بلا رحمه - مصيرى المجهول - بقلم شيماء رضا | روايتك

اسم الرواية: بلا رحمه
المؤلف / الكاتب: شيماء رضا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مصيرى المجهول

مصيرى المجهول

بئر اسرارى،،،، خرجت من المطبخ، وخطواتها واثقة، بينما عيناه تتبعانها حتى اختفت. كان يعلم أن ما يفعله خطأ، لكنه لم يهتم. ما يهمه أن يكون هو الرجل الوحيد الذي تثق به، وأن يملك مفاتيح أسرارها، جعله يشعر أنه يقف على قمة جبل السعادة... لم يكن يهمه أبداً إن كانت قاتله... أو حتى سفاحة. فيتذكر حينها ذلك اليوم .. فلاش بق لقبل عام ونص من الان ... كان مساءً هادئًا، اجتمع الثلاثة في غرفة المعيشة أمام شاشة التلفاز، يشاهدون فيلم رعب يدور حول قاتل متسلسل. جيهان لم تحتمل كثيرًا، فالنوم غلبها سريعًا على الأريكة، بينما رحمة كانت مسترخية، تلتهم الفشار وتتابع الأحداث باستمتاع وبعينين لامعتين. أما فارس، فكان جسده يقشعر مع كل مشهد قتل ودماء، حتى شعر بأن معدته تضطرب من بشاعة المناظر. قال لها وهو يحاول كبح اشمئزازه: ـ هو انتى مش قرفانة من المناظر دى؟ نظرت نحوه بابتسامة ماكرة، ثم رمت حبة فشار في الهواء والتقطتها بفمها بخفة، وقالت وهي تمضغ: ـ لا، بالعكس، بستمتع بالمشاهد دى جدا. ضحك وهو يهز رأسه: ـ دا انتى سايكو بقى! في حد يحب القرف دا ويبقى طبيعى؟ تبدلت ملامح وجهها فجأة، سحبت نفسها من مكانها وخرجت إلى الشرفة بصمت. أدرك فارس أنه ربما تجاوز المزاح، فلحق بها. ـ أنا كنت بهزر يا رحمة، إنتى زعلتى؟ التفتت إليه بنظرة طويلة خالية من أي انفعال، نظرة جعلت قلبه ينقبض. فقال بقلق ـ إنتى كويسة؟ قالت بهدوء: ـ أنا فعلا سايكو. ـ أنا آسف، مكنش قصدي أقول كدا. ـ متتأسفش، إنت مغلطتش... بس عارف؟ أنا بكرهكوا أوى. ارتبك: ـ بتكرهينا! إحنا مين؟ ـ الرجالة... كائن عايش عشان يفسد في الأرض. ـ طيب مش كلنا وحشين، وبعدين ما في ستات كتير وحشة برضه، ليه تعممى كده؟ ـ الستات بقت وحشة بسببكوا. عارف إن أول جريمة قتل لما نزل آدم الارض كانت على ايد راجل؟ واللي اتقتل كان أخوه. ـ بس كان عشان واحدة ست. : وهي كان ذنبها إيه إنها جميلة؟ قابيل كان طماع، قتل أخوه من الحسد والجشع. ـ طيب وأخوه اللي اتقتل مش برىء؟ ـ آه برىء... ودا معناه إن نسل الرجالة النضيف مات مع هابيل يومها. ـ يا بنتى، كلنا نسل سيدنا آدم اللي هو أحسن من هابيل نفسه. ـ بس قصة هابيل وقابيل معناها الخير والشر، واللي انتصر وقتها كان الشر. ضحك فارس وهو يهز رأسه: ـ ينهار أبيض عليكى، أنا قربت أقتنع بكلامك. ـ عشان كلامى مقنع. ابتسم فارس، مدركًا أنه لن يفوز عليها في هذا النقاش، فتركها تفوز. ولكن قال مازحا:كل دا عشان قولتلك يا سايكو ابتسمت وضكت ضحكه خافته وضحك معها قلب فارس... ثم خيّم الصمت نصف ساعة كاملة، وهما يراقبان المارة في الشارع من الشرفة. قال فارس: ـ هروح أجيب حاجة نشربها. وقبل أن يستدير، سمعها تقول: ـ أنا ممكن أقولك سر؟ التفت مجددًا بابتسامة خفيفة: ـ أكيد يعنى... سرك في بير. في داخلها فكرت: إن حافظ على السر، سأعرف أن هناك نسلًا يشبه هابيل، وإن أفشاه... فلا يهم، فأنا أعلم نهايتى السوداء. ثم قالت بصوت مسموع: ـ أنا بقتل الرجالة. تجمد فارس في مكانه، اتسعت عيناه، ولم ينطق للحظات، ثم ضحك بخفة مرتبكة: ـ بطلى هزار بقى، هو فيلم الرعب دا أثر على دماغك ولا إيه؟ ـ لا... أنا بكلم بجد. ولما رأى جديتها، جلس حيث أجلسته على الأرض، وبدأت تحكي: عن أول ضحاياها كان زوج أمها الذي هاجمها محاولًا الاعتداء عليها، لكنها أمسكت مشرطًا من أدوات مدرستها، وغرسته في عنقه. حكموا وقتها بأنه دفاع عن النفس لوجود آثار مقاومة على جسدها. بعدها، تخلت عنها أمها، فأُرسلتها إلى ملجأ، وهناك تحرش بها أحد العمال... فوجدوه مقتولًا في الحمام، ويده التي لمسها بها مقطوعة. منذ تلك الليلة، أقسمت أن تقتل كل رجل قذر لتحمي الفتيات الضعيفات. حكت لهو عن رحلتها في قتل الرجال قتلت المتحرش، والخائن، والغني الذي يستغل أطفال الشوارع ليشبع رغباته القذره، والشيخ أو القس الذي يخفي وراء ثوبه أفعالًا دنيئة(لا اقصد ان جميعم هكذا )، وكل من يظن أن النساء سلعة تُشترى ببضع مال. كانت تؤمن أن كثيرًا من النساء لم يصبحن سيئات إلا بسبب رجال دمّروا حياتهن: أب قاسٍ يظن الضرب تربية، زوج عديم المسؤولية يترك زوجته تطعم أطفاله ولا يهتم من أين تأتي بالمال، أو يتيمة ينهشها جوع إخوتها فيستغلها رجل قذر، فيرشدها إلى طريق الانحراف. استمع فارس إلى قصتها، عاجزًا عن التعليق، كأن جزءًا خفيًا منها انكشف أمامه... جزء يخيفه ويحزنه في آن واحد. لم يعرف لماذا لم يذهب للشرطة، أو حتى يهرب منها... كل ما فعله هو الإنصات. في داخله، تعهد أن يحاول علاجها يومًا ما، أن يعيد إليها إنسانيتها. لكن السؤال الذي ظل يطارده هو: هل ما زلت أراها كما كنت؟ هل ما زلت أتخيلها بفستان أبيض إلى جواري؟ هل أريد أطفالًا منها؟ لم يعرف الجواب، لكن شيئًا غريبًا بداخله شعر بالرضا... لأنها، رغم كرهها الشديد له كـ"رجل"، اختارت أن تكشف له حقيقتها،،،،نهايه الفلاش باك نزلت رحمة إلى الشارع بخطوات سريعة، متجهة نحو السوبر ماركت لشراء ما وعدت به أصدقاءها. الجو كان هادئًا نسبيًا، والشارع تغمره ضوضاء خفيفة من السيارات والمارة. وبينما كانت تتمشى، شعرت بظل يقترب خلفها، وفجأة امتدت يد لتسحب حقيبتها بقوة، ثم انطلق اللص يعدو مبتعدًا. احتاج عقلها لثوانٍ معدودة ليدرك ما حدث، لكن ما إن فهمت الموقف حتى انطلقت خلفه وهي تصرخ بصوت عالٍ: ـ "حرااامى! والله لمسكك يا ابن الـ..." وبالصدفة، كان الضابط عيسى يخرج من السوبر ماركت المجاور متوجهًا إلى سيارته. لمح المشهد أمامه: رجل يركض ممسكًا بحقيبة، وخلفه فتاة تصرخ بأنه لص، وتجري بسرعة مذهلة. ركب عيسى سيارته على الفور، محاولًا اللحاق بهما، واقترب بما يكفي ليقطع الطريق على السارق. لكن المفاجأة كانت أن الفتاة كانت أسرع من السيارة، بل حتى من اللص نفسه. وفي لحظة خاطفة، انقضّت رحمة فوق ظهره، أسقطته أرضًا، وبدأت تنهال عليه بالشتائم والضرب بكل قوتها، حتى إن اللص نفسه بدأ يستنجد بالمارة لينقذوه منها. توقف عيسى وأوقف سيارته، ونزل مسرعًا نحوهم، محاولًا إبعادها وهو يقول: ـ "بس بس خلاص، جبتي آخره! الراجل شوية وهيطلب النجدة!" دفعت رحمة يده بعصبية وهي تقول: ـ "وأنت مالك يا أخ؟ خليك في حالك." ابتسم عيسى بسخرية وهو يرد: ـ "يا أخ؟،دا إنتى مصيبة." لكن قبل أن يكمل كلامه، أمسك باللص الذي كان يحاول التسلل هاربًا مرة أخرى، وقال بحزم: ـ "اقف يا بني! معاك الضابط عيسى." تجمّد اللص مكانه، وكأن القدر قرر أن يقسو عليه أكثر؛ يسرق حقيبة فتاة مجنونة تلحقه وتمسكه وتبرحه ضربًا، ثم يجد نفسه أمام ضابط يقتاده للسجن. اقتربت رحمة وقالت بنبرة أقل حدّة: ـ "آه معلش، ماكنتش أعرف إن حضرتك ضابط." ثم انحنت، التقطت حقيبتها، وأكملت بابتسامة ساخرة: ـ "استأذن أنا بقى، وأسيب العدالة تاخد مجراها." لكن قبل أن تبتعد، جاء صوته الأجش من خلفها: ـ "على فين يا آنسة؟" التفتت مبتسمة وقالت: ـ "ماشيه... هو أنا الزمك في حاجة يا حضرة الضابط؟" رفع عيسى حاجبه وابتسم من زاوية فمه وهو يجيب: ـ "آه، تلزميني." ـ "أفندم؟!" ـ "مش هتعملي محضر في الحرامي اللي سرقك ولا إيه؟" ـ "سبتلك انت المهمة دي يا حضرة الضابط." ـ "لا إزاي؟ مينفعش. لازم تيجي معايا القسم تعملي محضر." تأملته رحمة لثوانٍ، تحدّق في عينيه مباشرة، فهي تعلم أنه ليس بالضرورة أن تكتب محضرًا طالما أُمسك اللص متلبسًا. إذن، لماذا يريد أخذها معه للقسم؟ وبادلها عيسى نفس النظرة وكأنه يقول: "كيفي كده." ربط عيسى يدي اللص بحبل كان في سيارته، إذ لم يكن يحمل معه كلبشات في تلك اللحظة، ثم دفعه إلى المقعد الخلفي. فتح الباب الأمامي ونظر إلى رحمة قائلًا: ـ "اتفضلي يا آنسة، اركبي." صعدت وهي تتأفف، تلعن اللحظة التي نزلت فيها لشراء شئ، وأغلق الباب خلفها، ثم ركب هو الآخر وانطلقا نحو القسم. في الطريق، قال لها عيسى بابتسامة ساخرة: ـ "بصراحة، أول مرة أشوف بنت جريئة كده. ماوقفتيش تعيطي زي البنات الكيوت، دي إنتِ خليتيه هو اللي كان هيعيط." أجابته رحمة بتفاخر: ـ "هو مفهومك عن البنات إنهم كيوت ومبيعرفوش ياخدوا حقهم؟" سارع لتوضيح كلامه: ـ "لا طبعًا، مش قصدي فيه برده بنات جدعة وبنت بلد وبميت راجل  ." ـ "آه، وفيه بنت بتحب تاخد حقها بدراعها زي كده." ـ "آه آه، طبعًا... هو اسم حضرتك إيه بقى؟" ـ "اسمي رحمة، وممكن بس أستأذن حضرتك تسرع شوية، عشان هتأخر على صحابي." نظر إليها بدهشة، فلم يعتاد أن تكلمه فتاة بتلك النبرة، حتى بعد أن عرفت أنه ضابط. لكنه ابتلع ردّه وركّز في الطريق. ... بعد بعض الوقت في القسم، كانت رحمة تقدّم بلاغًا، بينما أمر عيسى العساكر بوصع اللص بالحبس. وحين أنهت أوراقها واتجهت نحو باب الخروج، لحقها صوته: ـ "استني يا آنسة رحمة." التفتت وقالت: ـ "خير يا باشا؟ لسه عاوزني أعمل حاجة؟" ـ "آه، ممكن أوصلك." ـ "لا، شكرًا. مش حابة أتعبك." ـ "ولا تعب ولا حاجة، ده تعبير بسيط عن إعجابي بشخصيتك." نظرت له، وعقلها يخبرها أن الاقتراب من هذا الرجل خطر عليها، لكن جزءًا منها يدرك أن تجاهله قد يجذبه أكثر. قررت أن تتصرف كأي فتاة أخرى في مثل هذا الموقف، وقالت: ـ "تمام، مش مشكلة." ابتسم عيسى واصطحبها إلى سيارته، في الطريق نحو منزلها، قالت رحمة عند وصولهم: ـ "ممكن بقى أعزمك تتغدى معانا؟" ضحك عيسى: ـ "إحنا بعد المغرب." ـ "ماهو لسه ما تغدناش، بسبب الى حصل طبعا. وبعدين إنت تغديت؟" بتردد أجاب: ـ "أحم... لا. بس باباكي ومامتك مش هيتخضّوا لما يلاقوكى داخلة عليهم براجل غريب وكمان ضابط؟" ابتسمت قائلة: ـ "الله يرحمهم... أصحابي اللي فوق." ـ "آه، الله يرحمهم... طالما أصحابك... يبقى نتعرف بقى." ـ "تمام. هخش السوبر ماركت أجيب حاجة وأجي." ـ "قولي إنتِ هتجيبي إيه وأنا أجيبهولك. أو، تعالي ندخل سوا." ـ "إنت متأكد إنك ضابط؟" ـ "ليه؟ هو الضباط مش بيدخلوا سوبر ماركت ولا إيه؟" ـ "لا لا، مش قصدي. اتفضل يلا، عشان زمانهم ماتوا من الجوع." ... بعد نصف ساعة ، في شقة رحمة. كان فارس يتصل بها مرارًا دون رد. قال بقلق لجيهان: ـ "اتأخرت أوي يا جيجي، أنا قلقان." جيهان، وهي مشغولة في البحث عن شيء على الشاشة: ـ "متقلقش، هي رحمة كده... بتخش السوبر ماركت تنسى نفسها." ـ "بس دي مش بترّد، أنا هنزل أشوفها. الماركت بعد البيت بخطوتين مش معقول التاخير دا." ـ "خلاص، روح شوفها." ارتدى جاكيته وأخذ هاتفه، ومجرد أن فتح الباب، سمع صوتها على السلم. التفت لجيهان قائلًا: ـ "شكلها جت، هستناها على الباب." ـ "اشطا، وأنا لقيت فيلم حلو." وقف أمام الباب ينتظرها، وما إن صعدت حتى قال بسرعة: ـ "إنتى كنتى فين كل ده يا هانم؟ ورحمة أمك يا رحمة لأقرصك من..." لكنه توقف مذهولًا حين رأى رجلًا غريبًا يصعد خلفها، يحمل أكياس السوبر ماركت، وينظر نحوه مباشرة. رحمة تكتم ضحكتها بصعوبة وهي تقول: ـ "هتقرصني منين؟ ههه." قال عيسى بابتسامة: ـ "صاحبك ده متقمص دور الأم خالص." تجمّد فارس، غير قادر على فهم ما يجري: من هذا الرجل؟ ولماذا يحمل الأكياس؟ ولماذا أتى مع رحمة؟ اقتربت رحمة من باب الشقة الذي كان فارس يسدّه بوقفته المتصلبة، وقالت: ـ "وسع كده بقى، عشان الضيف يدخل." ابتعد خطوتين وهو يسأل بذهول: ـ "ضيف؟ مين حضرته؟" خرجت جيهان من الداخل لترى المشهد، وعيناها تتأملان الرجل: جسد رياضي، عينان مائلتان إلى الأخضر، شعر كستنائي، وابتسامة جذابة، وحضور طاغٍ. قالت وهي تنظر إلى رحمة: ـ "مش هتعرفينا يا ست رحمة؟" أجابت رحمة: ـ "أعرفكم يا جماعة: الضابط عيسى." ثم التفتت إلى عيسى: ـ "أعرفك، دول صحابي: جيجي وروسه." اتسعت عينا جيهان وفارس من الدهشة؛ رحمة خرجت للسوبر ماركت وعادت ومعها ضابط! قال عيسى مازحًا: ـ "روسه ده يطلع إيه؟ هو اسمه كده؟" أجاب فارس ببرود: ـ "قصدها فارس. أهلا بيك. بس عندي سؤال: في مشكلة ولا حاجة رحمة عملتها في الماركت؟" قاطعتهم رحمة: ـ "هحكيلكم كل حاجة وهفهمكم واحدة واحدة، بس ندخل نحضر الأكل عشان هموووت من الجوع." وافق الجميع، ودخلت هي وفارس إلى المطبخ، بينما جلست جيهان مع عيسى يتحدثان عن كيفية لقائه برحمة. قال فارس وهو يجهز الطعام: ـ "هو إنتِ اتجننتي؟ تنزلي تجيبي شوية حلويات، تجيبي معاهم ضابط؟" ضحكت رحمة: ـ "ماهو حلويات برضه، ولا إيه؟ ههه." رد بغضب: ـ "إنتِ بتهزري بجد؟ رحمة، قابلتيه إزاي وإيه اللي حصل؟" هدّأته رحمة وبدأت تروي ما حدث. قال مستغربًا: ـ "غريبة إنه ييجي معاكي لحد هنا. هو أي حد بيقابله بيتعرف عليه؟ أكيد ده حاسس عليكي حاجة. يمكن شاكين فيكي، ودي خطة ومفكرنا عصابة وعاوز يدخل وسطنا عشان يمسك علينا حاجه." ضحكت رحمة: ـ "يخربيت الأفلام اللي لحست عقلك. عادي يا بني لولا الحرامى مكنش هياخد باله منى خالص، ويمكن أعجب بيا وحابب يتعرف" انفجر فارس بغيرة واضحة: ـ "وحياة أمك، معجب إزاي يعني؟ ماشي يعجب على روحه ولا إيه؟" ـ "خلاص بقى، نكمل بعدين... أنا جعااانة." ـ "ماشي يا رحمة، رغم إني مش مرتاح أبدًا." ---------- كانت السفرة عامرة بألوان الطعام، تتوسطها صينية المكرونة التي أعدها فارس بعناية. بخارها الساخن يتصاعد، حاملاً رائحة التوابل والجبن الذائب، يختلط مع ضحكاتهم الخفيفة وحفيف الأطباق. جلسوا جميعًا، وكل واحد منهم يمد يده نحو الطبق الكبير ليملأ طبقه الخاص... رحمة، وهي ترفع شوكة ممتلئة وتنفخ عليها بخفة لتبرد، قالت بابتسامة مشاكسة: ـ "إيه الجمدان دا يا واد يا روَسه! حلوة أوي..." توقف فارس لحظة قبل أن يرد، وكأن كلماتها وقعت على قلبه فجأة، فظهر في عينيه ذلك اللمعان الذي لا يمكن إخفاؤه: ـ "شكرًا يا روما... بألف هنا." لم يفُت الأمر على جيجي وعيسى، فقد التقطا بوضوح اللمعة في عيني فارس وتأثره بكلمات رحمة. قطع عيسى الموقف وهو يتذوّق اللقمة: ـ "هي فعلًا حلوة... بس معجّنة شوية." ابتسم فارس ببرود، محاولًا أن يتجاهل التعليق، فهو لا يعير اهتمامًا كبيرًا لرأي هذا "المتطفل".         لكن عيسى واصل بنبرة متعمدة: ـ "عارفة يا آنسة رحمة؟ لو دُقتى المكرونة دي من إيد ماما... مش هتحبيها من إيد حد تاني." رحمة، وهي تمسح فمها بمنديل الورق، ردت بابتسامة فيها ود وهدوء: ـ "آه طبعًا، مفيش بعد الأمهات... ربنا يخليها ليك." جيجي انحنت للأمام قليلًا، وكأنها تريد أن تسرق الأضواء، وقالت: ـ "طبعًا أكل ماما رقم واحد عندي، بس روسه برضه أكله تحفة! وكفاية إنه راجل وبيدخل المطبخ... عريس مثالي بصراحة." ثم، وبحركة مدروسة، التفتت نحو رحمة وكأنها تسلّمها جملة بعيونها قبل لسانها: ـ "يبختها بيه اللي هتتجوزه." كانت كلماتها كشرارة، أشعلت فرحة سريعة في قلب فارس، فابتسم على الفور، ونظر نحو رحمة دون تردّد: ـ "ده أنا اللي يبختي..." لم يكن يعلم أنه ألقى بحجر في ماء راكد. عيسى فهم كل شيء في لحظة، أما رحمة فابتسمت بخفة، وسألت وكأنها تسايره: ـ "مين دي؟" فارس، محاولًا الهروب، قال: ـ "اللي هتجوزها... لسه في علم الغيب." جيهان رفعت حاجبها وقالت بتهكم: ـ "آها... علم الغيب!" رحمة، وهي تحرك شوكتها في الطبق، أضافت: ـ "أنا عارفاها... بس مش هروح أقول." اقترب فارس قليلًا، وكأنه يريد أن يدفعها للكشف: ـ "لا، قولي." رفعت عينيها نحوه للحظة ثم قالت، وهي تعلم تمامًا أنها تبعد السهام عنها: ـ "تسنيم... زميلتك في الكلية. شوفتكم كذا مرة بتتكلموا مع بعض." تبدلت ملامح جيهان فورًا، وظهر الغضب في صوتها: ـ "والله يا فارس ما قولتلك ما تقابلش البِت الصفرا دي تاني؟!" ارتبك فارس، وصوته خرج سريعًا: ـ "يخربيتك يا رحمة! والله يا جيهان أنا بتجنبها... وهي اللي بتيجي تفضل تسأل." رحمة لم تدخل في الجدال، بل اكتفت بابتسامة هادئة وعادت لتناول طعامها، وكأنها تتلذذ بالمشهد من بعيد. وفي الزاوية الأخرى، كان عيسى يراقبها في صمت، عيناه لا تفارقانها، مأخوذًا  بسحرها الطبيعي. كان يظن أن قلبه أغلق أبوابه بعد أن هجرته خطيبته، لكن وجود رحمة أمامه أيقظ فيه شيئًا كان يعتقد أنه مات... لم يكن يعلم أن رحمة ليست دواءً، بل داءً يفتك بمن يجرؤ على الاقتراب. ---- وقفت رحمة عند الباب تودّع عيسى، وهو يقول لها بابتسامة: عيسى: "اتمنى بق توافقى اردلك العزومه دى.." رحمة  في نفسها: "يخربيت كدا دا بيلزق اكتر.."، ثم قررت الرد بالموافقة لتبدو سهلة ويبتعد عنها : "تمام موافقه بس بشرط يبق من اكل ماما." ابتسم عيسى بفرح لقبولها، وقال: "طبعا ممكن رقمك بق عشان ابق اتصل بيكى." رحمة: "اكيد اتفضل." وقف فارس يراقب الموقف، واشتعل غيظه، فتقدم نحوهما قائلاً: "لولا الساعه داخله على واحده كنت قولت خليك شويه كمان." نجزته رحمة في بطنه، فتأوّه متألما، فرد عيسى ضاحكًا: "ههه قصدك اتفضل امشي بالزوق يعنى.. ع العموم تصبحو على خير." فارس :" لا طبعا دا انت كنت منورنا ..وحضرتك من اهل الخير" ودعته رحمة، بينما فارس لوّح له بيده وهو يمسك بطنه باليد الأخرى من شدة النغزة. وبعد اختفاء عيسى نازلًا على السلم، أغلقت رحمة الباب وقالت: رحمة: "يخربيته لازقه." فقال فارس بلا مبالاة: "مجايبك يا هانم راحه جيبلنا ظابط عاوزه تودى نفسك ف داهيه.." ابتلع كلماته حين لاحظ أن جيهان التقطت العبارة بسرعة الضوء والتفتت نحوه، بينما رحمة حدقته بنظرة كأنها تريد خنقه. جيهان: "تودى نفسها فى داهيه لى؟ هى رحمه بتعمل اى عشان تخاف من ظابط." رحمة: "سيبك منه دا مفكر ان الظباط بتمشي تمسك في الناس وتحبسهم بمزاجها" ضحك فارس محاولًا تغيير الموضوع: "بس مختوش بالكم كام مره اكد فيها انه ظابط يخربيت تقل دمه بجد." فتنساق معه جيهان في الحديث: "لا وشكله ابن امه طول الوقت بيحكى عملت وسوت." تنهدت رحمة من غرابة اليوم، وتركتهم يكملون نميمتهم، ثم خرجت للشرفة لتجد الضابط ما زال جالسًا في سيارته. في الجانب الآخر، جلس عيسى في سيارته يفكر فيما حدث، متسائلًا في نفسه: "هو انا حاسس انى كنت خفيف اوى معاها فرضت نفسي عليهم وعلى العشا ... بس بصراحه هى كمان امرها غريب مرفضتش اوصلها وهى الى طلبت اتعشا معاهم وقاعده مع صاحبها وصحبتها ف الشقه لوحدهم حاسس البنت دى مش تمام. انا لازم ادور وراها..." وبينما هو يحدث نفسه، لمحها خرجت للشرفة، ترمقه بعينيها كأنها تسأل "هو لسا بيعمل اى هنا" بادلها النظرة وقال في نفسه: "يا ترى وراكى ايه؟" بينما هي تمتمت ومازالت عيناها تصوب نحوه "شكلك مصيبه وحلت فوق دماغى..." توقف العالم لحظة، كأن الزمن تجمد من حولها. كيف لها أن تتخلص منه؟ لم تترك خلفها أي أثر، ولم يلحظ أحد وجودها يومًا، لكن وجود عيسى الآن يشكل خطرًا جسيمًا على حياتها. أخذت تتأمل الوضع بعينٍ ثاقبة، محاولةً أن تجد منفذًا، طريقة تحل بها هذه المشكلة قبل أن تتفاقم الأمور. كل خطوة يجب أن تُخطط لها بحذر، وكل كلمة يجب أن تقال بعناية، فهي تعلم أن أي خطأ صغير قد يفتح الباب على مصاعب لا تُحتمل. نهايه البارت .... رايكوا