الجزء الخامس
الليل كان طويل بشكل غير طبيعي، وكأنه يرفض ينتهي. جلست على سريري، ظهري للحائط، أتنفس بصعوبة. الصوت اللي سمعته عند النافذة كان ما زال يتردد في أذني مثل همس الريح في كهف مظلم. فتحت هاتفي بسرعة وبعثت رسالة لفهد:
– «سمعته مرة ثانية… هو عندي.»
ما ردّ.
انتظرت دقيقة… دقيقتين… خمس.
النافذة كانت نصف مفتوحة، والهواء يدخل منها بارد، يلسع بشرتي. قمت أغلّقها لكن قبل ما أمد يدي، شفت الضوء الأصفر من بين الستارة… نفس الضوء اللي في الصحراء.
همست:
– «لا… مو هنا!»
صوت طرق خفيف على الزجاج: تك… تك… تك…
كأن أحد يطلب يدخل. قلبي صار يدق بشكل مؤلم. رفعت الستارة ببطء… ما فيه أحد. بس الفانوس الأصفر معلق في الهوا قدام النافذة، يلمع ويختفي ويطلع دخان أسود خفيف.
تراجعت خطوتين، وسمعت الصوت:
– «يوسف… افتح لي… الليل ما ينتهي إلا بي.»
صرخت:
– «ابتعد عني!»
وبلحظة، سقط الفانوس على الأرض بدون ما ينكسر، واختفى النور، لكن الغرفة بردت بشكل مو طبيعي، كأنها قلب صحراء في عز الليل.
دخل فهد الغرفة فجأة، وجهه شاحب، عيونه حمراء من السهر:
– «يوسف… لازم نروح الحين.»
قلت وأنا أرتجف:
– «وين؟»
قال بصوت واطي:
– «للشيخ… في واحد يعرف كيف يوقفه. قال لي إنك إذا ما لحقت، أبو فانوس بياخذك في المنام… ويخليك ما تصحى أبد.»
لما قالها، شعرت كأن الأرض انزلقت من تحت رجولي. لبست بسرعة، وطلعنا من البيت قبل ما حتى أمي تحس. الشارع كان فاضي، وهدوء الفجر يضغط على صدورنا.
ركبنا السيارة، الطريق طويل، وفهد ساكت طول الوقت. حاولت أفتح فمي أتكلم لكن حسيت كأن في شيء ماسك لساني.
بعد ساعة، دخلنا طريق ترابي يودي لقرية قديمة على أطراف الجبل. هناك بيت صغير مهجور إلا من ضوء مصباح زيتي. وقف فهد وقال:
– «هو هنا.»
نزلنا من السيارة، والهواء صار أثقل، كأننا دخلنا عالم ثاني. قبل ما نطرق الباب، انفتح من نفسه، وطلع رجل عجوز، عيونه غريبة، لونها مثل لون الرمل بعد المطر، وقال:
– «أعرف ليش جيتوا… وأعرف مين يتبعك.»
قلت بارتباك:
– «تقدر توقفه؟»
ابتسم العجوز ابتسامة باردة:
– «ما في شيء يتوقف… لكن في شيء ينكسر. روحك لازم تقوى قبل الليل الجاي… وإلا الفانوس بياخذها.»
ثم سلّمني قطعة حجر صغيرة لونها أسود عليه نقوش قديمة:
– «هذا يحميك ليلة وحدة بس. بعدين… أنت اللي تختار مصيرك يا يوسف.»
مد يده لفهد:
– «أنت لازم تبقى بعيد الليلة. أبو فانوس ما يقدر على اثنين إذا واحد منهم اختار المواجهة.»
نظرت لفهد، وهو يبلع ريقه:
– «يوسف… لا تروح له.»
لكن في داخلي كان شيء ثاني، شيء أقوى من الخوف، شيء يشدني نحو الضوء الأصفر.
رفعت الحجر في يدي، أحسست بحرارة غريبة تسري في جسمي. وسمعت همسة في أذني، همسة ما كانت من العجوز ولا من فهد:
– «الليلة… الأخيرة.»