البيت الذي لا ينام 🕯️
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا، حين استيقظ عبد الوهاب على صوت خفيف قادم من غرفة المعيشة.
فتح عينيه ببطء، الجو كان ساكنًا إلا من خرير المطر المتواصل.
مد يده نحو المصباح الجانبي… لكنه لم يعمل.
نزل من السرير بخطوات حذرة، وكلما اقترب من الباب، كان الصوت يزداد وضوحًا —
صوت بكاء طفل.
توقف أمام الباب، ثم همس لنفسه:
> "منار؟ مستحيل…!"
فتح الباب ببطء، والبرد ضرب وجهه.
كانت الأنوار مطفأة، لكن الضوء الخافت المنبعث من نهاية الممر كان يشير لشيء يتحرك ببطء.
اقترب… ليجد عند الكرسي الخشبي الصغير فانوسًا أصفر، يضيء وحده،
وأمامه دمية قديمة تميل برأسها، كأنها تراقبه.
صوت خافت خرج من العدم:
> "أنت دخلت الباب الخطأ يا عبد الوهاب…"
تراجع بخطوة، وفجأة أُغلِق الباب خلفه بقوة جعلته ينتفض.
الغرفة امتلأت بالهواء البارد، والستائر بدأت تتحرك كأن الريح تمر داخل البيت.
اقترب من الفانوس ببطء، رفعه بيده، وفجأة اشتعلت جدران الغرفة بأسماء محفورة بخط غريب —
كلها أسماء أطفال مفقودين.
تجمد الدم في عروقه، حين رأى آخر اسم في الأسفل:
> "منار عبدالوهاب"
---
في الصباح، اجتمع الأصدقاء الأربعة مرة أخرى:
عيسى، ياسين، وليد، وعبدالوهاب.
جلسوا في بيت وليد، وهو أكثرهم هدوءًا لكن نظراته دومًا عميقة، فيها خوف لم يتكلم عنه يومًا.
قال ياسين وهو ينظر إلى عبد الوهاب:
> "قلت إنك رأيت اسم ابنتك مكتوبًا في البيت؟"
رد عبد الوهاب بصوت خافت: "ما كنت أتخيل يا ياسين… الاسم كان منقوش بالنار، كأن أحدهم كتبه وهو يتألم."
أخذ وليد نفسًا عميقًا، وقال:
> "أنا وجدت شيئًا الليلة الماضية في الملفات المحذوفة من جهاز الوزارة."
فتح اللابتوب، وعرض صورة لرجل يرتدي معطفًا أبيض وملامحه غامضة.
قال:
"هذا هو الدكتور إلياس رمّاد، العقل الذي قاد مشروع (الرماد الحي)... قبل أن يختفي سنة 2015."
عيسى أضاف بصوت ثقيل:
> "وآخر مكان شوهد فيه… نفس البيت الذي دخلته يا عبد الوهاب."
---
بينما هم غارقون في النقاش، رنّ هاتف عبد الوهاب.
الرقم نفسه — المجهول.
تردّد لحظة، ثم أجاب:
> "من أنتِ؟ ولماذا تتصلين بي؟"
صوت الأنثى جاء هذه المرة أوضح، لكنه مشوش كأنها تتحدث من تحت الماء:
> "أنتم تبحثون عن النور… لكن الطريق مليء بالرماد.
البيت لا ينام لأن الأرواح لم ترتَح بعد."
قبل أن يتمكن من الرد، انقطع الاتصال، وظهرت رسالة على هاتفه:
> "تحت الطابق السفلي… ستجد الحقيقة."
---
في تلك الليلة، قرر الأربعة العودة إلى البيت المهجور.
الريح كانت تصفر بين النوافذ المحطمة، والليل ثقيل كأن السماء نفسها تراقبهم.
دخلوا حاملين مصابيح صغيرة، والغبار يتطاير من تحت أقدامهم.
قال وليد وهو يمرر ضوء المصباح على الجدار:
> "انظروا هنا… علامة غريبة تشبه العين داخل دائرة."
رد عيسى: "هذه العلامة وجدتها في ملفات الدكتور إلياس، رمز (العين الساهرة)... كانوا يستخدمونها في تجارب الوعي الروحي."
تقدّم عبد الوهاب نحو الأرضية، وسمع صوت طقطقة خفيفة.
ضرب الأرض برجله، فتكوّن شق صغير، فرفع اللوح الخشبي…
وكان تحته باب معدني صغير عليه نفس الرمز.
فتح الباب، ونزلوا عبر سلم ضيق يقودهم إلى طابق سفلي مظلم.
كل خطوة كانت تصدر صدى طويلًا كأن المكان لا نهاية له.
عندما وصلوا للأسفل، وجدوا غرفة ضخمة مليئة بأجهزة قديمة، وأنابيب زجاجية بداخلها سائل غريب يتوهج بضوء رمادي.
وقف عبد الوهاب أمام واحدة منها،
وفجأة… تحرك شيء داخل الأنبوب.
اقترب أكثر، ورفع المصباح،
ثم شهق الجميع في لحظة واحدة —
داخل الأنبوب… كانت منار، عيناها مفتوحتان، كأنها حيّة،
وتمسك بيدها فانوسًا أصفر صغيرًا.
---
صرخ عبد الوهاب وضرب الزجاج بكل قوته،
لكن الصوت الذي خرج من السماعات المثبتة في الجدار أوقفه:
> "مرحبًا بكم في التجربة الأخيرة، أيها المختارون.
كل ما ظننتموه ميتًا… ما زال يتنفس."
أضاءت كل الأنابيب دفعة واحدة —
في كل أنبوب، كان هناك طفل…
كلهم يحملون نفس ملامح منار.
---
هربوا باتجاه السلم، لكن الباب الحديدي أغلق من فوقهم.
صرخ عيسى وهو يضرب الباب:
> "مافي طريق للخروج!!"
قال ياسين وهو ينظر حوله:
> "انظروا للجدار هناك! في لوحة معدنية!"
اقتربوا منها، ووجدوا كتابة محفورة تقول: “لكي يخرج النور، يجب أن يشتعل الرماد أولًا.”
في تلك اللحظة، بدأ صوت صفير حاد يملأ المكان، والأضواء تحولت إلى اللون الأحمر.
أحد الأجهزة بدأ يغلي، والزجاج يتشقق.
صرخ وليد:
> "انفجار!! الكل للخلف!!"
اندفعوا نحو الركن البعيد، والانفجار هزّ المكان بقوة،
والدخان غطّى كل شيء، وصوت عبد الوهاب فقط يُسمع وهو يصرخ باسم ابنته:
> "منار!!!"
ثم ظلام… وسكون تام.
---
بعد دقائق طويلة،
فتح عبد الوهاب عينيه وسط الركام، وجد نفسه في الخارج،
والبيت خلفه تحول إلى رماد فعلاً.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقه…
هو الفانوس الأصفر الذي وُضع بجانبه، مضيئًا لوحده.
ورقة صغيرة كانت تحته مكتوب فيها بخط منار:
> "أبي… أنا لست هنا. أنا في التجربة القادمة."