الفصل 199
في نفس الوقت في الشقة :
زفرت مشاعل وهي تشوف أحلام جالسة بمريولها الوردي قدام الفطور وهي ماسكه جوالها وتتكلم , قالت بضيق : كم مرة قلتلك لا تتصلين من جوالي , أمس جاتني رسالة إنه حدي الإئتماني بيخلص , كله من تحت راسك وراس أختك , هاتي الجوال ..
ناولتها أحلام الجوال بلا عناد أو رجاء , استغربت عدم مقاومتها , حطت الجوال على إذنها ناوية تعتذر لصحبة أحلام لأنها بتقفل الخط وقالت بلا تردد : مرام لاحقة عليها في المدرسة إن شاء الله , تكلموا إلين يجف لسانكم ..
وصلها صوته اللي تميزه من بين مليون صوت وهو يقول : مشاعل أنا ناصر ..
حست بكل شي تجمد حولينها , الزمن , الهواء , حتى قلبها تخيلته توقف للحظة قبل ما يرجع يضرب بقوة وهي تقول بثبات : حياك الله , كيف أخدمك ؟؟
صمت ساد قبل ما يسأل : كيف حالك وكيف خالتي والبنات ؟؟
وجعتها نبرة الحنان اللي ميزتها في صوته وقالت بهدوء وبطريقة رسمية : الحمد لله , تبغى تكلم أمي ؟؟ ..
قال : إذا ماعليك كلافه ..
بعدت الجوال عن إذنها وتحركت لأمها اللي كانت تتكلم في التلفون وهي تقول : قوميها بالقوة , مو عشان مافي دراسة أول يوم ماتروح ...
مدت لها الجوال وقالت : أمي ناصر يبغاك ..
قالت سعاد لبنتها الكبيرة : أكلمك بعدين يا حنان , مع السلامة ...
وتناولت الجوال من مشاعل اللي تحركت مبتعدة وهي تسمع أمها تقول بترحاب : هلا والله , هلا ناصر , كيف حالك بشرني ؟؟ وكيف عروستك ؟؟ و ...........
مرت من عند أحلام اللي كانت تهمس لهاله ببضع كلمات اختنقت لمن شافت مشاعل , دخلت الغرفة وهي تحس باختلاط مشاعر , سحبت نفس عميـــق وخرجت على طول , انتفضوا أحلام وهاله وسكتوا لمن شافوها واقفة قدامهم , قالت أحلام باعتذار : والله شفت الرقم غريب قمت رديت و ...
قاطعتها مشاعل بابتسامة : أنا مسحت اسمه من الجوال عشان كذا يطلع رقم بدون اسم , بعدين ....
وسكتت وكملت بحماس : نروح نلعب بلاي استيشن مادام الوحوش مهم في البيت ..
ضحكت هاله وقالت : ترا صار عندك إدمان على البلاي استيشن , بعدين ورانا دوااااااااااااام ..
قالت بلا مبالاة : لسه باقي نص ساعة إلين يجي الباص ...
انتقل حماسها لهاله فقالت : يلا أنا ريال مدريد و .....
قاطعتها مشاعل : روحي الكذابة , والله ماتاخذينه , تقولين فريق مغمور هو وبرشلونة , هذي أقوى الفرق في أسبانيا ...
شهقت أحلام وقالت وهي تضحك : طاحت عليييييييييييييييييييييك ..
وقطبت هاله حواجبها وهي تسأل : وإنت اش درااااااااااك ؟؟
حطت مشاعل يدها على خصرها وقالت : زهره قالت لي ..
: واش دراها أزهار الدبببببببببببببببببببب ؟؟
ضربتها وهي تقول : لا تسبينها , وأنا أحكيها قالت لي جاسم زوجها يشجع ريال مدريد ودايم يحكيها عنه , بيكهااااااااااااام وروبينهينو وتقولين فريق مغموووووور ..
زفرت هاله وقالت : خلاص خذي ريال مدريد وأنا آخذ برشلوو ..
صوت جرس الباب خلاها تقطع كلامها وهي تقول بإحباط : جووا الوحوش ...
ضحكت مشاعل على شكلها المتحطم وقالت : خلاص إذا رجعت من المدرسة وأنا فايقة ورايقة ألعب معاك بعد ماينامون , أوكي ...
فتحت أحلام الباب لبندر اللي دخل وهو يقول : ناديلي مشاعل بسرعة ..
قالت مشاعل : خير , أنا هنا ...
قال بعجلة : جيبي شنطة أبويه , أروح أفتح لناصر باب المجلس وأجي ..
قطبت مشاعل حواجبها وتحركت لغرفة نومها المشتركة مع أخواتها وخرجت شنطة سوداء من تحت سريرها , تأملتها بصمت وذكرياتها الماضية تتدافع بشوق مؤلم , لطالما كانت كاتمة أسرار أبوها , كل ورقة بداخل هالحقيبة شرح لها أبوها حقيقتها وهو ينظمها بداخلها , حطت الشنطة على السرير و فتحتها , لقيتها تغص بالأوراق , انبعثت ريحة عطره اللي دسته في جيب الحقيبة من بعد موته و ذكرتها بمنظره وهو جالس يرتب الأوراق ويهز رأسه دلالة استماعه لمحاولاتها الشعرية , الدق على باب الغرفة المفتوح خلاها تخرج من ذكرياتها وتلتفت لبندر اللي دخل وهو يقول : أبغى صك الأرض اللي في الديرة ..
فتحت عيونها على اتساعها وصكت الشنطة وغيرت الأرقام وهي تقول بحزم : قولي ليش تبغاها أول ؟؟
طالع فيه بحدة وقال : نعم ست مشاعل ..
رمته مشاعل بنظره قوية بعد ما شافت أخواتها واقفات عند الباب بصمت وقالت : أبويه حط هالأوراق عندي وأمني عليها ووصاني ما أخلي أحد يمسك هالأوراق , قولي اش تبغى فيها ..
قال بعصبية : الأرض عليها مشاكل كثيرة , عمك مو راضي يتنازل عنها لنا يقول له نصيب فيها وإحنا بنعطي الصك لمحامي عشان يفصل في الموضوع ..
قالت : خذ نسخة من صك الأرض , الصك الأصلي لا يمكن أعطيه لأحد ..
صرخ بعصبية : ناصر قاعد يستنى وبينزل الديرة دحين , اش أقوله ؟؟
قالت وهي ترفع راسها بعناد : مالي دخل , محد قالكم تتصرفون بدون ماتقولون لي , افتح كمبيوترك و اطبع الصك بالطابعة ..
من تخطت ألمها وأزمتها اللي صارت بعد طلاقها رجع لها جزء كبير من قوة شخصيتها , كان وده يكسر راسها لكنه ما قدر , كان الكل حاضر لمن قال أبوه إن الأوراق ما تتحرك من مكانها من دون شور مشاعل , كانوا عارفين إنه في الفترة اللي كانوا فيها لاهين في حياتهم ما كان عند أبوهم إلا حبيبته مشاعل يشرح لها أموره ويشاورها فيها بحكم إنها ذات عقل راجح وإنه شخصيتها قريبة من شخصيته ..
كملت وهي ترجع تفتح الشنطة : ثاني حاجة , عمك باع نصيبه من الأرض لأبويه قبل وفاة أبويه بسنه وقبض حقه على دفعتين ..
وخرجت ثلاثة أوراق وهي تكمل : الدفعة الأولى 80 ألف استلمها عمي 30 كاش و 50 شيك والدفعة الثانية كلها كاش 60 ألف وأنا عديتها معاه بنفسي وتأكدنا منها , هذا صك الأرض وهذا المخطط حقها وهذا ..
وهزت الورقة الأخيرة وهي تقول : المبايعة اللي صارت بخط اليد لكن ماعليها شهود فيها توقيع أبوية وتوقيع عمك العلة بس ..
طالعت في ساعة يدها وقالت : بسرعة عشان الباص جاي ولازم أروح المدرسة , مو معقولة أتأخر على أول يوم ..
راح للمجلس الداخلي وفتح كمبيوتره وطبع الأوراق , أخت مشاعل الأصل ورجعتها بسرعة للشنطة اللي ما يعرف رقمها غيرها وصكتها ورجعتها تحت السرير ولبست عبايتها بسرعة لمن دق سواق الباص جوالها للمرة الثانية , راحت تدور أمها , لقيتها خارجة من مجلس الرجال ابتسمت وقالت : مع السلامة أمي ..
: مع السلامة , انتبهي لنفسك ..
خرجت وغصب عنه انتبهت لصندله البني والعسلي المجاور لصندل أخوها الأسود , تحركت نازله وهي تبتسم , طول عمره يحب اللون هذا ويكره اللون الأسود اللي يحسه معتاد , تحركت من جنب سيارته اللي شرعها لها يوم زواجهم و اللي شهدت رحلاتهم المعدودة أول أيام زواجها , بعدت نظرها عن لوحة السيارة وطلعت الباص اللي كان يغص بالأطفال اللي ما يتجاوزون المتر بأطوالهم ..
: أبلة مساااااااااعل , انتي بتصيرين أبلتي ؟؟..
التفتت وابتسمت لمن شافت ريوف طفلة كانت العام الماضي في الروضة وقالت : ما أدري , يمكن , كيف حالك ياريوووووف ؟؟ ماشاء الله اش اللبس الحو هذا ؟؟ ولمن دبت الغيرة في بقية الأطفال وكل منهم يحاول يلفت انتباهها للبسه قالت وهي تضحك : وااااااااو , وكل الأطفال ملابسهم حلوة كمان ..
وبدأت تعلق عليهم واحد واحد بالاسم , والوجوه الجديدة كانت منكمشة وماتبغى تتكلم ...
حست بانشراح عجيب , وبكل همومها وأحزانها وأفكارها المضطربة تتلاشى أمام ابتساماتهم الحلوة وعيونهم اللامعة ببريق البراءة , أخيرا رجعت للمدرسة , للعالم اللي تحبه ...