منديل حرير
نزلت رحمة بخطوات واثقة، يطرقع كعب حذائها العالي على الأرض كإيقاع ثابت يسبق عاصفة. لم تكن نظراتها كسائر الفتيات، بل كانت حادة، تركز على هدف محدد في ذهنها. رفعت يدها ولوّحت لسيارة أجرة، توقفت أمامها، فتقدمت بخطوات رشيقة وجلست في المقعد الخلفي. أعطت السائق العنوان، بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة أمر، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد، تتابع الطريق بعينين ثابتتين كمن يعدّ اللحظات حتى الوصول.
وصلت إلى العمارة التي يقع فيها مكتب الدكتور حاتم. ترجّلت من السيارة، وبخطى راسخة بدأت تصعد السلم، وكأنها تصعد منصة تتويج، لا مجرد درج حجري. كانت تحمل في خطواتها ثقة المنتصر، وفي عينيها بريق الخطر.
وقفت أمام الباب، طرقت بضع طرقات محسوبة. لحظات حتى فُتح الباب، وظهر الدكتور حاتم أمامها. ما إن وقعت عيناه عليها حتى اتسعتا في ذهول، وبدت عليه الصدمة .
قال متلعثمًا وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
- "إنتي مين؟"
ابتسمت رحمة بخجل متصنع، وضحكة صغيرة تحمل في أعماقها شيئًا من التحدي:
- "أنا رحمة يا دكتور... إيه رأيك فيا بره الجامعة؟ عاوزه تقييم؟"
تغيرت ملامحه سريعًا، وابتسم وهو يفتح الباب على مصراعيه، وكأنما يستقبل كنزًا:
- "تقييم إيه! ده إنتِ اللي تقيميني... ادخلي بسرعة."
دخلت رحمة بخطوات ثابتة، وصوت طرقعة كعبها يتردد في المكتب. كانت خطواتها تملأ الجو بثقل معنوي، وكأنها تُعلن سيطرتها منذ اللحظة الأولى. أما هو، فأغلق الباب بعناية بعد أن تأكد من عدم وجود أحد يراهما.
استدار نحوها، وعيناه تلتهمان ملامحها كأنما وقعت عليه لعنة جمالها. كيف لتلك الفتاة الكئيبة التي ترتدي دائمًا الملابس الغامقة والواسعة أن تكون هي ذاتها صاحبة الجسد الممشوق المثير؟ كان المشهد بالنسبة له تحوّلًا ساحرًا، لم يتخيله قط.
- "تشربي إيه يا قمر إنتي؟"
ابتسمت بخبث، وقالت:
- "ممكن تقعد هنا على كرسي مكتبك شوية؟"
جلس على الفور، يظن أنها على وشك أن تفعل شيئًا يسره ويشبع غروره.
- "تعرف إني سادية؟"
ابتسم بثقة، كأنه وجد ما يبحث عنه:
- "وأنا بعشق النوع ده من الستات."
ابتسمت في داخلها ساخرة: ده أنت لقطة .
- "طيب بما إننا متوافقين كده... أنا هربطك على الكرسي ده، إيه رأيك؟"
رد بسرعة وحماسة كالحمار المتهور:
- "موافق... أنا تحت أمرك."
أخرجت رحمة حبلًا من السلك الناعم، وبدأت تربطه به بإحكام، عقدة تلو الأخرى، حتى صار أسيرًا على الكرسي.
- "كنت بتسألني عاوزة أشرب إيه، صح؟"
- "أيوه... هنا في ضلفة المكتب فيه زجاجتين (حاجة منكر)... طلعي زجاجه منهم وصبيلي وصبيلك."
قهقهت رحمة ضحكة عالية، نبرتها مزيج من السخرية والتهديد:
- "بس أنا عايزة أشرب من دمك."
اتسعت عيناه، وابتلع ريقه مرة أخرى، وبدأت علامات الخوف تظهر على ملامحه.
- "أنا بدأت أخاف... إيه رأيك تفكيني؟"
أمالت رأسها قليلًا، وابتسمت ابتسامة تحمل برود القاتل:
- "فاكرها سهلة؟ اللي بيقع في إيدي ما بيطلعش عليه نهار... تيجي نعد سوا الحاجات النوتي اللي عملتها يا دكتور حاتم يا متصابي؟"
بدأ جسده يتحرك بعصبية، محاولًا التملص من الحبل، لكن العقد المحكمة كانت أقوى. تابعت رحمة كلامها، صوتها صار أكثر حدة:
- "بتستدرج البنات الصغيرين اللي المفروض طالباتك وتسلبهم برائتهم... وعندك حوالي أربع أطفال غير شرعيين من بنات قد بناتك... وكمان متبرّي منهم وعايش دور والله ما ولادى... ودّيت بنت من ضحاياك لدكتور صاحبك يعملها عملية إجهاض، ونزفت لحد ما ماتت... وأهلها سكتوا بشوية فلوس عشان ما يتفضحوش... ياااه، ده أنت أوطى وسخ قابلته... ودا غير طبعا تحرشك بالعمالات عندك في البيت!"
ظل يستمع إليها صامتًا، وكأن قطا ابتلع لسانه، كل ما يفكر فيه هو الخوف وكيفية النجاة. لكنها لم تترك له مجالًا للتفكير؛ نفذت عليه جميع أنواع العذاب التي قد تخطر على البال... صعق بالكهرباء، حرق بالنار، جروح متفاوتة في جسده تنزف ببطء.
وبعد ساعات، نظرت إليه بشفقة زائفة وقالت بصوت بارد:
- "هديك فرصة تهرب... إيه رأيك؟"
أومأ برأسه فورًا، عاجزًا عن الكلام بسبب شريط اللصق على فمه، وإرهاق جسده بفعل المهدئ الذي كانت قد حقنته به. بدأت تفك وثاقه ببطء، وهي تعلم أنه غير قادر على المقاومة. نهض متمايلًا، يشعر وكأن العالم يدور من حوله.
انتزعت رحمة الاصق من على فمه، فخطى بضع خطوات نحو الباب، لكن جسده خانه، فسقط على الأرض. بدأ يزحف للخلف، عينيه لا تفارقان خطواتها وهي تتقدم نحوه.
ركعت بجواره، واقتربت حتى صارت على مستوى وجهه، مدّت أصابعها تلامس جبهته، وانزلقت برفق على بشرته حتى وصلت إلى عنقه، ثم همست:
- "تحب تموت مدبوح ولا مطعون؟"
رد بصوت متثاقل، كأنه نسي كيف يتحدث:
- "ارحميني... أرجوكي... مش عاوز أموت."
ضحكت بصوت عالٍ:
- "اسمي رحمة... بس مفيش جوايا ذرة رحمة."
في لحظة، أخرجت سكينًا حادًا كانت تخفيه خلف ظهرها، وعندما رآه اتسعت عيناه وفتح فمه محاولًا الصراخ، لكن يدها كانت أسرع؛ سحبت السكين بسرعة، مزّقت عنقه بسحبه قاطعة، لتظل ملامح الذعر عالقة على وجهه حتى بعد أن سقط جسده على الأرض، غارقًا في بركة من الدماء.
أخرجت منديلًا حريريًا، الذى مسحت به دموع زميلتها التي أبكاها صباحًا، ثم مسحت به سن السكين من الدم، وألقته على جثة القتيل قائلة:
- "ما بحبش أسيب سكينتي ملوثة."
تجولت بنظرها في المكان، تبحث عن شيء يثير شغفها لتوثق به هذا اليوم برسمه . فوق طاولة المكتب وجدت تمثالًا صغيرًا لامرأة تجلس واضعة كفها على خديها، والدموع تنحدر من عينيها، وقد تناثر عليه بعض الدماء التي تطايرت من المقتول. حدقت فيه بتمعن، ثم التقطت له صورة، ووضعت الهاتف في حقيبتها.
نظرت نحو الجثة بابتسامة جانبية:
- "لو ألاقي لون روج قريب من لون الدم ده... هيبقى تحفة أوي."
ثم استدارت نحو الباب، تمشي بخطوات واثقة، يتفاخر كعبها الأحمر القاتم بصوته في أرجاء المكان، فتحت الباب، وخرجت.
قصه "الملك والمنديل الحرير"
في قديم الزمان، كانت هناك مملكة عظيمة الشأن، يحكمها ملك جاوز الأربعين. كان الناس يهابونه كما يهابون العاصفة، وكانت الفتيات الصغيرات ينظرن إليه بعيون حالمة، إذ اعتدن أن يختار كل حينٍ فتاة جديدة تكون عشيقته المقرّبة.

كثيرات هنّ زوجاته وجواريه، غير أن قلبه لم يكن يشبع إلا بجمال الفتيات في ربيع أعمارهن. وكان له عُرف غريب: إذا مرّ بموكبه في الأسواق، رمق وجوه الفتيات واحدةً واحدة، فإذا استهوت قلبه إحداهن ألقى إليها منديلًا حريريًّا، فتكون هي المختارة، وتُقاد إلى قصره بين حرسه الصارمين.
وذات يوم، التقت عيناه بفتاة لم يرَ مثلها من قبل: عيناها خاطفتان كوميض البرق، تمشي بخطى هادئة، كأنها لا تبالي بجلال موكبه. ألقى إليها بمنديله الحريري، فارتجف قلبها فرحًا، وأخذها الحرس إلى قصره.
هناك، أغدق عليها المدائح والغزل، يومًا بعد يوم، حتى ظنّت أنها ليست كغيرها، بل إنها ستكون ملكة البلاد. أعطاها الوهم في كأس من حرير، حتى ارتوت به، ولم ترَ غيره.
لكن حين لمح وجهًا أجمل، تركها كما يترك العابر ظلّه، وألقاها في غرفة ضيّقة بالية، بلا نافذة ولا زينة. ذبلت الفتاة يومًا بعد يوم، تذرف دموعها، تمسحها في المنديل الذي ألقاه إليها، حتى صار المنديل مشبعًا بالملح والوجع.
وفي ليلة غاب عنها القمر، واستبدّ الظلام، وجدوا الملك مذبوحًا على سريره، وبجانبه منديل حريري مبتلّ بالدموع.
ومنذ ذلك الحين، يتناقل الناس حكاية الملك الذي ظنّ أن النساء زهور تُقطف وتُرمى، حتى جاءته زهره ذابلة قتلته بأشواكها.
---------
بعد يومين من حادثة مقتل الدكتور حاتم
ذهبت رحمة إلى الجامعة.
منذ أن نزلت من السيارة وحتى وصلت إلى حرم الجامعه، كانت أذنها تلتقط همسات الطلاب، أحاديث متقطعة عن الجريمة التي هزت المكان. لم تلمح في وجوههم أي أثر للحزن على رحيله، بل على العكس؛ هناك من أبدى شماتة واضحة، وآخرون استرجعوا بعض فضائحه، والبعض تساءل ببرود: "مين هيشرح لنا المادة بعده؟"، بينما انشغل آخرون بسرد تفاصيل بشعة عن طريقة موته.
كانت رحمة تستمع إليهم وفي داخلها رغبة قويه أن تصرخ بفخر: "أنا اللي قتلته". شعور بالانتصار والفخر، لكنها كتمته وراء نظرة هادئة.
وبينما كانت تخطو ، وقع بصرها على فارس...
فارس... صديق جيهان المقرب منذ الطفولة، وجارها في الحي، عرفته جيهان على رحمة في السنة الأولى من الجامعة.
شاب وسيم، بشرته قمحاويه، عيناه عسليتان ، ورموشه الكثيفة وحاجباه المرسومان تضفي عليه مزيدا من الوسامة. جسده رياضي، طويل القامة، وفي نظر كثيرين نموذج للجاذبية.
أعجب بها منذ أول لقاء، لكن رحمة كانت معروفة برأيها الحاد في الرجال. ما كان يثير دهشتها أنه يعرف عنها كل شيء، حتى ما لم تقدر ان تبوح به لصديقتها الأقرب، جيهان.
اقترب منها وسط الزحام، عيناه، التي انعكست عليها أشعة الشمس، تتشبثان بوجهها. التقت نظراتهما، فتقدمت نحوه وعلى وجهها ابتسامة عريضة.
قالت ممازحة:
- شوفتني في حلمك ولا إيه؟ بتبصلي كده ليه؟
ابتلع فارس ريقه بصعوبة ورد بصوت متوتر:
- إنتي اللي عملتي كده؟
رحمة، وهي تضحك بخفة:
- آه، أنا... بجد سعيدة، حاسة إني زي الفراشة النهارده.
- هو إنتي ما ينفعش تبقي سعيدة غير لما تعملي كده؟
أمسكته من يده وسحبته برفق نحو مكانها المفضل في الكافتيريا، حيث يمكنهما الحديث بعيدًا عن آذان الطلاب المتطفلة. أجلسته على الكرسي كما لو كان طفلًا صغيرا، بينما استسلم لها بلا مقاومة... هل كان هذا بسببه الحب؟ أم أن هناك بعض الخوف منها؟
جلست أمامه، مالت نحوه وقالت بنبرة يقين:
- أنا نهايتي على إيدك... أنا عارفة.
ابتسم بسخرية مريرة:
- على أساس إن اللي بتعمليه ده نهايته مش هتبقى وحشة؟
- آه، عارفة... بس المهم ما تكونش على إيد راجل.
- إنتي بتتكلمي جد؟ ده بس اللي فارق معاكي؟!
- أيوه، ده اللي فارق معايا.
ثم همست، وهي تقترب أكثر، بعينين يملؤهما التحدي:
- ما عنديش مشكلة يلفوا حبل المشنقة حوالين رقبتي... بس أكون انتقمت من أكبر عدد من الرجالة الوسخين.
همس فارس بدوره، محاولًا إقناعها:
- رحمة، أنا مش عارف ليه بستر عليكي... بس نفسي تبطلي اللي بتعمليه، وقفي لحد كده، وتوبي... يمكن اللي فات يتنسى وتعيشي حياة طبيعية.
ضحكت ببرود:
- عمري ما هوقف... يوم ما ابطل هروح أسلّم نفسي وأقولهم أعدموني، بس عارف؟ هاشترط شرط واحد.
- إيه هو الشرط؟
- إن يكون حبل المشنقة من الحرير... ههههه.
- إنتي بتهزري يا رحمة!
- بقولك إيه... انهي الكلام، جيهان جاية علينا.
كانت جيهان تقترب بخطوات سريعة، ورأتهم يتحدثان بهمس، فاشتعلت الغيرة في صدرها. فهي تكن لفارس مشاعر منذ زمن، لكنه لم يرها ابدا إلا كصديقة طفولة. اقتربت من الطاولة، وبمجرد أن لمحاها، ابتعدا تدريجيًا واستقاما في جلستهما.
قالت بلهجة مازحة تخفي وراءها فضولًا:
- أحُم... بتتوشوشوا في إيه من ورايا يا أساتذة؟
ردت رحمة بهدوء:
- بنكلم عن قتل الدكتور.
تجمد فارس في مكانه، ظنّ أنها ستبوح بأنها الفاعلة، لكن رحمة لم تكن بتلك الحماقة.
قالت جيهان:
- آه؟ بتقولوا إيه بقى؟
رحمة، بابتسامة مصطنعة:
- بنقول إنه صعبان علينا... يا حرام، كان راجل ونِعم الرجال.
أخرج فارس زفيرًا محمّلًا بالارتياح وأضاف:
- آه... وكنا بنفكر مين هيمسك المادة بعده.
نظرت جيهان بينهما بتمعّن، لم تقتنع تمامًا، كان إحساسها يخبرها أن شيئًا ما يُخفى عنها. لكنها اكتفت بابتسامة متكلفة وقالت:
- طيب، يلا نطلب حاجة نأكلها، عشان ما فطرتش، وبعدين ندخل المحاضرة... خلاص قربت تبدأ.
ابتسمت رحمة:
- أوك، تمام.
لكن قبل أن تنادى النادل لتطلب، اهتز هاتفها برسالة. نظرت إليها... كانت من فارس: "هنكمّل كلامنا بعد ما نخرج... بس بعد ما جيهان تروح".
رفعت عينيها نحوه وابتسمت، فالتقطت جيهان تلك النظرة، فاشتد ضغط ظافرها في بطن كفها تحت الطاولة ، محاولة السيطرة على غضبها حتى لا تكشف ملامحها.
جلست تتظاهر بالابتسام لهم وهي تستمع للحديثهم معت، بينما عينيها تراقب كل حركة. كانت ترى بوضوح كيف تلمع عيون فارس حين ينظر لرحمة، وكيف يتحدث معها بشغف، و يضحكان معًا... فتسأل نفسها: كيف لرحمة، التي تكره جميع الرجال كما أخبرتها سابقا، أن تستثني فارس هكذا؟ أم أن قلبها، رغم كل شيء، يخبئ مشاعر لا تريد الاعتراف بها؟
-----
بعد يومٍ جامعيٍّ طويلٍ أنهك أجسادهم وعقولهم، كانت رحمة وجيهان قد أنهتا محاضراتهما باكرًا، إذ كانتا تدرسان الأدب في كلية الآداب، غير انّ تخصصهم يختلف عن تخصص فارس، لذلك خرجوا قبله ..
توقفو في ساحة الحرم الجامعي، والنسيم الخفيف يمر بينهما، حين بادرت جيهان الحديث، وهي تنظر في أرجاء المكان باحثة عن فكرةٍ تكسر روتين اليوم:
ــ "إيه رأيك نستنى فارس ونخرج سوا نتغدى؟"
رحمة، التي بدت ملامح الإرهاق واضحة على وجهها، أجابت وهي تزفر تعبًا:
ــ "مليش مزاج... أنا عاوزة أروح آكل حاجة سريعة وأنام."
نظرت جيهان إلى عينيها وكأنها لا تصدق أن رحمة ترفض الخروج معها، ثم قالت مستسلمة:
ــ "تمام... ماشي، مش مشكلة، نعوضها يوم تاني."
وفجأة، جاء صوت مألوف من خلفهما:
ــ "إيه الأخبار؟"
كان فارس يقترب بخطوات سريعة، وعلى وجهه ابتسامة معتادة.
بادرت رحمة بالإجابة:
ــ "تمام، جيجي كانت عاوزانا نخرج سوا نتغدى، إيه رأيك؟"
رد فارس دون أن يفكر كثيرًا، وكأنه يبحث عن حجه :
ــ "مش إحنا اتفقنا... أقصد، مش أنا قلتلك إني هستنى مع صحابي عشان رايحين نزور واحد صاحبنا تعبان."
ضحكت رحمة بخفة على طريقته المرتبكة، وقالت:
ــ "وأنا مروحة أنام... سلام."
جيهان، التي التقطت بنظرتها ما بين السطور، وقفت صامتة للحظة، ثم ابتسمت ببرود وقالت:
ــ "تمام، وأنا هروح أتغدى وألعب ببجي."
ودّعوا بعضهم البعض، ثم مضت رحمة لتستقل سيارة أجرة، بينما قالت جيهان إنها ستذهب إلى الموقف لتركب ميكروباص. وقف فارس يلوّح لهما حتى ابتعدتا عن أنظاره، ثم ما إن غابت جيهان عن مجال رؤيته حتى لوّح لسيارة أجرة أخرى، واستقلها متجهًا خلف رحمة.
لكن جيهان، التي لم تتركه من مراقبتها، كانت تتابع المشهد من بعيد. ارتجفت في صدرها مشاعر متناقضة؛ الغيرة، الشك، والخذلان. سألت نفسها بصوت مكتوم: "هل أصبحت دخيلة بينكم الآن؟ أنا التي كنت حلقة الوصل بينكما، هل تكرهانني الان؟"
بينما كانت أسئلتها تشتعل في عقلها، وجدت نفسها أمام مفترق قرار: إما أن تذهب خلفهما لتواجههما ، أو أن تعود إلى بيتها، تنغلق على نفسها في غرفتها وتبكي حتى تهدأ.
لكنها في النهاية، وبدافع لم تفهمه تمامًا، رفعت يدها لتوقف سيارة أجرة، وقالت للسائق بصوت ثابت يخفي اضطرابها:
ــ "ورا العربية اللي قدامك."
---
وصلت رحمة إلى شقتها في ذلك الحي السكني المتواضع؛ مبنى قديم ولكنه هادئ، وأصوات الحياة فيه تتسلل عبر النوافذ والأبواب . لا أحد من زملائها في الجامعة او جيرانها يعلم عن باقي الشقق التي تملكها، وهي تحب أن تبقى تلك الأسرار بعيدة عن الألسنة والعيون.
صعدت الدرج بخطوات معتادة، حتى التقت بجارها وزوجته وهما ينزلان. القت التحيه بابتسامة مصطنعه وصوت خفيف، لكن في داخلها قالت بوعيد: "ليك يوم... يا اللي في بالي."
أدخلت المفتاح وفتحت الباب لتدخل، وقبل أن يغلق تمامًا، جاءها صوت مألوف من خلفه. التفتت، لتجد فارس واقفًا أمامها. أعادت فتح الباب ، ونظرت إليه باستفهام:
- «إيه جابك يا ابني؟ مش كنت قايل رايح مع صحابك؟»
قال ببعض الغضب اثر سؤالها المستفز ،
- «وحياة أمك مش إحنا متفقين؟»
ضحكت رحمة، وكأنها تسخر من نبرة صوته:
- «فكرتك غيرت الخطة... اتفضل ادخل، أما أنا أروح أغير هدومي و نعمل حاجة ناكلها.»
تردد و صوته فيه حرج واضح:
- «هتدخلي تغيّري؟!»
- «أيوه.»
- «وأنا هنا؟»
- «هو أنا هغيّر في الصالة يا فارس؟ بقولك إيه، روح... مش ناقصة غباء.»
قال سريعا :
- «لا لا خلاص أنا آسف. وإيه رأيك يا ستي أجهز أنا حاجة ناكلها على ما تخلّصي؟»
- «أيوه كده، اضبط نفسك... ولا إنت خايف؟»
ضحك فارس، ضحكة أرادها واثقة لكنها خرجت خفيفة:
- «أخاف من إيه...»
- «ولا حاجة... ادخل.»
دخل بخطوات مترددة، فهما اعتادا اللقاء هنا، لكن دائمًا بوجود جيهان. لم يستطع أن يكذب على نفسه؛ في داخله كان هناك شيء يشبه الحذر... أو ربما القلق.
وضع حقيبة ظهره على الأريكة، وتركها تسقط ببطء، ثم اتجه نحو المطبخ. رحمة بدورها أغلقت باب غرفتها خلفها، واتجهت إلى الحمام لتستحم وتبدل ملابسها.
في المطبخ، أخذ فارس يفتح الخزائن والثلاجة بعين فاحصة؛ يبحث عن شيء يمكن أن يعده. كان الهدوء يملأ المكان إلا من صوت المياه المتدفقة خلف الباب المغلق.
بعد بضع دقائق، رن جرس الباب. توقف فارس عن الحركة، وألقى نظرة نحو باب الحمام، ثم اتجه إلى الباب بخطوات سريعة، محاولًا أن يبدو طبيعيًا. وفتح الباب...
وعندها تجمدت ملامحه، وانعقد حاجباه في صدمة:
- «جيهان؟!»
اندفعت جيهان بخطوة سريعة، دفعت الباب بيدها وهي تقول:
- «آه جيهان... وسّع كده.»
دخلت دون تردد، خطواتها حادة كأنها تعلن الحرب، وعيناها تتفحصان المكان بحدة. وفي تلك اللحظة، خرجت رحمة من غرفتها، شعرها يقطر ماء، ومنشفة بيضاء تلتف حوله. توقفت لثوانٍ وهي تلمح جيهان، قبل أن تبتسم بابتسامة دافئة :
- «جيجي! نوّرتى يا حبيبتي... كنا لسه هناكل.»
لكن جيهان لم تتأثر بابتسامتها، وصوتها جاء متوتراً وفيه نبرة عتاب لاذع:
- «والله بجد؟ مش انتى كنتي تعبانة وعاوزه تنامي؟!... وإنت كنت رايح تزور صاحبك العيان.»
أجاب فارس وهو يتجنب النظر في عينيها مباشرة:
- «ما... صحابي لغوا المشوار، فكلمت رحمة نتقابل... قالتلي تعالى هنا.»
رحمة، على العكس، أجابت بثقة وهدوء مفتعل:
- «وأنا زي ما قلتلك... في البيت أهو. مالك يا جيجي؟ مكبّرة الموضوع ليه، كإنك قفشانا متلبسين؟!»
جيهان، وشفتيها تضغطان على بعضهما، ردّت بحزم:
- «أيوه... متلبسين.»
ارتفع صوت الاثنين معاً بدهشة:
- «إييه؟؟!»
قالت جيهان، وصوتها يختنق بالبكاء:
- «متلبسين بخيانتكم لصداقتنا! طلعتوني بره الدايرة... وتتقابلوا من ورايا... وتخبّوا عليا حاجات!»
ثم انهارت دموعها، وانكسر حاجز الغضب، فأسرعت رحمة نحوها، احتضنتها بقوة وهمست:
- «بس بس بس... كل ده جواكي؟ متزعليش... أنا هقولك على كل حاجة مخبينها عنك، بس بفكّرك... انتى اللي هتندمي.»
ابتلع فارس ريقه ببطء، قلبه يضرب بسرعة، وفكر في داخله بقلق: "يا بنت المجنونة... هتقوللها إيه؟"
أجلست رحمة جيهان على الأريكة، وقدّمت لها كوب ماء. التقطت جيهان الكوب، لكنها لم تشرب، بل رفعت عينيها مباشرة إلى رحمة:
- «قولي... إنتو مخبّيين إيه عني؟ وقوليلي... هو إنتو مبقتوش تحبّوني؟»
ثم وجهت السؤال إلى فارس أيضاً، وكأنها تحاكمهما معاً.
ابتسم فارس محاولاً تخفيف الموقف:
- «بطّلي يا نكدية بقى... لو مش هنحبك انتى، هنحب مين؟»
جلس بجوارها، مد يده يمسح دموعها برفق، وصوته تلون بالحنين:
- «ده انتى صحبت عمري... وجارتي من وأنا قد كده.»
تسللت ابتسامة خفيفة إلى وجه رحمة رغم كرهها لأن تكون سببها كلمات رجل، بينما كانت جيهان تشعر بوخزة في قلبها حين سمعته يصفهما بـ"أصدقاء".
قائله «آه... أصدقاء طفولة وجيران... تقومو تخبوا عليا حاجات... وتتقابلوا من ورايا.»
اقتربت رحمة، وجلست أمامها على ركبتيها، وعيناها تلمعان:
- «أنا خلاص... قررت أعترفلك يا ستي.»
رمقها فارس بنظرات تحذيرية، يغمز خفية، لكن رحمة تجاهلت تحذيره وأكملت:
- «بصي يا ستي... بصراحة ومن غير لف ودوران... إحنا كنا بنتوشوش ونتكلم من وراكي عشان بنخطط لحفلة عيد ميلادك اللي بعد عشر أيام.»
اتسعت عينا جيهان بدهشة، بينما حدق فارس في رحمة بإعجاب ممزوج بالارتياح؛ لقد ظن للحظة أنها ستكشف أموراً أعمق، لكنها حولت الأمر بخفة ودهاء إلى قصة بريئة.
قفزت الفرحة إلى وجه جيهان، وصوتها امتلأ بالأسف:
- «أنا آسفة... بوظت عليكم الخطة... وحرقت على نفسي المفاجأة كنتى قولتى اى حاجه تانيه.»
ضحكت رحمة:
- «وإنتى كنتى هتصدقي يا خلبوصه انتى اللي عايشة دور المحقق كونان وعماله تدوري ورانا.»
ضحك فارس بدوره:
- «بوّظتي على نفسك المفاجأة... يلا مش مشكلة، كل سنة وانتى طيوبه يا جيجي.»
عانقتهم جيهان الاثنان بقوة، غير مدركة أنها وقعت في شبكة حيلة صغيرة حيكت في ثوانٍ.
بعد أن هدأت الأجواء، قال فارس وهو ينهض:
- «هروح أكمل الأكل.»
- «وأنا... هختار حاجة نسمعها على الشاشة.» ردت جيهان.
سألت رحمة:
- «إنت هتطبخلنا إيه؟»
- «هعمل مكرونة وايت صوص.»
- «تمام... وأنا هنزل أشتري ساقع وشيبس وشوية حلويات.»
- «أهم حاجة ما تجيبيش حاجة مقاطعة.» قالت جيهان.
- «آه طبعاً... ما تقلقيش.»
قال فارس بعد تردد:
- «طيب... أنا هاجي معاكي.»
لكن رحمة ردت بسرعة، حتى لا تعيد إشعال غيرة جيهان:
- «لا... أنا هروح وأجي بسرعة، خليك هنا تطبخ لحد ما أرجع... أنا ميتة من الجوع.»
أجاب بصوت منخفض فيه خيبة:
- «آه... تمام ماشي.»
التقطته جيهان بنظرة فاحصة، وكأنها تقرأ دواخله وتدرك تعلّقه برحمة.
دخل فارس إلى المطبخ، بينما لحقت به رحمة لتأخذ حقيبة السوق. وعند الباب، استغل اللحظة وهمس:
- «أنا قلبي اتخطف لما قولتى لها: هقولك على كل حاجة.»
ابتسمت رحمة ابتسامة قصيرة:
- «طب وطي صوتك... إحنا ماصدقنا راضيناها.»
- «هو انتى بجد حضرتي حاجة لعيد ميلادها؟»
- «آه طبعاً... دي البيست فريند.»
- «طب الحمد لله... ملناش نصيب نتكلم.»
- «ليه... روق إنت... وإحنا مع بعض أهو... هنروح من بعض فين يا روسه.»
خرجت من المطبخ، وخطواتها واثقة، بينما عيناه تتبعانها حتى اختفت. كان يعلم أن ما يفعله خطأ، لكنه لم يهتم. ما يهمه أن يكون هو الرجل الوحيد الذي تثق به، وأن يملك مفاتيح أسرارها، جعله يشعر أنه يقف على قمة جبل السعادة...
لم يكن يهمه أبداً إن كانت قاتله... أو حتى سفاحة.
فيتذكر حينها ذلك اليوم ..
......يتبع
اكتبو رايكو فضلا ♥️
تقيكم بيشجعنى ..