عقداً من الؤلؤ
قبل بزوغ الفجر في شقّة رحمة،
كان فارس قد نام على أحد جانبي الأريكة، بينما استلقت جيهان على الجانب الآخر، أما رحمة فقد تكوّرت على كرسي تلف جسدها بوشاحٍ ثقيل، حتى استسلمت للنوم. لقد أرهقهم السهر بعد ساعات طويلة من مشاهدة الأفلام والنميمة وأكل المقرمشات، فخمدت أصواتهم وغرقوا في صمتٍ تام.
لكن رحمة لم تغرق كليًا في النوم؛ وبينما هي بين الوعي والغفوة، تسرب إلى مسامعها صوت خافت.. همسات تأتي من الخارج. فتحت عينيها ببطء، ونهضت بحذر، تتلمّس الطريق حتى وصلت إلى الباب. وضعت عينها على العين السحرية لترى المشهد: الجار القذر يصعد الدرج، وبجانبه فتاة لم تكن زوجته. عرفت على الفور أنها تلك العاهرة التي كانت تسمع صوته يتحدث إليها في الهاتف من قبل.
ألصقت أذنها بالباب، وسمعته يهمس لها:
- "وطّي صوتك، دي شقة المجنونة اللي قولتلك عليها ممكن تسمعنا."
فأجابته الفتاة هامسة، باستخفاف:
- ".. مجنونة على نفسها."
حاول هو تهدئتها حتى لا يستيقظ أحد، ثم صعدا معًا إلى شقته.
في تلك اللحظة لم تتمالك رحمة نفسها. لم يَعُد يعنيها عيسى الضابط ولا تحذيرات فارس، ولا أي شيء آخر.
عادت إلى غرفتها بخطوات متسارعة، واخذت حقيبتها صغيرة، بعد ان ارتدت ملابس سوداء كاملة، وارتدت قفازين وكمامة لتخفي ملامحها، وأخفت شعرها تحت قبعة سوداء. تحوّلت ملامحها تمامًا إلى ظلٍّ لا يُرى. خرجت من شرفتها، وأخرجت سلمًا طويلًا يصل إلى شرفة الطابق الأعلى. وضعته بحذر وصعدت عليه بخفة ودون أن تُصدر أي صوت. كان هذا أمرًا قد اعتادت عليه من قبل، فتدرّبت كثيرًا على هذه الخطوات المميتة.
وصلت إلى الشرفة العلوية ودخلت منها بهدوء، تنتظر اللحظة المناسبة.
بعد وقت قصير، خرج الجار من الغرفة متوجهًا إلى وسط الصالة، وفي يده سيجارة. كانت عيناه نصف مغلقتين من أثر التعب، لكنه حين فتح باب الشرفة لمح السلم الممتد إلى الأسفل. أحسّ بشيء غريب، واستدار فجأة. لكن رحمة كانت أسرع منه؛ رشت في وجهه مادة مخدرة، فوقع مغشيًا عليه في الحال لم يلحق أن يصرخ او يستنجد بأحد. أسرعت بالدخول قبله، وسحبته بجسده المتهالك حتى وسط الصالة.
ثم تقدمت بخطوات صامتة نحو الغرفة الأخرى. من خلف الباب، سمعت صوت الماء يتدفّق. الفتاة كانت تستحم. انتظرت حتى خرجت، وباغتتها من الخلف بقطعة قماش كانت قد رشّت عليها المخدر مسبقًا، وضغطتها على فمها وأنفها. لم يمض وقت طويل حتى ارتخت أطراف الفتاة، فأغمي عليها تمامًا. سحبتها رحمة بلا رحمة وألقتها فوق السرير .
عادت إلى الصالة وأجلست الشاب على كرسي، وربطت كلتا يديه بحبل متين. ثم أخرجت من حقيبتها قارورة صغيرة، وضعتها أسفل أنفه ليشم شيئًا يوقظه تدريجيًا. ثبتت لاصقًا على فمه، وبدأت ملامحه تتحرك ببطء وهو يستفيق شيئًا فشيئًا. فتح عينيه أخيرًا، ليجدها أمامه مبتسمة، تقول بسخرية:
- "سَبرررايز.. المجنونة بذات نفسها! إيه الأخبار؟"
ارتجف محاولًا الإفلات أو طلب النجدة، لكن لم يخرج منه سوى أصوات مكتومة غير مفهومة. لم يكن بوسعه شيء، فسكّان العمارة غارقون في نوم عميق، لا يستيقظون حتى لو وقعت زلازل.
اقتربت منه رحمة، نظرت إلى عينيه المرتجفتين وقالت ببرودٍ كالصقيع:
- "المخدر اللي شميته هيخليك مش قادر تتنفس، يعني حتى لو فَكّيتك.. مش هتعرف تمشي خطوتين من هنا."
نزلت دموعه بغزارة، تغمر وجهه، لم يكن يتخيل أبدًا أن نهايته ستكون على هذا النحو البشع.
أخرجت رحمة عقدًا من اللؤلؤ كانت تمسكه في يدها، ورفعته أمام عينيه المذعورتين وهي تقول:
- "قريت رواية فرنسية قبل كدا عن عاشق أهدى حبيبته عقد من اللؤلؤ الخالص.. والناس فضلت تتحاكى . لحد ما قصتهم وصلت لمسامع ناس من بلاد تانية.
وفي الآخر خانها!
فهي، عشان تنتقم منه، قتلته بعقد اللؤلؤ. بس بعدين اكتشفوا إنها قتلته بعقد مزيف.. لأنها خافت على العقد الاصلى انه يتلوث او يتخدش.
فأنا هموّتك بنفس الموتة، وبعقد فالصو. إنما الأصلي.. هيروح هدية لمراتك بعد ما تاخد عزاك وتبقى زكرى عن خيانتگ تفضل طول العمر، انما الفلصو دا هتلبسه عشيقتك اللي نايمة جوه عشان تشيل ليلتك."
اتسعت عيناه من الهلع، وظل يحاول أن يترجاها بعينيه. لكن لم يكن بوسعه شيء: يداه مقيدتان، فمه يغلقه اللاصق، والدموع تنهمر منه كالمطر. أما هي، فابتسامتها لم تفارق شفتيها. التفتت ببطء حتى صارت خلفه، ثم وضعت العقد على رقبته. أخذت تشدّه شيئًا فشيئًا حتى ضاق، بينما هو يتلوّى تحت يديها، يصارع آخر أنفاسه حتى انقطعت تمامًا.
وحين تأكدت أنه مات، أرخت يديها تمامًا.
فكت قيده وسحبته إلى الغرفة، حاولت رفعه حتى مددته بجانب عشيقته، وجعلت العقد يلمس أصابعه ليترك بصماته عليه، ثم وضعته في يدها.
صفعتها عدة مرات حتى بدا وجهها وقد احمرّ وكأنه نتيجة شجار، ثم كبست على عنقها حتى كادت أنفاسها تنقطع، ثم تركتها ليظهر أثر الخنق عليها. كان المشهد الآن مكتملًا.
أمسكت بيدها المرهفة وضغطت بها على جسده، لتترك خدوشًا وخطوطًا حمراء وكأنها كانت تدافع عن نفسها وقت خنقه لها. رتّبت كل شيء بدقة، وأحكمت تفاصيل الجريمة بحيث تبدو وكأن العشيقة هي التي قتلته.
قصه "العاشق الخائن"
في قديم الزمان، في فرنسا، حُكي عن فتاة من عائلة مرموقة وقعت في غرام شاب فقير لا يملك من الدنيا سوى قلبه وإصراره. قاوم كثيرًا حتى يظفر بها، لكن والدها اشترط عليه مهرًا لا يُصدَّق: عقدًا من اللؤلؤ الخالص، من نوع نادر لا يوجد إلا في أعماق البحر.
لم يتردد الشاب، بل غاص في البحار شهورًا طويلة يطارد الأصداف، حتى جمع اللآلئ واحدة تلو الأخرى، وصنع منها عقدًا بديعًا قدّم به مهرًا لحبيبته. تمّ الزواج، وصار الناس في القرى والمدن يتحدثون عن قصة حبهما العظيمة، وعن تضحيته التي كادت تكلّفه حياته في سبيلها. ووصلت الحكاية إلى آذان الناس من شتى البلاد.
لكن لم تمضِ سنوات كثيرة حتى تبدّد الحلم، إذ خانها الشاب في عقر دارها، وفي سريرها نفسه. عندها تحوّل الحبّ إلى انتقام، فأمسكت بالعقد الذي كان رمزًا لعشقهما وقتلته به، تاركة جثته شاهدة على خيانته.، لكنهالم تستعمل العقد الأصلي، بل استخدمت عقدًا مزيّفًا خشية أن ينقطع أو تُخدَش حباته، فهي رأت أن اللؤلؤ أثمن من حياته نفسها.
ظل العقد الأصلي محفوظًا، ينتقل عبر الأزمنة والعصور، حتى استقر في متحف يزوره الناس من شتى أنحاء العالم. يقفون أمامه ليتذكروا حكاية ،،العاشق الخائن،، وعقد اللؤلؤ الذي صار شاهدًا على حبّ انتهى بخيانة وقتل...
---
في صباح اليوم التالي، مزّق سكون الشقة صوت صراخ وبكاء وضجيج يتصاعد من الخارج.
قفز فارس من مكانه مذعورًا، وهو يقول بصوت مرتجف:
ــ "إيه صوت الصويط دا؟"
أسرعت جيهان إلى النافذة، وما إن سمعت صافرات الشرطة والإسعاف حتى صاحت:
ــ "الحقوا يا جماعة! في شرطة تحت... في مصيبة حصلت في العمارة!"
تجمدت ملامح رحمة للحظة، ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، لكنها سرعان ما غيّرت تعبير وجهها لتبدو فزعة مثلهم.
انطلق فارس نحو الباب وفتحه، ليجد السلم مكتظًا بالسكان.
سأل سيدة تقف بينهم بصوت متلهف:
ــ "هو في إيه؟ الدنيا مقلوبة ليه كدا؟ وايه صوت الصويط دا كله ليه؟"
أجابته المرأة وهي تضع يدها على فمها:
ــ "الست رشا اللي في الدور اللي فوقيكم... دخلت البيت لقت جوزها مقتول على السرير، ولقت معاه واحدة ست... شكلها كدا هي اللي قتلته!"
شهق فارس مذهولًا:
ــ "يعني تقتله وتقعد مستنيا؟ ما تهربش؟!"
هزت السيدة رأسها بتوتر:
ــ "والله ما عارفة يا ابني..."
وقبل أن تتابع، قطع حديثهم رجال الشرطة وهم يصعدون السلالم، يبعدون الجيران ويدفعونهم بعيدًا.
وفي خضم الزحام، لمح فارس عيسى يصعد بخطوات ثابتة خلف رجال الشرطة.
وقف عيسى بنظرة حادة وقال بصرامة:
ــ "كل واحد على بيته... اللي هلاقيه واقف على السلم هاخده على الحبس."
ارتبك الجميع وركضوا إلى شققهم حتى خلت السلالم إلا من فارس الواقف أمام باب الشقه، وخلفه رحمة التي تلاقت عيناها بعيني عيسى للحظة متوترة.
قال عيسى بلهجة رسمية:
ــ "لو سمحتوا ادخلوا شقتكم... وياريت النهاردة تفضلوا متواجدين، عشان ممكن نحقق معاكم."
أجاب فارس بثبات مصطنع:
ــ "تمام... مفيش مشكلة."
ثم تابع عيسى صعوده للطابق الأعلى.
أغلق فارس الباب وراءه، لكنه ظل واقفًا للحظة يتنهد بألم، ينظر إلى رحمة بعينين تفيض لومًا وعتابًا دون أن ينطق بكلمة، بينما جيهان تراقبهما في صمت.
قطعت جيهان الصمت قائلة:
ــ "إحنا إزاي ما حسناش باللي حصل؟ نمنا مقتولين للدرجة دي؟ الراجل جاب واحدة معاه واتقتل... وإحنا ولا هنا! يا لهوي، دي آخره الرجالة الرمرامة."
تدخلت رحمة بصوت هادئ:
ــ "إحنا سهرنا للمتأخر جدًا... يمكن حصل ده وإحنا غرقانين في النوم."
التفت إليها فارس بنظرة صامتة حادة، وكأنه ابتلع ردًا كان على وشك أن ينفلت.
وفجأة شهقت جيهان وهي تلتقط هاتفها:
ــ "يا نهار أبيض! أمي اتصلت مليون مرة... هتقتلني! لازم أمشي."
قال فارس:
ــ "خلاص انزلي... لو محدش منعك، روحي."
ردت بتوتر:
ــ "وهيمنعوني ليه؟"
أجابتها رحمة بسرعة:
ــ "عشان التحقيقات... مش هيسمحوا لحد يدخل أو يخرج غير بإذن."
ارتبكت جيهان:
ــ "يا نهار أبيض... أعمل إيه دلوقتي؟"
قال فارس:
ــ "روحي كلميها وفهميها اللي حصل."
تنهدت:
ــ "تمام... هروح آخد كلمتين في جنابي... وربنا يستر."
واتجهت إلى الشرفة لتتحدث مع والدتها، بينما جذب فارس رحمة إلى المطبخ بخطوات متوترة.
تبعته رحمة صامتة، كأنها تعرف ما ينتظرها.
قال بصوت مكتوم، يوشك على الانفجار:
ــ "بالله عليكي... ما تكونيش إنتي اللي عملتيها!"
ابتسمت بخفة وقالت:
ــ "عاوز الصراحة؟"
صرخ همسًا:
ــ "أكيد عاوز الصراحة... إنتي اللي قتلتيه؟"
قالت بهدوء قاتل:
ــ "أيوه... عشان خاين."
كتم فارس صوته وهو يرتجف من الغضب:
ــ "إنتي مالك؟! مش عليكي تحاسبيهم يا رحمة... لييييه؟! حرام عليكي... لسه معداش على موت الدكتور أيام! هتفضحي نفسك... مش شايفة عيسى؟ دا هيبقى حبل المشنقة اللي هيتلف حوالين رقبتك!"
رمقته رحمة بنظرة أسى، نادمة على أنها أفشت سرها له.
اقتربت منه دون تفكير، وأحاطته بذراعيها كأنها تريد تهدئة عواصفه الداخلية.
تجمد فارس في مكانه، قلبه يخفق بعنف، حتى بدأ يهدأ تدريجيًا... ذراعاه ما زالتا مرتخيتين، عاجزًا عن أي رد فعل.
وحين أفرجت عن عناقه، وضعت كفيها على وجنتيه، عيناها تغوصان في عينيه مباشرة وهي تقول:
ــ "لو مكنتش قتلته... كنت قتلت نفسي. أنا جوايا مرض الحقد على الرجاله دى بينهش فيا... عمري ما هتعافى. اقولك أنسى كل اللي حكتهولك قبل كده. ولو حابب تبعد عني كمان مفيش مشكله... أنا مش عايزة تعيش حياتك في عذاب بسببي."
ظل يستمع إليها، صامتًا، عيناه تفضحان قلبه الممزق.
وعندما استدارت لتخرج، فاجأها بأن أمسك ذراعها وشدها إليه، يحتضنها بقوة وكأنه يبحث عن مأمن داخل هذا الحضن، يبكي بصوت مكتوم.
قال وهو يرتجف:
ــ "أنا لو بعدت عنك... أموت. أنا معاكى مهما حصل... بس بالله عليكي أوعديني تدي لنفسك فرصة تتغيري... أوعديني."
أجابت رحمة بعين دامعة:
ــ "أوعدك... هحاول."
ظل يبكي في أحضانها حتى فتحت جيهان الباب فجأة، ووجدتهما على هذا الحال.
قالت بغضب صريح:
ــ "إيه التلوث اللي عيني شايفاه دا؟!"
قفزت رحمة مبتعدة عنه بسرعة، بينما مسح فارس دموعه بأكمامه في ارتباك.
حاولت رحمة إنقاذ الموقف فقالت:
ــ "مفيش... فارس اتأثر شوية بموت الراجل، فلقيت نفسي بواسيه."
ضيقت جيهان عينيها بتهكم:
ــ "يا حنين... يا حنينة! تراني تأثرت لحظة... أبكي!"
ضحكت رحمة بخفة وضربتها على كتفها مداعبة:
ــ "يا بنتي بطلي غيرة بقى."
ردت جيهان مستنكرة:
ــ "غيرة؟! واغير من إيه يعني؟"
قالت رحمة بمكر:
ــ "غيرانة عشان عايزة تتحضني أنتى كمان."
، فاندفعت لاحتضانها بكلتا ذراعيها.
تأثرت جيهان باللحظة وردّت الحضن، بينما تقول بصوت خافت:
ــ "أنا بنت نوتي صح؟"
ابتسمت رحمة وقالت بحنان:
ــ "أحلى نوتي في حياتي."
وفجأة، انقض فارس عليهما، واحتضنهما معًا بكلتا ذراعيه، قائلاً وهو يختنق بدموعه:
ــ "عمري ما أفرّط فيكم... أبداً... مهما حييت."
-------
في الشقة العلوية، كان رجال الطب الشرعي يجمعون البصمات، بينما اصطحب رجال الشرطة العشيقة إلى النيابة للتحقيق معها.
تجوّل عيسى بين أركان المنزل بخطوات متأنية، يتفحّص كل زاوية، لكن لم يجد شيئًا غريبًا يثبت عكس أن العشيقة هي القاتلة. وبعد ساعات من التفتيش ورفع الأدلة، توجّه عيسى إلى مكتبه ليبدأ التحقيقات.
------
كانت الغرفة ضيقة الإضاءة، يعلوها مصباح أبيض يرمى ظلالًا باهتة على وجوه الداخلين، وعلى المكتب تنتشر أوراق ومحاضر وأقلام، وإلى جانبه كوب قهوة بارد لم يمسّه أحد. في الخارج كان يُسمع وقع خطوات العساكر يجيء ويذهب، وصوت احتكاك الورق يملأ المكان بهيبة ثقيلة.
جلس خلف مكتبه، وبدا عليه التركيز التام، بينما جلس كاتب المحضر إلى جواره. وأمامهما جلست رشا، زوجة المجني عليه، متوترة ويديها ترتجفان.
قال عيسى وهو يلتفت إلى الكاتب:
ــ "ابدأ يا ابني."
ثم نظر إلى رشا مباشرة:
ــ "اسمك وسنك... وتقربي إيه للمجني عليه؟"
أجابت بصوت متردد:
ــ "اسمي رشا سيد الشهاوي، عندي واحد وتلاتين سنة... أبقى زوجة-الله يجحمه-المجني عليه."
قاطَعها عيسى بصرامة:
ــ "خلي كلامك في سياق القضية... وممنوع أي سب أو شتيمة."
خفضت رأسها سريعًا:
ــ "حاضر يا باشا."
قال:
ــ "اللي حصل... احكيلي ايه الى حصل لما دخلتى البيت وكنتي فين قبليها ؟"
تنهدت رشا وقالت:
ــ "أمي كانت تعبانة... قولتله هقعد عندها كام يوم وبعدين رجعت البيت عشان محتاجة شوية هدوم... فتحت باب الشقة ودخلت على الاوضه، لقيت واحدة بتلبس هدومها بسرعة ، وجوزي نايم ع السرير! صوتت ووقعت أشتم فيهم والعنهم ، ومسكت فيها. هي حاولت تهرب بس الجيران كانوا اتلموا. روحت عليه وهو نايم... قعدت أهز فيه وأضرب في صدره... لقيته مبتحركش! وشه كان بهتان وبارد. ببص لقيت علامات خنق على رقبته... اتخضيت وبعدت عنه وفضلت أصوت، وبعدها مسكت فيها وقعدت أقولها: قتلتِيه يا مجرمه قتلتييه لحد ما حد بلّغ... وانتوا جيتوا."
سألها عيسى وهو يراقب ارتباكها:
ــ "عندك حاجة تانية تقوليها؟ وهل متأكدة إنها هي اللي قتلته؟ مش ممكن حد تاني عملها؟"
أجابت بسرعة:
ــ "لا يا باشا... أكيد هي. ، عشان كانت بتحاول تهرب قبل ما أوصل."
قال عيسى وهو يشير للحارس:
ــ "تمام... اتفضلي. دخل يا ابني اللي بعده."
...
دخلت مريم حسن برهان، المتهمة، وعلامات الانهيار بادية عليها. جلست تبكي بحرقة أمامه.
قال عيسى بجدية:
ــ "ها... احكي ايه الى حصل. ومش عاوز لف ودوران."
رفعت وجهها المبلل بالدموع وقالت متوسلة:
ــ "والله العظيم ما قتلته يا باشا... ورحمة أمي."
ناولها عيسى منديلاً وقال ببرود:
ــ "اهدَي... احكي اللي حصل بالظبط. ادينا سبب قوي يخلينا نصدقك."
تنفست بعمق محاولة أن تبدو هادئة:
ــ "إحنا اتقابلنا في الكازينو اللي بنروحه دايمًا... قولتله: يلا نروح البيت. وأنا اللي صممت نروح عنده... عشان كان اقرب. هو وافق، وقال كدا كدا مراته مش هترجع غير بعد كام يوم. حصل اللي حصل يا باشا... وبعدين قال إنه هيخرج يشرب سجارة. وأنا دخلت أخد دش. فجأة لقيت حد جاي من ورايا، حاطط منديل على مناخيري... وبعدها موعتش لحاجة."
ضاق عيسى عينيه وسألها:
ــ "والحد ده مين؟... كان هو يعني؟"
أجابت بسرعة:
ــ "معرفش يا باشا... بس كان كأنه لابس أسود."
ابتسم عيسى بتهكم:
ــ "بس إحنا لما كشفنا عليكي... اكتشفنا إنك كنتى ليلتها عامله دماغ يا مريم."
صرخت:
ــ "والله يا باشا ما شربت!"
قال ساخرًا وهو يقلب في الأوراق:
ــ "والسجاير اللي لقيناكم ضربنها على الطربيزة بره؟"
ــ "يا باشا... بحلف بالله ما شربت! بقولك حد خدّرني!"
اقترب منها بنبرة حادة:
ــ "طيب... تقرير الطب الشرعي بيقول إن فيه آثار خنق على رقبتك، وضوافرك لقوا فيها الحمض النووي بتاع المجني عليه. معنى كده إنه حاول يخنقك... وإنتي قاومتيه... ولما اتملكتيه... خنقنيه بالعقد بتاعك."
انتفضت بعصبية:
ــ "عقد إيه يا باشا اللي بتتكلم عليه! أنا مكنتش لابسة حاجة!"
ضرب المكتب بيده بقوة:
ــ "بِت... بطلي شغل الهبل اللي سيقاه علينا ده. كل الأدلة ضدك. أحسنلك تعترفي."
انفجرت تبكي:
ــ "يا باشا... أقسملك بآيات الله... ما حصل! لا خنقته... ولا هو خنقني... ولا كنت لابسه عقد!"
لوّح بيده غاضبًا:
ــ "إنتي شكلك هتفضلي كده كتير... روّحي دلوقتي. خدها يا ابني."
جرّها العسكري للخارج، وهي تنهار بالبكاء، تكرر:
ــ "والله ما قتلته... والله ما قتلتــــه!"
جلس عيسى للحظة، أغمض عينيه ثم تنهد بعمق وقال بصوت خافت:
ــ "مش عارف... ليه حاسس إن في حلقة ناقصة... بس مسيري أعرف."
بعد تحقيقات دامت مع الجيران كلهم، أتى الدور على جيهان.
جلست أمام عيسى، تشبك أصابعها بتوتر وتخفض عينيها إلى الأرض،
طلب منها ذكر الاسم والسن، فذكرت ذلك ثم تابع قائلاً:
:محستيش بأى حاجه ليله قتل المجنى عليه؟
:لا يباشا انا كنت نايمه لان احنا التلاته كنا سهرانين لوقت متأخر.
:انتو التلاته متعودين تباتو سوا؟
:ايوا عادى بقالنا سنين متصحبين وعادى بنبات عند بعض.
:امممم والشقه شقه مين فيكو التلاته؟
:شقه رحمه.
:سكنه في الشقه دى بقالها اد اى؟
:هوا الاسأله دى تخص القضيه يباشا؟
رمقها عيسى بنظرة صارمة جعلتها تجفل في مكانها:
:انا هنا الى بسأل.. انتى تجاوبى وبس.
:تمام انا اسفه ..هى سكنه الشقه دى من يوم معرفتها واحنا فى اولى جامعه.
:متعرفيش عنها اى معلومات عن اهلها قريبها؟
:لا يباشا هى ملهاش حد خالص هنا غير عم واحد وعايش في الارياف ويعتبر مش معتبرها من اهله.
:واى السبب؟
ارتبكت جيهان أكثر، أحست أن الأسئلة تدور كلها حول رحمة لا حول الجريمة.
لكنها ردت سريعًا حتى لا تُحدث مشكلة:
:معرفش يباشا.. انا قولت كل الى اعرفو.
:تمام.. اتفضلى.
خرجت جيهان بخطوات متعجلة، وقلبها يخفق من رهبة الموقف.
---
بعد قليل، دخل فارس الذي كان ينتظر بالخارج.
جلس على الكرسي، وذكر اسمه وسنه، لكن جسده كان يخونه؛ قبضته تنغلق وتنفكّ كمن يحبس غضبًا.
بدأ عيسى الاستجواب قائلاً:
:كنت فين وقت قتل المجنى عليه؟
:كنت نايم ف الشقه الى تحت عند رحمه نمنا كلنا في الصاله بعد مسهرنا شويه.
:متعود تبات عندها؟
:ايوا يباشا عادى احنا صحاب من زمان وبنبات عند بعض حتى امى معتبرها بنتها.
:وانت؟
:انا اى مش فاهم حضرتك.
:معتبرها اختك؟
:ودا اى دخله بالقضيه؟؟
:جاوب وبس بلاش اساله كتير.
تنفس فارس بحدة، قبضته ترتجف وهو يحاول كبح انفعاله، ثم قال بنبرة مكبوتة:
:لا.. مش معتبرها اختى.
:امال؟
:بعتبرها حببتى يباشا من طرف واحد... مكن افهم دا اى علاقته بالقضيه برده؟
:انت هتتعصب عليا؟
:لا يباشا مقدرش.
:انتو بتضربو حاجه انتو التلاته؟
:بنضرب اى؟ مش فاهم.
أدار عيسى رأسه نحو العسكري قائلاً:
:ابق اكشفلى مخدرات يبنى على الواد دا والبنتين الى معاه بره.
نظر فارس نحوه بنظرة حادة كالسكين، لكنه حاول امتصاص غضبه.
فقال عيسى ببرود:
:عندك اى تعليق تانى؟
رد فارس وهو يحبس أنفاسه: لا يباشا مفيش.
:تمام.. اتفضل.
خرج فارس، وصوت خطواته تطرق الأرض بثقل تفضح ما يحمله في صدره. من غضب
---
دخلت رحمة بخطوات واثقة وجاذبية آسرة؛ عينيها الواسعتان فيهما بريق، وابتسامتها الصغيرة قادرة على إذابة صرامة من يواجهها. من يراها لا يخطر بباله أبدًا أن تكون قاتلة.
أذن لها عيسى بالجلوس ثم طلب منها قول الاسم كامل مع السن، وبعدها بدا صوته أكثر رقة عن السابق:
:تشربي اى؟
:شكرا مش حابه اشرب حاجه.
:لا بجد لازم تشربي.
:تمام كوبايه مايه.
أشار للعسكري بإحضار الماء، ثم أكمل:
:ها.. احكيلى حسيتى باى حاجه غريبه ليله قتل المجنى عليه؟
:لا انا كنت نايمه.. سهرت انا وصحابي لوقت متأخر وبعدين راحت علينا نومه ف الصاله.
:يعنى محستيش باى حاجه خالص لما نمتى؟
:لا.
:تمام.
نظر نحو الكاتب قائلا:
:اخرج انت.
فأومأ الكاتب برأسه وخرج، ليبقى وحده معها.
رحمة بابتسامة صغيرة:
:خلص التحقيق ولا اى؟
:اه خلص.. متطلعتيش انت الجانيه.
ضحكت رحمة قائلة: تب الحمد لله.
فرد عيسى مبتسمًا: تحبي اعزمك امته؟
:لى؟
:الله مش اتفقنا هتتغدى معانا؟
:اه اه صح.. في اى وقت يناسبك عادى.
:تمام انا هخلص على العصر وهتصل بماما تحضر الغدا.. هعدى عليكى لما اخلص ونروح.
:تمام ماشي.. في انتظار اتصالك... لسه في حاجه هتسألنى عليها؟
:لا.. اتفضلى .
خرجت رحمة، وما إن أغلق الباب خلفها حتى جلس عيسى للحظات يستعيد أنفاسه. أدرك أنه فقد السيطرة مرة أخرى؛ كان صارمًا مع الجميع، إلا معها وحدها ذاب الجليد الذى كان يحيط به ..
---------
بعد خرجت رحمة من مكتب عيسى، فوجدت فارس وجيهان بانتظارها في الممر، بينما وقف أحد العساكر أمامهم بصرامة قائلاً:
:يلا قدامى.
تجهمت ملامح رحمة وسألته بحدة:
:على فين؟
وردت جيهان هي الأخرى وقد ارتفع صوتها قلقًا:
:احنا خلصنا تحقيق وخدنا فين؟
قطّب العسكرى حاجبيه ورد بعصبية:
:انا قولت قدامى.. بطلو غلبة.
رمقه فارس بنظرة حادة، ثم قال محاولًا السيطرة على الموقف:
:في ايه؟ هنمشي معاك بس اهدى على نفسك شويه.. امشو يا بنات.
تحركوا أمامه بخطوات مضطربة، وبينما هم يسيرون همست رحمة إلى فارس:
:انت عارف هو وخدنا على فين؟
رد فارس بغضب مكتوم، قبضته تنغلق وهو يتكلم:
:ايوا.. الباشا طلب يعملولنا تحليل مخدرات.. مفكرنا بنضرب.
شهقت جيهان وقالت بارتباك:
:ينهار اسود! مخدرات؟ هو انا بتاعت مخدرات! دا امى مستنيانى بره.. لو شافتنا رايحين ف البوكس هتطلع ميتينى.
ابتسمت رحمة ابتسامة حزينة وهي تهمس:
:احتمال تخليكى تقطعى علاقتك بيا.
هز فارس رأسه بحزم:
:مفيش الكلام دا.. هنقولها إجراء روتينى وبس.
تمتمت جيهان بصوت مرتجف:
:ربنا يستر.
خرجوا مع العسكرى إلى الخارج، فوجدوا والدة جيهان ووالدة فارس وأبويهما في انتظارهم، ملامحهم مشدودة بالقلق. استأذن كل من جيهان وفارس من العساكر ليتحدثوا مع أهلهم دقيقتين قبل الذهاب إلى المختبر.
وافق العسكري قائلاً:
:يلا بسرعه عشان منتأخرش.
تقدم فارس نحو والديه، بينما اتجهت جيهان إلى أبويها، أما رحمة فوقفت بجانب العسكري تراقب المشهد من بعيد، كأنها شاهدة على مأساة صنعتها بيدها دون قصد.
ما إن اقترب فارس من أبيه حتى فوجئ بصفعة قوية أطاحت بوجهه جانبًا، ارتعشت نظراته للحظة قبل أن يرفع عينيه إلى رحمة، التي اتسعت عيناها ذهولًا ووجعًا لرؤية المشهد.
شهقت أمه وهي تندفع نحوه:
:ليه كدا يا وحيد؟ حرام عليك.. هو بس كان عمل إيه؟
صرخ وحيد بعصبية، صوته يجلجل في المكان:
:يعنى مش عارفه عمل إيه؟! ايه يبيته مع اتنين بنات في شقه لوحدهم! هو احنا عايشين في نيورك؟
أطبق فارس فمه على غضبه وقال بصوت متماسك رغم ارتجافه:
:يابابا.. مينفعش عمايلك دى في الشارع! وحرجتنى قدام زميلاتى.. أجل الكلام دا في البيت.
زمجر والده:
:احرجتك؟! داهيه تاخدك انت وهما.. مهو صحيح ملهمش أهل يلموهم.
كلماته القاسية اخترقت قلب رحمة كسهم مسموم.
لكن والد جيهان، الذي كان يوبخ ابنته وأمها على الجانب الآخر، لم يحتمل ما قاله والد فارس فقال غاضبًا:
:متحترم نفسك يا راجل انت هو اى اللى "ملهمش أهل يلموهم" دى؟
رد وحيد بانفجار غضب مضاعف:
:ما انت لو راجل محترم متسبش بنتك تبات مع راجل غريب وفي شقه لوحدهم!
رد والد جيهان بغضب مماثل :ويعنى انت الى محترم يا استاذ لما تحكم على الناس بالطريقه دى
ارتفع صوت فارس صارخًا:
:بطلو عميلكم دى.. فرجتو علينا الناس
تجمعت العساكر لفض الاشتباك، بعدما تطورت المشادة بين الأبوين إلى مدّ الأيدى.
وقفت رحمة على بُعد، تتابع ما يحدث، بينما قلبها يُمزَّق إربًا. تعلم أنها السبب في كل هذا، وأنها لم تفكر لحظة في العواقب التي قد تلحق بأصدقائها . أنا السبب... أنا لازم أبعدهم عنى قبل ما أدمّر حياتهم.
على الجانب الآخر، أمسكت والدة جيهان بذراع ابنتها بقوة وصرخت فيها أمام الجميع:
:قولتيلى انك بايته عند فريده بنت انكل فوزى! ألاقيكى عند المشرده دى؟! وكمان بيتحقق معاكى في جريمة قتل؟! والله العظيم يا جيهان لأحبسك في البيت وما تخرجى منه تانى!عجبك الى بيحصل دا؟
ردت جيهان بإحراج ودموعها على وشك الانفجار:
:بس يماما.. هتسمعك.. بالله عليكى بلاش اللى بتعمليه دا!
صفعتها أمها بالكلمات:
:اتوكسي! متسمع! هى دى عندها دم؟
سقطت الكلمات على رحمة كالماء البارد الذى افاقها مما كانت فيه.
انتهى الأمر بأن أخذت العساكر جيهان وفارس إلى البوكس، بينما ركبت رحمة خلفهم صامتة.....
يتبع ....