قلوب تائهة في ظلال القدر - الفصل التاسع عشر: الوجوه تتكشّف - بقلم HSM AJ | روايتك

اسم الرواية: قلوب تائهة في ظلال القدر
المؤلف / الكاتب: HSM AJ
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر: الوجوه تتكشّف

الفصل التاسع عشر: الوجوه تتكشّف

الجرس رنّ مرة ثانية، هذه المرة أطول وأثقل. إبتهال تجمّدت في مكانها، قلبها يخبط كطائر في قفص. هديل اقتربت من الباب، نظرت من العين السحرية، وعادت بنظرة مرتجفة: – «إبتهال… هذه سارة.» الاسم وحده جعل الهواء أثقل. النافذة نصف مفتوحة، المطر يدخل على شكل قطرات باردة. إبتهال تراجعت خطوتين إلى الوراء، يدها على حقيبتها كأنها سترة نجاة: – «هي هنا… لماذا؟» هديل همست: – «يمكن جاءت لتعتذر… أو لتصنع شيئًا آخر. لازم نكونا حذرين.» في الخارج، سارة وقفت بلا حراك، ابتسامة صغيرة لا تصل إلى عينيها. ضغطت على الجرس ثالثة ثم رفعت رأسها إلى كاميرا المراقبة، كأنها تعرف أن أحدًا يراقبها: – «إبتهال، افتحي. عندي كلام ما تقدريش تهربي منه.» ⸻ في المبنى المهجور، الهواء صار أثقل من التراب نفسه. حسام يسمع خطوات تقترب من خلفه. أمير خرج من الظلّ، مبلّل الشعر والثياب، عيناه متّقدتان بأسئلة: – «حسام… ما الذي يحدث هنا؟» حسام نظر إليه بدهشة وارتباك: – «أمير؟ كيف… تبعتني؟» أمير رفع المظروف من على الطاولة، قلب الصور بين يديه. الصور بدت مختلفة تحت ضوء المصباح المكسور. همس أمير: – «هذو الصور… كنت فاكرهم ضاعو من سنين. من الليلة اللي كل شي تغيّر فيها.» صوت من الظلام عاد، هذه المرة أكثر وضوحًا: – «أخيرًا اجتمعتم.» ⸻ في بيت هديل، اليد على المقبض تدور ببطء. هديل تتجهّز لتغلق القفل، لكن الباب يُدفع فجأة بقوة. الهواء البارد يندفع إلى الداخل مثل صفعة. سارة تقف عند العتبة، عيناها مثل سكينين. في يدها ملفّ أسود صغير، فيه أسرار كافية لتقلب كل شيء. قالت سارة بصوت بارد: – «آن الأوان يا إبتهال… تعرفي الحقيقة. الحقيقة اللي خبّاوها عليك الكلّ.» إبتهال ارتجفت، بين الرغبة في الهروب والفضول لمعرفة ما تحمل. هديل وقفت أمامها كحاجز: – «ما راح تدخلي إلا إذا فسّرتي كل شيء.» سارة رفعت الملفّ ببطء، نظراتها ثابتة: – «الليلة كل الأقنعة راح تسقط.» الملف الأسود كان يقطر أسراراً أكثر من المطر خلف الباب. سارة تقدّمت خطوة، نظرتها حادة، وصوتها أصبح أهدأ لكنه أشدّ وقعاً: – «الليلة كل الأقنعة تسقط يا إبتهال… حتى أنتِ كنتِ جزءاً من اللعبة من غير ما تعرفي.» هديل أغلقت الباب خلفها بهدوء، وقفت بين سارة وإبتهال، عيناها تبحثان عن أي علامة تهددها: – «اللعبة؟ أي لعبة؟ كفي عن الألغاز وتكلمي.» سارة فتحت الملف ببطء، أخرجت صورة قديمة. وجه صغير يطلّ من الظلام، وإلى جانبه رجل بملامح مطموسة. مدّت الصورة لإبتهال: – «هذه أنتِ. وهذه الليلة التي كنتِ فيها… المكان نفسه اللي راح له حسام الليلة.» إبتهال شهقت، أصابعها بردت وهي تمسك الصورة: – «مستحيل… أنا كنت هناك؟» سارة أومأت: – «وكان هناك حسام أيضاً… لكن أحدهم محا من ذاكرته ما حدث.» هديل تراجعت خطوة، الدهشة تلوح على وجهها: – «من فعل ذلك؟ ولماذا؟» سارة نظرت إلى هديل، ثم إلى إبتهال: – «الليلة اللي سمّوها حادثة النسيان… الليلة اللي مات فيها الرجل في الصور. حسام ما كان شاهد، حسام كان…» توقفت لحظة، صوتها صار همساً: – «الطفل اللي أنقذوه، واللي دفع ثمن الصمت.» ⸻ في المبنى المهجور، الضوء المكسور أخذ يومض بسرعة، والهواء صار خانقاً. حسام يتراجع إلى الجدار، الصور في يده ترتجف. أمير يتقدّم نحوه، صوته منخفض: – «حسام… أنت كنت هنا… الطفل اللي كنت أفتش عنه كل هذه السنوات هو أنت.» حسام رفع رأسه ببطء، عينيه متسعتان، الكلمات تخرج مقطّعة: – «كنتُ… طفل؟ كنتُ هناك؟» الصوت في الظلام ضحك ضحكة قصيرة: – «أخيراً بدأتَ تتذكّر. أنت لستُ الضحية وحدك… أنت الشاهد الوحيد على من قتل والدك أمامك.» حسام شهق، الصور في المظروف بدت واضحة فجأة، الوجوه ظهرت، الدماء لم تعد مجرد ظلّ. دموعه اختلطت بالمطر الذي تسلّل من سقف المبنى: – «أنا كنت هناك… رأيت كل شيء… لكنهم محوا ذاكرتي.» أمير وضع يده على كتف حسام: – «الوقت انتهى. لازم نطلع من هنا ونقول الحقيقة قبل ما يوصل كاش واحد.» ⸻ في بيت هديل، إبتهال أغلقت الملف بيد مرتجفة، دموعها تنهمر: – «إذن… حسام لم يكذب. كل شيء كان أكبر منا.» سارة اقتربت منها، صوتها صار أرقّ: – «ما جيتش أؤذيك يا إبتهال… جيت نقولك الحقيقة قبل ما يوصلو لحسام.» هديل نظرت إلى سارة بعينين حادتين: – «وماذا تريدين منا الآن؟» سارة تنفست بعمق، قالت ببطء: – «إذا أردتما إنقاذه… لازم نتحرك الليلة. الشخص اللي كان يراقبكم ما راح يسكت.» الريح صفّرت في النوافذ، والستارة السوداء ارتفعت مثل علم حرب. إبتهال نظرت إلى سارة ثم إلى هديل، قرار يتشكل في عينيها: – «دلينا على الطريق… لنذهب إليه.» سارة أغلقت الملف، وضعت هاتفها على الطاولة وأظهرت لهم خريطة فيها نقطة حمراء يومض حولها إطار: – «هذا هو المبنى المهجور. إذا تأخرنا… قد لا نصل في الوقت المناسب.» هديل أمسكت يد إبتهال بقوة، نظرتها حاسمة: – «إذن نذهب.» ⸻ في الظلام نفسه، في المبنى المهجور، الصوت عاد أقرب من أي وقت مضى، هذه المرة خلف حسام مباشرة: – «الوقت انتهى يا حسام… الليلة الأخيرة بدأت.» حسام التفت ببطء، رأى ظلاً يخرج من العتمة، وجه نصفه في الظلّ ونصفه في الضوء. عرفه رغم مرور السنين، رغم أن اسمه كان غائباً عن ذاكرته. همس: – «أنت…!» الظل ابتسم ابتسامة باردة: – «كنتُ أعرف أنك ستتذكرني في النهاية.» خارج الشقة، المطر يضرب الأرصفة كحجارة زجاجية، والحيّ غارق في صمت ثقيل. من آخر الزقاق ظهرت أضواء سيارة سوداء بطيئة، محركها يهمس كوحش يتربص. توقفت أمام منزل هديل بلا صوت تقريباً. البخار يتصاعد من غطاء المحرك، والليل يلتفّ حولها مثل عباءة. الباب الخلفي للسيارة يُفتح. يخرج رجل طويل يرتدي معطفاً داكناً وقناعاً مخيفاً يخفي ملامحه، يتبعه أربعة عشرة رجل مسلح تتحرك أسلحتهم تحت المطر كأنها ظلال معدنية. يقفون صفاً أمام باب المنزل، عيونهم تتألق تحت أقنعة سوداء. لم ينطق أحد بكلمة. المطر وحده كان يتكلم، يصفع الأرض والهواء، بينما في الداخل إبتهال وسارة وهديل يتهيأن للرحيل… غير مدركات أن الليل نفسه قد أتى يطرق الباب.