بذور شك
كانت الطفلة الصغيرة تراقب الجميع بصمت، قلبها يرفرف قلقًا، وعيناها الغارقتان بالدموع تحاولان التقاط أي بادرة أمل.
حين نادى الطبيب على والدها، تبعته خفية، تختبئ خلف الباب لتسمع حديثًا لم يُكتب لقلبها الصغير أن يتحمله:
"لقد فعلنا كل ما بوسعنا… والآن علينا فقط الانتظار."
تجمدت الطفلة، كأن الكلمات كانت صخرة سقطت فوق صدرها، لم تحتمل أكثر، فهربت إلى حديقة المشفى. جلست وحدها، تحدق في الأشجار المعلقة بالأنوار الخافتة، تحاول أن تجد في السماء ما يواسيها.
اقتربت منها ابنة خالتها، حضنتها بقوة، سألتها بلهفة عن حالها، طمأنتها بكلمات كثيرة… لكن الطفلة لم تجب، لم تملك القدرة حتى على البوح. اكتفت بالنهوض والابتعاد بصمت، كأن الكلام أصبح غريبًا عنها.
ظلت هناك تراقب الداخلين والخارجين من أبواب المشفى، كل واحد يحمل قصة، وكل عين تفيض بالحزن أو الرجاء. لكن ما شد انتباهها حقًا كان مشهد عمتها، وهي تحاول الدخول وحدها إلى غرفة والدتها، بتوتر واضح، وكأنها تخفي أمرًا عن الجميع.
شعرت الطفلة لأول مرة بالريبة. لم تشك يومًا في عمتها، لكن تلك الحركة زرعت بذرة شك صغيرة في قلبها… بذرة ستكبر مع الأيام.