الغريب في الغرفة البيضاء
استيقظ آدم على رائحة المعقم، وضوء أبيض يغمر الغرفة كأنه نهارٌ بلا شمس. حاول أن يتحرك، لكن ذراعه كانت مربوطة بأنبوب بلاستيكي، وشيء بارد يسري في عروقه. شعر بصداعٍ ثقيل، وعقله يحاول تجميع ما حدث… الشارع، الضوء الأحمر، الصدمة… ثم ظلام طويل.
رفع رأسه بصعوبة، رأى السقف الأبيض فوقه ساكنًا بلا رحمة، والجدران تتنفس بصمت كئيب. التفت نحو الجهة الأخرى من الغرفة فرأى رجلاً مسنًّا يجلس على السرير المقابل، يحمل كتابًا صغيرًا في يده، يقرأ وكأن العالم كله متوقف عند السطر الذي أمامه.
حين لاحظ الرجل نظرات آدم، ابتسم بهدوء وقال:
“أخيرًا استيقظت. ظننتك ستبقى في نومك طويلاً.”
أجاب آدم بصوتٍ مبحوح: “أين أنا؟”
قال الرجل: “في مكانٍ لا يزوره الناس إلا حين يوقفهم القدر قليلاً ليتفكروا… في المستشفى.”
بقي آدم صامتًا للحظات، يحاول استيعاب الأمر. لم يتذكر سوى أنه كان يسير عائدًا من العمل، شاردًا كعادته، ثم… اصطدامٌ مفاجئ، وضوء قوي.
قال الرجل العجوز مبتسمًا: “أنا يوسف، وأنت؟”
“آدم.”
ابتسم يوسف: “اسم جميل، لكنه يبدو متعبًا منك.”
لم يرد آدم. فقط أدار وجهه إلى النافذة. كان الغروب يلوّن السماء بلونٍ باهت يشبه ملامحه. شعر بأن شيئًا غريبًا في هذا الرجل يجعله مطمئنًا رغم الغرابة.
في المساء، دخل الطبيب وأخبره أن إصاباته خفيفة، مجرد كدمات وارتجاج بسيط، يحتاج إلى أيام قليلة من الراحة. بعد خروجه، عاد يوسف يتحدث وكأنه يعرف الوقت المناسب للكلام.
قال: “تعرف يا بني، بعض الحوادث الصغيرة تُحدث تغييرات أكبر من الزلازل.”
سأله آدم وهو ينظر للأرض: “كيف؟”
أجابه يوسف: “لأنها تجبرك أن ترى نفسك من الخارج. نحن لا نرى عيوبنا إلا حين نسقط، ولا نسمع أصواتنا إلا في الصمت.”
لم يعلّق آدم، لكن كلماته بقيت تدور في رأسه كجرسٍ خافت. شعر أن في هذا الرجل شيئًا يعرفه دون أن يتكلم.
في الليل، لم يستطع النوم. كان يسمع أنفاس يوسف الهادئة في السرير المجاور، وصوت المطر يطرق زجاج النافذة برقة.
تمتم آدم:
“لو كان التغيير سهلاً، لما بقي أحد عالقًا.”
لم يردّ أحد. فقط صوت المطر أجابه كأنه يقول له:
“لكن البداية دائمًا نقطة سقوط.”
أغمض آدم عينيه، فبدأ يرى حلمًا غريبًا. كان يسير في ممرٍ طويل مظلم، يسمع خطواته تتردد، وفجأة رأى طفلًا صغيرًا يشبهه، يقف في نهاية الممر وينظر إليه بخوف. مدّ الطفل يده وقال بصوتٍ مرتجف:
“لا تتركني هنا، أرجوك.”
اقترب آدم، لكنه حين كاد يلمس يده، استيقظ فجأة، قلبه يخفق بشدة، وقطرة عرق باردة انزلقت على جبينه.
رفع رأسه نحو السقف وهمس لنفسه:
“من أنت؟ ولماذا يبدو وجهك مثل وجهي وأنا صغير؟”