الشخصية الثانية رهف
في صباحٍ رماديٍّ خافت النور، كانت "رهف" تمشي في الشارع بخطواتٍ مترددة. حقيبتها السوداء الصغيرة على كتفها، وملامحها تشي بأنها تحمل من الهموم ما يعجز عن حمله البحر.
لا أحد كان يعرف ما الذي تخفيه تلك الفتاة في عينيها. تبدو للناس عادية، بل ربما سعيدة؛ لكنها في الحقيقة امرأة خاضت معارك كثيرة دون أن ترفع صوتها.
كانت تؤمن أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الوجع لا يحتاج دائمًا إلى شهود.
في المدرسة كانت محبوبة من البعض، ومُثيرة للفضول لدى البعض الآخر. لم يكن أحد يفهم سبب ابتسامتها المستمرة، ولا كيف تضحك بعد كل مرة تنهار فيها من الداخل.
رهف كانت تُجيد تمثيل دور القوية ببراعة، لكنها في كل مرة تعود فيها إلى غرفتها، تنهار.
تغلق الباب، تُلقي حقيبتها على السرير، وتجلس على الأرض تراقب الغروب من نافذتها الصغيرة، كأنها تنتظر شيئًا لن يعود.
كانت تخاطب السماء بصوتٍ خافت:
> "هل يُمكن أن تنتهي المعاناة ذات يوم؟ أم كُتب عليّ أن أُجيد التمثيل إلى الأبد؟"
كان في صوتها رجفةٌ تفضح تعبًا عمره سنوات.
رهف لم تكن تكره الحياة، لكنها كانت تكره الطريقة التي عاملتها بها الحياة.
فقدت الكثير من الناس، لا لأنهم رحلوا، بل لأنهم خذلوها.
حتى أقرب الناس إليها، أولئك الذين وعدوها بالبقاء، تركوها في منتصف الطريق.
كانت تكتب على يدها الصغيرة كلمات قصيرة كأنها رسائل نجاة:
> "أنا بخير"،
"سأصمد"،
"لن أنكسر"...
لكن الحروف كانت تختفي سريعًا، مثل وعود الناس.
رهف فتاة لا تُجيد البكاء أمام أحد.
تكره أن يُنظر إليها بشفقة، أو يُقال إنها ضعيفة.
لذلك كانت تضحك بصوتٍ عالٍ في وجه كل من يُغضبها، حتى يظن أنها لا تشعر، بينما هي في داخلها تصرخ كطفلةٍ خائفة في عاصفة.
ذات مساءٍ، جلست أمام المرآة تتأمل وجهها.
لم ترَ فتاة جميلة أو قبيحة، بل رأت ماضيها كله في ملامحها.
رأت الخيبات، والدموع، والسنوات التي حاولت فيها أن تُقنع نفسها أن كل شيء بخير.
رفعت يدها ولمست وجهها كأنها تحاول طمأنة نفسها، وقالت:
> "أعدكِ، لن أبكي بعد الآن… حتى لو انكسر كل شيء من حولي."
ورغم وعدها ذاك، كانت تبكي في كل ليلةٍ بصمت، ثم تمسح دموعها وتنام كأن شيئًا لم يكن.
كانت رهف تحمل في داخلها قلبًا أبيض رغم كل ما مرّ به،
قلبًا يرفض الكره حتى لمن آذاه.
كانت تقول دومًا:
> "الذين جرحوني كانوا مثلي يومًا ما… خائفين، ضائعين، يبحثون عن حبٍّ في مكانٍ خاطئ."
لكنها رغم ذلك لم تعد تثق بأحد بسهولة.
الخذلان علّمها أن المسافة الآمنة بينك وبين الآخرين هي ما يحميك من الانهيار.
في العمل، كانت مجتهدة وملتزمة.
زملاؤها يرون فيها فتاةً رزينة، لا تتحدث كثيرًا، لا تشتكي، ولا تغيب.
لكنهم لا يعرفون أن السبب الحقيقي وراء التزامها هو أنها تخاف من الفراغ، تخاف من اللحظة التي تجلس فيها مع نفسها فتتذكّر كل شيء.
وفي أحد الأيام، أرسل إليها زميلها رسالة بسيطة قال فيها:
> "أنتِ تبدين سعيدة دائمًا… ما سرّك؟"
ضحكت بهدوء، وكتبت له:
"سرّي؟ أنني أتظاهر أن كل شيء بخير حتى أصدق نفسي."
ثم أغلقت الهاتف، ونظرت إلى السماء وقالت في داخلها:
> "ربّي… إن كنتَ تعلم كم أتعبتني قوتي، فارزقني راحةً تُنسيني سبب بكائي."
مرت السنوات، تغيرت رهف من الخارج، لكن شيئًا في داخلها ظل كما هو — ذلك الحنين الدافئ لشخصٍ رحل عنها دون وداع. ربما ابنها، أو أخوها، أو صديقة كانت تعتبرها أختها. لم تخبر أحدًا من هو، لكنها كانت تضع صورته في قلبها، وتقول:
> "لو كنت هنا، لضحكتُ بصدق، لا تظاهرًا."
رهف كانت الفتاة التي لم ينتبه أحد لبكائها، لكنها ما زالت تحب العالم رغم كل شيء.
هي لا تحتاج إلى من يُنقذها، بل إلى من يجلس بجانبها في صمت ويقول:
> "أنا هنا، ولن أرحل."
وفي نهاية كل يوم، كانت تكتب في دفترها الصغير:
> "ربِّي، أنا لا أطلب معجزة، فقط اجعلني أضحك هذه المرة لأنني سعيدة، لا لأنني أريد أن أخفي دموعي."