الفصل 9
المدينة كلها كانت تترقب تلك الليلة، كأنها مناسبة وطنية لا مجرد زفاف. كل وسائل الإعلام تتحدث عنه، الصحف كتبت قبل ايام:
"زفاف العام… الرجل الغامض الذي لا يُهزم أخيرًا يقع في الحب."
و في تلك الليلة، تزيّنت السماء بالأضواء، و أُغلقت الشوارع المحيطة بالفندق الفخم الذي احتضن الحدث.
من الخارج، بدا المكان كقصر أسطوري، تتلألأ واجهاته بالذهب و المرايا، و حول المدخل اصطفت سيارات فاخرة يقودها سائقون يرتدون بزّات سوداء. عند البوابة الرئيسية، استقبل الضيوف رجال أمن بملابس رسمية و أجهزة اتصال في آذانهم. كان الحضور من الطبقة العليا فقط رجال أعمال، سياسيون، مشاهير، سيدات مجتمع بفساتين فاخرة، و عدسات الصحافة تومض بلا توقف. أصوات الكاميرات تمتزج مع نغمات موسيقى كلاسيكية هادئة تعزفها فرقة حية في زاوية القاعة. القاعة نفسها كانت تحفة فنية، سقفها العالي مزين بثريات كريستالية ضخمة تنثر ألوان الضوء، و الجدران مغطاة بالمرايا تعكس لمعان الذهب و الورود البيضاء. في المنتصف، ممر طويل من الرخام اللامع يفترشه سجّاد أبيض مزين ببتلات الورد، ينتهي بمنصة مرتفعة عليها عرشين ملكيين، أحدهما خُصص لجهاد و الآخر لريم. رائحة الورد الفاخر تعبق بالمكان، و المشروبات تُقدَّم بخدمة راقية، كل شيء محسوب حتى آخر تفصيل. الهدوء يسيطر على الحضور… الكل ينتظر دخول العروس. و فجأة، انطفأت الأضواء جزئياً، و بدأت مقطوعة موسيقية أوبرالية ترتفع تدريجياً.
فتحت الأبواب ببطء، و ظهرت ريم. كانت تمشي بخطوات ناعمة لكن واثقة، كأنها ملكة خرجت من لوحة فنية.
فستانها الأبيض من تصميم خاص، ضيق من الأعلى لينسدل بعدها بحرية فخمة من الأسفل، مطرز بخيوط فضية ناعمة تلمع مع كل خطوة. الطرحة تنساب خلفها بطول امتد حتى نهاية الممر، و التاج الماسي فوق رأسها يعكس بريق الثريات. وجهها هادئ، ملامحها تجمع بين الخوف و الهيبة، و بين عينيها يلمع بريق أنثى انتصرت بعد صبر طويل. الهمسات بدأت بين الضيوف:
"إنها جميلة جدًا…"
"تستحق أن تكون زوجة للسيد جهاد …"
"كأنها أميرة حقيقية!"
الموسيقى تغيّرت تدريجياً لمقطوعة أكثر دفئًا، و مع كل خطوة تخطوها ريم، كان قلبها يخفق بقوة. عيناها ثابتتان نحو المنصة حيث يقف جهاد… الرجل الذي غيّر حياتها كلها. جهاد، ببذلته السوداء المصممة خصيصاً من حرير إيطالي، بدا كأنه خرج من زمن آخر. قامته الطويلة، نظراته الثابتة، و طريقته في الوقوف جعلت الجميع يهمس بإعجاب و خوف في آن واحد. كان في صمته سطوة، و في حضوره قوة تفرض الاحترام. حين رآها تدخل، لم يتحرك، لكن عينيه تابعتها حتى وصلت أمامه، و كأن الزمن توقف بينهما. مدّ يده بثقة و قال بصوت خافت يسمعه فقط من كان قريبًا:
"أخيرًا… اصبحتي ملكي، أمام الجميع."
ريم، رغم ارتجاف أناملها، وضعت يدها في يده. لحظة التلامس كانت كأنها إعلان رسمي لامتلاكها، فانعكست أضواء القاعة على خاتم الألماس الذي حمله جهاد و وضعه في إصبعها ببطء. في تلك اللحظة، عزفت الفرقة لحنًا قويًا، و تلألأت الإضاءة في كل أرجاء القاعة، و انفجرت أصوات التصفيق من الحضور.
بدأت مراسم الزفاف بخطوات ثابتة، و العالم حولهما يغرق في تفاصيل الفخامة:
الصحافيون يلتقطون الصور، و رجال الأعمال يتهامسون بإعجاب، و سيدات المجتمع يراقبن العروس بفضول و دهشة. كل شيء في تلك الليلة كان مترفاً حتى الحدّ الأقصى من المائدة المزينة بالكريستال، إلى الأعمدة التي تتدلّى منها سلاسل اللؤلؤ والذهب.
و بعد انتهاء المراسم، أُطفئت الأنوار لتبدأ الرقصة الأولى. وقفت ريم وسط القاعة، يحيط بها الضوء الأبيض وحده، ثم اقترب منها جهاد بخطوات بطيئة و مدروسة.
حين جمعهما الإيقاع، بدأ جسدها يتحرك بخفة تامة، تنسجم مع حركته الصارمة والواثقة. كان الرقص بينهما كأنه طقس خفي لا يراه أحد سواهما، مزيج من الهيمنة و الانسجام، من الحذر و الرغبة، من القوة و الضعف في آن واحد. أنامله كانت تلامس يدها بثبات، لا برقة و لا بعنف، و انما بطريقة تحمل كل ما لا يُقال. نظراته ظلت ثابتة على وجهها طوال الرقصة، و كأنه يحفظ كل تفصيل فيه
ارتجافة أهدابها، بريق عينيها، و انكسار شفتيها الخجول.
في كل لحظة كان يقترب أكثر، حتى صار الهواء بينهما مثقلاً بشيء لا يُوصف. أما هي، فكانت تغرق بين سحر الموسيقى و خوفها منه، و تلك الطمأنينة الغريبة التي ترافق حضوره مهما اشتد.
حين انتهت الموسيقى، عمّ الصمت للحظة قصيرة، تبعها تصفيق مدوٍ من الحضور. الأضواء عادت تتراقص من جديد، لكن كل شيء في تلك القاعة كان قد تغيّر.
لم يعد الزفاف مجرّد احتفال، بل إعلان عن بداية عهد جديد… عهد لا تشاركه فيه إلا امرأة واحدة أصبحت مِلكاً لرجل لا يعرف الهزيمة.
اختتم الحفل بمشهد ملكي مهيب انهمرت الورود البيضاء من السقف كأمطار من الضوء، و تلألأت الكاميرات لتوثّق اللحظة التي سيذكرها الجميع طويلاً. غادر الحضور على أنغام موسيقى ناعمة
وفي تلك اللحظة الأخيرة، قبل أن تنطفئ الأضواء، انحنت ريم بخفة لتلتقط ذيل فستانها، و التفتت نحوه بنظرة قصيرة كأنها وعد، فيما وقف هو بجانبها بثبات، عينيه تتبعانها و كأنها بداية عالم جديد صنعه بيده،
ليُغلق بذلك فصل الألم، و يبدأ فصل الملك… حيث أصبحت هي، حقاً، ملكه أمام العالم.
كان الليل ساكنًا على نحو غريب، كأن المدينة كلها انحنت أمام هيبتهما. الطريق إلى القصر كان مضاءً بفوانيس ذهبية تتراقص أضواؤها على زجاج السيارة الفاخرة التي أقلّتهما. ريم كانت تجلس إلى جواره بصمت، يديها على حجرها، و وجهها خجول كأنها تخشى النظر إليه. صوت أنفاسها الخافتة يمتزج برائحة الورد التي لا تزال عالقة بثوبها، بينما كان جهاد ينظر عبر الزجاج بصمت، وجهه ثابت لكن عينيه تلمعان ببريقٍ مختلف، كأنه يعيش لحظة طال انتظارها. و حين توقفت السيارة أمام البوابة الكبيرة، نزل أولًا، ثم التفت نحوها و مد يده بثبات، فوضعت يدها بيده دون تردّد.
كان القصر مهيبًا، مضاءً بأنوار دافئة تنعكس على الرخام الأبيض، و الهدوء يلف المكان كما لو أنه ينتظر حضورهما ليبدأ بالحياة. حين دخلت، لم تفهم كيف وجد نفسها بين ذراعيه حاملها بخفة، دون كلمة واحدة. كل ما أحست به هو دفء غريب اجتاحها، و ارتباك جعل قلبها يضطرب بشدّة. كانت تنظر إليه بخجلٍ لا تستطيع إخفاءه، بينما خطواته الثابتة تصعد بها درجات السلم حتى وصلا إلى جناحهما. فتح الباب ببطء، و دخل الغرفة التي بدت و كأنها عالم آخر الإضاءة ناعمة، الستائر منسابة بلون العاج، و الورود البيضاء تملأ المكان بعبقها الهادئ. أنزلها على الأرض بهدوء، و ظلّ واقفًا أمامها للحظة طويلة. نظرت إليه دون خوف، للمرة الأولى منذ عرفته، لم تشعر بتلك الرهبة التي كانت تلازمها كلما اقترب منها. كان وجهه أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، و صوته الداخلي أخيرًا سكن، كأنه وجد ما كان يبحث عنه.
تلك اللحظة كانت مختلفة لم تكن مجرد بداية حياة جديدة، بل تحوّل عميق في داخلهما معًا. هي لم تعد تلك الفتاة الخائفة، و هو لم يعد الرجل البارد الذي يخفي مشاعره خلف الصمت. وقف أمامها كمن يعلن شيئًا طال كتمانه، و بدت ملامحه أكثر صدقًا من أي وقت مضى. في عينيه اعتراف واضح لا يحتاج إلى كلمات، و في نظراته وعدٌ خافت بالانتظار. كانت نظراته تقول كل شيء أنه يحبها، أنه لا يريد منها سوى الوقت، و أنه مستعد لأن يمنحها المساحة لتعرف قلبه كما عرفها هو. لم يقل شيئًا، و لم ترد هي بشيء، لكن الصمت بينهما كان كافيًا ليعلن بداية قصة جديدة لا تشبه ما مضى. تلك الليلة لم تكن نهاية الزفاف، بل بدايته الحقيقية… بداية عهد من الطمأنينة و الصدق، بعد سنواتٍ من الخوف و الوجع،
حيث وجد كلٌّ منهما الآخر، أخيرًا، بسلام.
انتهت الحكاية أخيرًا، لكنّ نهايتها لم تكن مجرّد سطرٍ يُغلق، بل ولادة لحياةٍ جديدة.
ريم، تلك الفتاة التي ذاقت مرّ الخوف و الظلم، وجدت نفسها أخيرًا تعيش في سلامٍ لم تحلم به يومًا. بعيدة عن وجع الماضي و عن قسوة الأب الذي باعها، و عن رجل لم يعرف من الحب سوى اسمه. اليوم تعيش في كنف رجلٍ أحبّها حقًا، رجلٍ جعل من وجودها وطنًا. أمها إلى جانبها، و البيت عامرٌ بالدفء و الطمأنينة، ضحكتها تعود ببطء إلى وجهها، و صوتها صار ناعمًا من جديد. اما هو، جهاد، فقد تغيّر تمامًا. لم يعد ذاك الرجل القاسي الذي يخفي خلف بروده غليانًا من الألم و الغضب. حين دخلت ريم حياته، شيء بداخله هدأ. تلك الفوضى التي كانت تسكنه انطفأت شيئًا فشيئًا، صار أكثر هدوءًا، أكثر إنسانية، أقل عصبية، و أبعد ما يكون عن قسوة الأيام التي ربّته على الجدية و العنف. لم يعد يرمي كلماته الجارحة كما كان يفعل، حتى أياد، توأمه، بات يراه بنظرةٍ مختلفة.. أخ لا خصم. و بفضلها، انكسرت الحواجز بينهما، و صارت علاقتهما أكثر دفئًا و قربًا. نسي جهاد خالته و ما فعلته، كأنه قرر أن يترك ماضيه في مقبرة النسيان. لم يعد يبحث عن الانتقام، و لم يعد يحاول إقناع أحدٍ بذنوبٍ مضت،
فالحب الذي دخل قلبه كان كافيًا ليمحو كل ما قبله. علاقته مع عمه و العائلة تحسّنت، صار يقضي وقته بينهم و بين ريم، لا بين الملفات و الأسلحة و الصفقات. عرف طعم الحياة الهادئة، تلك التي لا تُقاس بالمال و لا بالسلطة، بل بحضور شخصٍ واحد يغيّر كل شيء. هي أصبحت سكينته، و هو أصبح أمانها. لم يعودا بحاجة إلى كثيرٍ من الكلام، فالنظرات بينهما باتت تكفي. و منذ أن دخلت حياته، لم يعد يريد شيئًا بعد. كانت النهاية كما تمنّت هي دائمًا.. بيت يعجّ بالحب... و أمٌ سعيدة بسلام ابنتها، و رجلٌ لم يعرف للحياة معنى… إلا حين عرفها.
وهكذا…
انتهت رواية "أنتي ملكي"
بعد رحلة من الألم و الضياع، وُلد حبٌّ لا يشبه سواه.
و أخيرًا، أصبحت ملكَه كما أراد،
و أصبح ملكَها كما لم تتخيل يومًا أن يُصبح أحد.
سلامها كان بين يديه، و طمأنينته كانت في عينيها،
فانطفأت الحروب في قلبيهما،
و بدآ معًا فصلًا جديدًا عنوانه الحب الابدي...