تركز على علا
وعلا كمان خدّت بالها. نظرتها وقعت عليها لثواني، كأن في حاجة وقفتها. لكن بسرعة رجعت تركّز مع باقي الفصل.
قلبت في الكتب اللي معاها، رفعت راسها وقالت
"هنادي على الأسامي دلوقتي عشان أتأكد من الحضور."
الفصل رجع يتهامس بهدوء، بس نظرات البنت دي فضلت متعلقة بيها… نظرات هتفضل في دماغ علا .
_________
البيت كان لابس اسود من جوّه.
مرّ أسبوع كامل على الجنازة الّلي اتعملت في بيت عيلة فاتح، ولسّه الهوا تقيل والصراخ والهمسات ماسكين الحيطان. الجنازة كانت حاجة كأنها دفنت قلوب الناس قبل ما تدفن الجسد... لأنها كانت لسة صغيرة، مراهقة، الكل مش مصدّق إن النهاية تيجي كده.
الصالة مليانة نسوة: قريبات، جارات، معلمات من المدرسة. كل واحدة جايبة معاها عيونها وكلامها. على الترابيزة قُرآن مفتوح على موبايل، وصوت التلاوة طالع وهادي، لكن وراه في همسات كتير. همسات خبيّة، بس بتقطع في القلوب.
"هي انتحرت بجد؟! كنت فاكرة حادث ولا مرض…"
"قالوا كانت مصاحبة واحد… ولما سابها هي اللي عملت كده!"
"المسكينة… يا حرام!"
"معقول كانت حامل؟! يمكن عشان كده راحت؟!… بس العيلة ساكتة!"
كل كلمة بتنزل زي سكينة في الصدر.
في الركن، على الأرض، كانت قاعدة بنت لابسة أسود. شالها وقع من فوق راسها وهي مسندة دماغها على الحيطة. وشها شاحب، دموعها نازلة وجامدة على خدّها، سايبة خطوط يابسة. كل شوية دمعة جديدة تنزل وتزيد الخطوط. عينها فاضية، وده كان أوحش من البكاء. دي كانت علا. وجودها في الركن يوجع أكتر من كل الكلام.
فجأة، علا قامت بسرعة، كأن نار ولّعت جواها. وشها كان باين فيه الغضب، صرخت وهي ماسكة واحدة من الستات اللي بتتكلم
"اطلعي برا! إنتي إزاي تتكلمي كده؟! إزاي تقولوا عنها الكلام ده؟!"
الصراخ دوّى في القاعة. الستات اتلفّت كلها عليها. البنت اللي كانت قاعدة جنب الأم قامت بسرعة، حاولت تهديها:
"اهدَي يا علا… كفاية! هما جايين يعملوا واجبهم…"
لكن علا كانت بتصرخ أكتر، عينيها مليانة دموع ونار:
"واجب إيه؟! أنا مش عايزة واجبهم! مش عايزة ناس تفتح بقها وتقول اللي يعجبها على حساب شرف أختي! أنا مش هسمح لحد يلمس كرامتها قدامي!"
واحدة من الستات اللي اتكلموا ردّت بنبرة معاتبة
"يا بنتي، إحنا مقدّرين حالتك… بس عيب! عيب يا علا! إحنا هنا علشان نوقف جنبكم…"
علا شدّت نفسها أكتر، صرخت
"ده اسمه جنبنا؟! كده تساعدونا؟! لا… مش عايزة! اطلعوا برا!"
الأم، اللي كانت ساكتة طول الوقت، حاولت تقوم، صوتها كان مكسور بس عالي
"يا علا… خلاص بلاش… بلاش نزود الوجع أكتر…"
لكن كلامها ماوقفش علا. الأم صرخت تاني، المرة دي بحرقة
"سلمى خلاص مشيت… مشيت! كان لازم ندافع عنها زمان! مش دلوقتي!"
الجملة دي كسرت الجو. الأم وقعت على ركبها من شدّة الحزن، وسمر، أختهم التانية، جريت عليها بسرعة. ضمّتها وحاولت تهديها، دموعها نازلة وهي تقول
"يا ماما… خلاص يا ماما، كفاية…"
الستات اللي في الصالة بقوا يبصّوا بعيون لوم، وفي همسات طالعة منهم كلها عتاب وصدمة. الجو اتخنق أكتر.
علا ماقدرتش تتحمّل. سحبت نفسها من النص، ومشيت تجرّ رجليها لحد أوضتها. كل كلمة من اللي قالتها أمها كانت بترن في ودنها
"سلمى خلاص مشيت… كان لازم ندافع عنها…"
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها. وقعت على الأرض تبكي. دموعها بتغرق البلاط. كل ثانية كانت بتلوم نفسها أكتر
"أنا سبتها… أنا مااهتمتش بيها… لو كنت ادّيت لها دقيقة من وقتي ماكنش ده حصل…"
بدأت تخبط راسها في الأرضية وهي تبكي بحرقة
"ماكنتش ماتت… ماكنتش رمت نفسها من فوق المدرسة… ماكنتش راحت تدور على حب من واحد حقير لعب بيها ورماها… ماكنتش اتعرضت للتنمّر… ماكنتش اتكسرت بالطريقة دي…"
كل كلمة بتقولها كانت زي سهم بيرجع عليها.
صوت بكاها وصوت القرآن اللي لسه شغال برّا اتداخلوا مع بعض.
وهي قاعدة على الأرض، دموعها مش بتقف، ندَمها كان بيغلي جواها زي نار.
حسّت إن قلبها اتكسّر لدرجة إنها مش قادرة تتنفس.
بعد دقايق ...
عُلا قامت من مكانها فجأة، قلبها كان بيخبط في صدرها ومش قادرة تقعد ساكتة. بدأت تدور في الخزانة يمكن تلاقي حاجة تخص سلمى، حاجة تضمها ليها وتخفف عنها وجع الفقد.
الغرفة كانت مشتركة بينهم هما التلاتة أخوات، وكل واحدة ليها ركنها. خزانة سلمى كانت موجودة في نفس الأوضة، محدش قرب لها من يوم الحادث. أسبوع كامل والباب مقفول كأنه بيحافظ على سر.
مدت إيدها وفتحت الخزانة، وكانت متوقعة المشهد: بعثرة وفوضى. ابتسمت ابتسامة مليانة ألم والدموع نازلة من عينيها من غير توقف. "دي سلمى... عمرها ما عرفت ترتب حاجة"، همست وهي تسحب أول قطعة وقعت تحت إيديها.
كانت سترة جينز لونها أزرق، سلمى كانت بتحبها أوي. فاكرة اليوم اللي شافتها فيه في محل وقالت بإصرار: "لازم أجيبها". ومن يومها ماكانتش بتقلعها.
عُلا ضمت السترة لصدرها كأنها بتحاول تلاقي أمانها فيها. بس أول ما شدت السترة، حاجات وقعت من الجيب.
انحنت بسرعة تشوف إيه اللي وقع. لقت صور... صور كتير.
إيدها رجفت وهي تلمّهم من الأرض.
كانت صور قديمة جدًا، عُلا عارفاها كويس. صور ليهم في البيت زمان، صور كانت محفوظة على التابلت القديم بتاعها اللي افتكرت إنه باظ. استغربت جدًا: "إزاي سلمى جابتها؟".
وبين الصور، كانت في صورة جديدة. صورة لسلمى لوحدها. عُلا ماعرفتش المناسبة ولا فين اتصورت، لكنها مسكتها كأنها بتمسك جزء من روح أختها. دموعها غطت الصورة وهي تهمس
"كنتي قمر يا سلمى... والله قمر".
بس فجأة، لاحظت حاجة.
ورا كل صورة كان مكتوب كلمة. عُلا قعدت ترتبهم جنب بعض على السرير، ومع كل صورة الكلمة بقت أوضح. لما جمعتهم، لقت جملة كاملة:
(ماكنوش عندي فلوس، فقلت أعمل الصور دي لعيد ميلادك يا لولو).
وقلبها وقع لما قلبت الصورة الجديدة لقت مكتوب وراها:
(عيد ميلاد سعيد مني).
"لولو"... الاسم اللي كانت سلمى بتدلّع بيه عُلا. والعيد ميلاد؟ بعد 3 أيام بس.
عُلا فضلت تبكي بحر
قة. عقلها مش قادر يستوعب.
"إزاي يا سلمى؟ إزاي كنتي بتجهزيلي هدية عيد ميلادي وفي نفس الوقت بتفكري تمشي وتسيبينا؟ إزاي قلبك كان مليان بالحب ده... وفي نفس اللحظة كنتي عايزة تكسري قلوبنا؟".
اتكومت على السرير، فرشت الصور حواليها كأنها بتحاول تعيش وسط الذكريات، وحضنت سترة الجينز بقوة. كانت بتشم ريحة أختها لآخر نفس.