أَنْتِ مِلْكِي - الفصل 8 - بقلم ســوريــــا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أَنْتِ مِلْكِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 8

الفصل 8

استيقظت ريم ببطء، فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة لم تألفها من قبل. رفعت رأسها عن الوسادة، ما إن استوعبت أنها ليست في غرفتها حتى نهضت بسرعة، قلبها يخفق كطبول الحرب. جلست على حافة السرير لوهلة، عيناها تجولان في المكان بدهشة. كان الأثاث فخمًا، يطغى عليه اللون الغامق، و الستائر الثقيلة تسدل ظلالًا هادئة على الغرفة. رائحة ذكورية قوية انبعثت من الأرجاء، رائحة عطره التي صارت مألوفة لها، لكنها هنا بدت أعمق، أصدق، و كأنها روح المكان. تحركت بخطوات مترددة، أطراف أصابعها لامست سطح الطاولة الخشبية المصقولة، ثم مرّت على خزانة أنيقة تتدلى من يدها ربطة عنق سوداء، تركها كما لو كان على عجل. ارتبكت أكثر، شعور غريب اجتاحها، إحساس لم تعهده من قبل، كأنها تسير وسط عالم يخصه وحده. و فجأة توقفت عيناها عند الحائط المقابل. تقدمت ببطء حتى وصلت إلى صورة مؤطرة: جهاد واقف إلى جانب فتاة صغيرة، ملامحه جامدة لكن عينيه فيهما دفء نادر. حدقت مطولًا، ثم شهقت بصوت خافت و همست لنفسها: "هذه… غرفته؟!" تراجعت خطوة إلى الوراء، كأنها اكتشفت سرًا لم يكن عليها معرفته. وضعت يدها على فمها تخفي ارتجاف شفتيها، فيما قلبها يزداد خفقانًا. كيف انتهى بها المطاف على سريره، وسط عالمه الخاص؟ ما إن حدّقت بالصورة حتى ارتسمت أمام عينيها ملامح الأمس. تذكّرت كيف غفت على صدره في الحديقة بعدما أحضر والدتها من منزلهم. تذكرت دفء حضنه، لمسته التي لم تتحرّك عنها طوال الليل، و كأن الزمن توقّف هناك. إحساس غريب اجتاحها، خليط من راحة لم تعشها من قبل و خجل يحرق وجنتيها الآن. وضعت يدها على قلبها تستشعر نبضاته المتسارعة، همست لنفسها بارتباك: "كيف… سمحت لنفسي أن أنام في حضنه؟! كيف حدث هذا؟" بخطوات مضطربة تحركت نحو الباب، و كأن جدران الغرفة تضيق عليها. فتحت الباب بسرعة، خرجت إلى الممر، تنفّسها متلاحق، تحاول أن تبدو هادئة لكنها كانت تهرب من أثر حضوره في كل زاوية. سارت بخطوات شبه راكضة نحو غرفتها، و حين دخلتها أغلقت الباب خلفها بسرعة، و أسندت ظهرها إليه. أغمضت عينيها، تتنفس بعمق، تشعر أن قلبها يكاد يفضحها لو رآها أحد. في تلك اللحظة، في مكان آخر… كان جهاد يجلس في مكتبه بالشركة. أمامه أوراق كثيرة مبعثرة، لكن تركيزه لم يكن عليها. على شاشة الحاسوب أمامه بث مباشر من كاميرات منزله. رآها و هي تخرج من غرفته بخطوات مسرعة، رآها كيف توترت و وضعت يدها على صدرها، رآها و هي تدخل غرفتها و تغلق الباب بارتباك. ابتسم ابتسامة صغيرة، بالكاد تظهر، لكنها حملت الكثير. تمتم في نفسه بنبرة هادئة: "جميل أن تراوغيني… لكنني أرى كل شيء." ثم أعاد نظره إلى الأوراق، و كأنه لم يكن يراقبها قبل لحظة، لكن ابتسامته بقيت معلقة على شفتيه. عاد جهاد في المساء، السيارة الفاخرة توقفت أمام القصر، و بمجرّد أن فتح الباب نزل بخطوات ثابتة، محاطًا بالحراس الذين سارعوا لتأمين المكان. وقف للحظة أمامهم، صوته جهوري و حازم حين قال: "أريد أحدكم أن يتجه فورًا إلى المطار… أحضروا إياد." انطلق فريق الحراس على الفور، بينما ظل جهاد واقفًا، عيناه تنظران إلى البوابة المظلمة كأنها تفتح له بابًا نحو ماضي ثقيل. إياد عائد… هذه الكلمة لم تفارقه طوال الطريق من الشركة حتى القصر. تقلّبت الصور في ذهنه: ذلك الفتى الذي نشأ بعيدًا عنه، عند خالته. تلك المرأة التي كان يصفها دائمًا بالأفعى، بسمّها البارد و كلماتها المسمومة التي علّمت إياد أن يشبهها في الخبث أكثر مما يشبه عائلته الحقيقية. شدّ يده في جيبه و ضغط أصابعه بقوة، كأن مجرّد ذكرها يثير فيه الغضب الذي لم يخمد يومًا. و مع ذلك، ظلّ هناك جانب صغير، لم يكن ينكره… إياد كان لطيفًا مع ميلا، لم يخذلها يومًا، كان دائمًا يحميها بطريقته، يحبها بصدق، و هذا ما جعل جهاد رغم صراعاته معه، لا يقطع خيط الدم الرفيع الذي يجمعهما. توجه بخطوات بطيئة نحو القصر، كل زاوية من المكان تعكس هيبته. فتح الباب الكبير و دخل، صمت القصر كان يلفّه باستثناء صدى خطواته الذي يتردد بين الجدران العالية. عيناه حملتا قلقًا لم يظهر على ملامحه الباردة… إياد عائد، و الخلافات القديمة لن تُمحى بسهولة. دخل جهاد غرفته بخطوات متثاقلة، عيناه جالتا في أرجائها، تفاصيلها البسيطة تذكّره بوجودها فيها بالأمس، ثم رحيلها على عجل. شعر بفراغ غريب يخيّم على المكان، فتنهد و هو يمرر يده على الطاولة الصغيرة قرب السرير، قبل أن يستدير و يغادر متجهاً نحو غرفتها. لم يتوقف عند الباب، و لم يكلّف نفسه عناء الطرق، بل دفعه و دخل بثقة. كان المشهد أمامه واضحًا ريم جالسة قرب والدتها رقية، تتحدثان بهدوء. تفاجأت رقية من دخوله المفاجئ، أما ريم فقد وقفت بسرعة و كأن قلبها قفز معها. نظر إليها بعمق، صوته حاد و واضح: "شقيقي قادم… سيحضر زفافنا." تسمرت عيناها عليه، ترددت للحظة ثم سألت بفضول طفولي: "لديك أخ؟" أومأ برأسه بهدوء، غير أنّ عينيه كانتا تتجهان نحو رقية، إشارة صامتة جعلت الأم تفهم أنه يريد الحديث على انفراد. اعتذرت بهمس و غادرت، تاركة الغرفة لابنتها و حارسها الغامض. اقترب بخطوات واثقة، جلس على الكرسي بارتخاء و كأن المكان ملكه، بينما بقيت هي واقفة متوترة أمامه. رفع نظره إليها، نبرته خافتة لكنها محملة برغبة واضحة: "أشتهي الاقتراب منك… لكنني أرغم نفسي على الصبر… أريد أن أستمتع بحماس الغد." ارتبكت، و خرج صوتها متلعثمًا: "ألم تقل إن الزواج سيكون اليوم؟" ابتسم بسخرية باهتة، عيناه تتحديانها: "لما الاستعجال؟ يمكننا فعلها الآن… إن لم تقدري على التماسك." احمرّ وجهها من جرأة كلماته، انخفض بصرها خجلًا، و لم تجد ما تجيبه، فقررت أن تغيّر مجرى الحديث: "لم أكن أعلم أن لديك شقيقا." قال ببساطة: "و الآن أصبحتي تعلمين." سألته: "و من الأكبر بينكما؟" أجاب بلا تردد: "نحن توأم." دهشت، و حدّقت به: "هل يشبهك؟" هز رأسه: "لا… هو يشبه أمي، و أنا أشبه أبي. سترين الفرق بنفسك عندما يأتي." ابتسمت بدهشة أكبر: "فرق شاسع إذًا؟" قال و هو يراقب رد فعلها: "هو أشقر بعيون زرقاء، و أنا أسمر بعيون خضراء." همست بانبهار: "غريب… و هل شخصياتكما مختلفة أيضًا أم أن بينكما تفاهم؟" ضحك قصيرا دون مرح: "هو أبله. عاش عند خالتي طوال حياته… تلك المرأة علمته أن يحقد على عائلتنا بلا سبب. أقنعته أن أبي مات بسبب طمع عمي في الميراث، و منذ ذلك الحين انقطع عن زيارتنا. و مع ذلك… ظلّ محبا لميلا." اقتربت ريم و جلست بالقرب منه نظرت إليه ريم باستغراب: "و لما فعلت خالتك ذلك؟" أسند ذراعه على الكرسي و أجاب ببطء: "قصة قديمة… خالتي أحبت والدي في شبابه، لكنه اختار أمي، لأنها الأهدأ، الأكثر رقيا، عكس خالتي المتسلطة وصاحبة الصوت العالي. زواجه من أمي كان كطعنة لها، فدبّرت حادثًا للتخلص منها، لكن أبي كان معها في تلك اللحظة، و رحلا سويًا. لم تستطع بعدها أن تتعايش مع فكرة أنها قتلت الرجل الذي أحبته." شهقت ريم: "و هل يعرف شقيقك أنها هي من تسببت بمقتل والديكما؟" أجاب ببرود: "كيف له أن يعرف و هو يعيش في كنفها منذ الطفولة؟ لقد غسلت دماغه بالكراهية نحونا… لكنه لم يستطع أن يكره ميلا." همست بقلق: "و هل يكرهك؟" أومأ بثقل: "نعم… علمته أن يكرهني، لأنها هي ذاتها تكرهني. منذ طفولتنا و نحن خصمان، حتى في المدرسة. كل الأشقاء كانوا يحمون بعضهم، إلا أنا و هو… كنا الاستثناء الوحيد." صمتت لوهلة ثم تمتمت: "و لما تكرهك هي بالذات؟" ظل صامتًا للحظة، ثم قال ببرود يخفي مرارة: "لأنني أشبه والدي. أرادت حضانتي بعد موتهما، لكنها لم تستطع أخذي لاني رفضت… فاختارت إياد بدلًا عني." رفعت حاجبيها بتساؤل: "و لما لم ترغب أنت بالذهاب معها؟" لاحظ جهاد في عينيها إصرارًا على معرفة كل شيء، و رغم أنه لم يكن معتادًا على هذا النوع من الأسئلة، شعر للمرة الأولى أن فضولها يريحه. أجاب بصدق مقتضب: "كنت أكرهها و حسب… الأطفال يعرفون غريزتهم… و أنا شعرت أنها شخص سيء، فرفضتها." صمتت تراقبه بعينيها الواسعتين، تحاول فهم كل ما يدور في داخله. كانت كلماتها مترددة حين سألت: "لما هو قادم؟" أجاب جهاد ببرود ثابت: "أعلنتُ خبر زفافنا... و بالتأكيد خالتي هي من أرسلته." نظرت إليه بتردد أكبر، ثم قالت بخفوت كأنها تخشى ردة فعله: "لا أقصد أن أغضبك، لكن... أعلم أنك قادر على إيذاء الجميع، لما لم تفعل لها شيئًا رغم أنك تعرف أنها تسببت بموت والديك؟" تنهد جهاد بعمق، و أسند ذراعه على مسند الكرسي و كأن الذكرى ثقيلة على صدره، ثم قال بهدوء قاتل: "لا أريد إعادة إشعال العداوة بيني و بين إياد." رفعت ريم حاجبيها بدهشة: "هل يمكن أن يحدث بينكما شيء إن آذيتها؟" أجاب بصدق، و عيناه تخفت فيهما نبرة حزن دفين: "ممكن... هو يحبها و كأنها أمه. ثم إننا نحاول منذ زمن إصلاح علاقتنا. العداوة لم تنتهي لكنها هدأت." ترددت قليلًا، ثم تمتمت بشيء أكبر من فضولها: "لما لا تخبره بحقيقتها؟" ابتسم بسخرية باردة، و أجاب: "لا يهمني إن علم أو لا... و هذا أساسًا ليس الموضوع الذي أتيت من أجله." ارتبكت ريم أكثر، رفعت رأسها نحوه بنظرة اهتمام كامل، ليضيف بصوته العميق: "كيف تريدين فستان زفافك؟" تسمرت مكانها، لم تتوقع أن يسألها عن أمر كهذا. ارتجفت ملامحها بين الدهشة و الفرح، لأول مرة في حياتها يسألها أحد عن شيء تحبه. بزواجها الأول لم يكن لها فستان أصلاً، و لم يخطر ببالها أن يحظى هذا اليوم بملامح الحلم. لاحظ جهاد صمتها الطويل فقال بجدية أكبر: "أخبريني عن مواصفاته و أنا أحضره." رفعت عينيها نحوه بخجل، و قالت هامسة: "أيا كان..." قطّب حاجبيه قليلًا و هو يرفض الإجابة: "لن أحضر أيًّا كان... أريد أن أحضر ما تريدين. هذا آخر زواج لكي، لن تحتفلي بواحد بعده." احمرّت وجنتاها من عبارته الأخيرة، و نطقت بهدوء: "كنت أحب فساتين الزفاف الطويلة من الخلف... و عارية الكتفين." قاطعها بصرامة صوته التي لم تسمح بالجدال: "لن ترتدي فستانًا عاريًا من أي ناحية... اختاري شيئًا آخر." خفضت عينيها بخجل، و قالت بهمس: "لا يهم... المهم أن يكون طويلًا من الخلف." سألها جهاد باهتمام: "هل تحبينه سادة... أم يلمع؟" رفعت رأسها بسرعة، و عينيها تتلألآن ببريق حماس لم يره عليها من قبل، و قالت: "يلمع!!!" أومأ بابتسامة جانبية خفيفة، يراقب حماسها النادر و كأن شيئًا ما في صدره ارتاح للحظة. وصلت سيارة فاخرة إلى البوابة الرئيسية للقصر، توقفت ببطء ثم ترجل منها شاب في أواخر العشرينيات. كان طويل القامة، ملامحه هادئة لكنها تحمل شيئًا من الحدة الموروثة، عيناه الزرقاوان تعكسان برودًا مختلفًا عن ذلك الذي اعتاده الجميع من جهاد. لقد كان إياد، التوأم الغائب، العائد بعد سنوات طويلة قضاها بعيدًا. وقف لبرهة يتأمل الواجهة المهيبة للقصر، أحس بخلطة مشاعر غريبة نفور قديم، و فضول لم يستطع كبحه. لم يكد يخطو نحو الداخل حتى توقفت سيارة أخرى خلفه. فُتح الباب بسرعة لترجلت ميلا بثوب أنيق و بخطوات متسارعة، و ما إن وقعت عيناها على أخيها حتى تجمدت لحظة قبل أن تنفجر دموعها و تندفع نحوه تركض. ارتمت بين ذراعيه بعفوية و هي تقول بصوت متقطع، تختنقه العبرة: "اشتقت إليك كثيرًا يا إياد… لم أتوقف يومًا عن انتظار هذه اللحظة" ظل واقفًا جامدًا، مدهوشًا من حرارة استقبالها. لكن شيئًا في داخله انكسر، فاستسلم للعناق و وضع يده على ظهرها، ثم همس بصوت عميق متأثر: "و أنا… و أنا اشتقت إليك يا ميلا، أكثر مما تتصورين" ابتسمت بين دموعها و هي تشد على كتفه، ثم ابتعدت قليلًا لتتأمله بعينين تلمعان: "لم تتغير كثيرًا… ما زلت أخي الذي أعرفه" ضحك بخفة، نبرة مريرة رافقت صوته: "بل تغيّرت يا ميلا… وحدكِ من بقيتي كما أنتي" كان زوجها زيد قد ترجل من السيارة أيضًا، وقف صامتًا يراقب من بعيد. مد يده لاحقًا إلى إياد بتحية ودودة قائلاً: "أهلًا بك… القصر يزداد دفئًا بعودتك" صافحه إياد باقتضاب، لكن عينيه ظلتا معلقتين على القصر. في تلك اللحظة، فُتح الباب الكبير، و انسلت هيبة مألوفة من الداخل. خطوات ثابتة، و نظرات باردة تقطر ثباتًا. لقد كان جهاد، يقف بملامحه الصارمة، يراقب المشهد دون أن يتكلم. ارتبك الجو في لحظة، كأن الصمت صار أثقل من أي كلمة. نظرات متبادلة بين التوأمين عينا خضراوان تراقبان بترقب، و أخريان زرقاوان تعكسان خليطًا من الغضب المكبوت و الحذر. اقترب إياد بخطوات ثابتة حتى وقف أمام جهاد مباشرة، كان التوتر يملأ الفراغ بينهما كأنه جدار خفي. نظر في عينيه الحادتين و قال بنبرة باردة تحمل شيئًا من السخرية: "تعرف أني لم آتي بسبب اشتياقي لعينيك الخضراوين." رفع جهاد رأسه قليلًا، و ابتسم ابتسامة لا تخلو من قسوة وهو يجيبه: "و أنا لا أستقبلك بسبب زرقاويك، لولا ميلا لما كنت لأتمنى رؤيتك أصلًا." اندفعت ميلا بينهما بخوف و هي تقول بصوت متوتر: "يكفي… إنها أول دقائق لقاءكما، و أنتم تتشاجرون بالفعل!" شدّت على ذراع زيد لتدفعه ليدخل معها، فتبعها الاثنان، ثم لحق بهما جهاد و إياد بخطوات متباعدة. ما إن اجتاز إياد العتبة حتى أخذ يطوف بنظره على أرجاء القصر، عيناه تلتقطان تفاصيل المكان، تغيّر الأثاث و الديكور الذي لم يكن كما تركه قبل سنوات. رفع حاجبيه باستهزاء و قال: "غيرت أثاث المنزل إذن… هل هذه رغبة عروستك؟" ثم التفت برقبته فجأة، و صوته يقطر فضولًا مغلفًا بالسخرية: "صحيح… أين هي؟" نزلت ريم الدرج بخطوات مترددة، ثوبها الأبيض الخفيف يتمايل مع كل خطوة، و عيناها متوجهتان نحو الجمع في الصالة. ما إن أبصرت ميلا حتى اتسعت ابتسامتها و هرولت نحوها لتعانقها بحرارة. ردّت ريم العناق بمثل حنانها، ثم جذبتها لتجلس بجوارها. غير أنّ ريم ما كادت تتحرك لتجلس إلى جانب جهاد حتى أوقفها صوت رجولي جاء من الجهة المقابلة، صوت متهكم يحمل في نبراته مزيجًا من الدهشة والجرأة: "إذن… أنتي عروس أخي." توقفت ريم في مكانها، توترت ملامحها، رفعت نظرها ببطء لتقع عيناها على شاب بملامح قريبة من جهاد لكن أقل حدة، عيناه زرقاوان تلمعان بدهاء. ابتسم إياد بخفة ساخرة، ثم التفت نحو جهاد وجلس أمامهم متكئًا إلى ظهر الكرسي. قال بنبرة متحدية: "أخبرني يا جهاد… منذ متى لديك قلب يحب؟ كنت أظنك لا تحب أحدًا سوى نفسك. لا تفهمني خطأ، لكنك لا تختلط بالنساء… بل حتى تستحقرهن." ارتسمت على وجه جهاد ابتسامة هادئة، و هو يرد بنبرة ثابتة: "معلوماتك عني خاطئة يا أخي العزيز." كاد إياد أن يتابع هجومه بالكلام، لكن ميلا قاطعته بسرعة، محاولة إخماد الشرر المتطاير بينهما: "كيف حال خالتي كاثرين يا إياد؟" لم يترك جهاد الفرصة تمر، بل قال ببرود ساخر: "من الواضح أنها بأفضل أحوالها… لولا ذلك لما عرفت بزواجي وأرسلت جاسوسها إلينا." فهم إياد المقصود فورًا، و ضحك بخفة ساخرة: "إلى هذا الحد يزعجك أنها أخذتني بدلًا عنك؟" ارتفع حاجب جهاد، و ابتسم بسخرية أشد: "هل تظنني كنت أتمنى أن أتربى على يد امرأة؟ امرأة مجرمة أيضًا؟" تصلبت ملامح إياد، ورد بسرعة: "مجرمة! تتحدث عن الإجرام و كأنه ليس روتينك اليومي." ابتسم جهاد ابتسامة باهتة، و قال بصوت هادئ كمن يضع الحقيقة على الطاولة: "هذه جينات العائلة… أم نسيت؟" ضحك إياد ساخرًا، و هز رأسه: "ما زلت تظن أنها من تخلصت من والدينا؟ لم تفهم إلى الآن أنه عمك من فعل ذلك." شخصت عينا جهاد في عينيه بحدة، و قال: "و أين دليلك؟ أم أنك تصدق كل ما تقوله لك سيدتك من دون نقاش؟ هل أنت تابع لها؟ لما لا تشغل عقلك قليلًا لتعرف الحقيقة؟" ابتسم إياد ابتسامة صفراء و قال ببرود: "كنت أراك طوال حياتي تابعًا لعمي، لم أكن أدري أنك تراني بالمثل." أجاب جهاد ساخرًا، و هو يرفع حاجبه ببرود قاتل: "تابع؟ أتراني مثلك بلا رأي أو شخصية؟" شدّ إياد على كفيه، و قال بنبرة متوترة: "ألست أنت من أصبحت مجرمًا لمجرد أن عمك أراد ذلك؟" أجابه جهاد بثقة باردة: "لست نادمًا على ذلك… لكن أخبرني، هل تندم أنت لأنك أصبحت غريبًا بيننا؟" أشاح إياد بوجهه قليلًا و قال بجدية واضحة: "لا أفعل… أفضل العيش عند عائلتي." قهقه جهاد بخفة ساخرة، ثم انحنى قليلًا للأمام و عيناه تلمعان بحدة: "لا أدري… كيف ما زلت تراهم عائلتك بعد أن سجنوك لسنتين في مصحة عقلية؟" قال إياد بحدّة و هو يشيح بوجهه قليلًا: "هذا لا يعنيك إطلاقًا." ردّ جهاد ببرود ساخر، عيناه مثبتتان في عينيه: "لا يهمني في كل الأحوال… لست أنا من أضاع سنتين من حياته محاولًا إثبات أنه ليس مختلًا عقلي." شهقت ميلا و رفعت يدها محاولة إيقاف النزاع: "جهاد توقف أرجوك." لكن جهاد اكتفى بابتسامة ساخرة و هو يجيبها: "لِما؟ أليس هو من بدأ بالسخرية؟" في تلك اللحظة حوّل إياد نظره نحو ريم، عيناه الزرقاوان تتفحصانها ببرود متعمّد. قال بنبرة هادئة لكنها تحمل استفزازًا خفيًا: "قولي لي… ما اسمك؟" أجابت ريم بصوت خافت، مترددة قليلًا: "ريم…" ابتسم ابتسامة جانبية و قال: "ريم… لظا ستتزوجينه؟" ارتبكت، رفعت حاجبيها بدهشة و هي تسأله: "ماذا تقصد؟" أجاب و هو يميل بجسده إلى الأمام، نظرته ثاقبة: "ما الهدف من زواجك بجهاد؟ أعلم جيدًا أنه لا يحب… و بطباعه هذه، بالطبع لن تحبيه أنتي أيضًا." توترت ملامح ريم و سألته: "ما بها طباعه؟" فقال إياد ساخرًا: "طباعه؟ أناني جدًا… سريع الغضب، متحكم. و إن جئنا للحقيقة فهو حقير… بلا أي مشاعر حب. ليس حنونًا، ليس لطيفًا، ليس صبورًا، و لا متفهمًا أبدًا." رفع جهاد رأسه قليلًا و قال ببرود قاتل: "لا أرى هذه المواصفات فيك أيضًا." ضحك إياد بسخرية و قال: "كلانا نفتقدها… و لكنك تزيد عني فيها." ظلت ريم صامتة لحظات، ثم قالت بصوت خافت لكنه مسموع: "لكن جهاد ليس هكذا…" التفت الجميع إليها بدهشة، فارتبكت، و أخفضت نظرها، ثم أضافت بسرعة كمن يحاول تصحيح الموقف: "حسنًا… ربما… معي فقط." عمّ الصمت لثوانٍ قبل أن تقطع ميلا الموقف بضحكة ناعمة و هي تقول: "بالتأكيد معكِ ألطف." عندها تحركت زاوية فم جهاد بابتسامة خفيفة نادرة، ابتسامة لم يعرفها سوى ريم.