اسطورة الرياح - فصل تاسع - بقلم Kim Nesrine - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسطورة الرياح
المؤلف / الكاتب: Kim Nesrine
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل تاسع

فصل تاسع

✦ الفصل: «صمت الريح» الصحوُة جاءت على وقع صريرٍ مدوٍ… وكأن الجبل نفسه تظاهر بالانكسار. تذكرت نسمة فقط لحظة واحدة: دوامةٌ حمراء-بيضاء تلتهم الظلال، وصوت صراخٍ ممزوجٍ بغبارٍ ثلجي. ثم سقطت الذاكرة كما تسقطُ ورقةٌ معلّقة في مهبّ الريح — تلاشت. استفاقت على ألم يخترق رأسها، ووجهها لامسته رياح باردةٍ مبللةٍ بالثلج. عزّ عليها أن تفتح عينيها، لكن عندما فتحتها وجدتها غائمةً كسماءٍ بعد عاصفة. كل شيء حولها كان ضبابًا أبيض: صخورٌ مكسَّرة، جليد مبعثر، آثار قتالٍ باقية على الأرض. أخذت تحاول تذكّر: لماذا هي هنا؟ من هو الذي كان بجانبها؟ فجأة تذكّرَت كلمةٍ واحدةٍ فقط — اسمٌ يلمع في صدرها مثل حجرٍ مضاء: «نسمة». هذا كلُّ ما بقي. لا وجه لإيرين، لا ذكرى لمدينةٍ أو قرية… فقط هذا الاسم يطفو وسط بحر من الضياع. حاولت النهوض فنهشتها دوخة، وطاحت بيدٍ على صدرها لتلمس القلادة — الريشة البيضاء. كانت هناك، باردة لكنها ثابتة. مسكتها بشدة؛ الإحساس بها كان يبعث بأمواجٍ من رغبةٍ غامضة في العودة… لكن الذكريات لم ترجع. لم يمض وقت طويل حتى سُمعَت أصوات أقدامٍ على الثلج، وصوتُ رجالٍ ينادون بصوتٍ أجش: — «ها هنا! فُقدت بين الصخور. إحضروها بسرعة قبل أن تأتي العواصف!» رأوها قومٌ غريبون يقتربون منها: رُحّالون بأرديةٍ رقيقةٍ مصنوعة من أقمشةٍ تُرفّ مع الهواء، ومعهم عرباتٌ خفيفة مُغطّاة برداءٍ أزرقٍ سماوي، وعلى أعلامهم رمز الريش المزدوج — علامةُ مملكة الهواء. كانوا يَبدو عليهم أن مملكتهم لا تخافُ البرد ولا تعجزُ عن تتبع أنفاس الرياح في جبالٍ نائية. حملتهم إليها رياحٌ لطيفة كما لو أن نفس الجبال نفسها أرادت تسليمها لمن يفهمها. حدق أحدهم بالقلادة وبالريشة، وقال بصوتٍ حادٍّ لكن مفعمٍ بالدهشة: — «تلك رموز... ليس شائعًا أن نجد مثلاً كهذا في الأعلى. خذيها بسرورٍ — لن تتركها الرياحُ هنا» نُقلت نسمة على نقالةٍ بسيطة نحو أحد العربات. كان الرجل الذي تحدث أكبرهم سنًا، ذو لحيةٍ مقصوصة، عينان زرقاوان كالسماء، وملامح تظهر عليه ثراءٌُ من نوعٍ هادئ. عرّف نفسه لاحقًا أمام رفاقه باسم اللورد ألتير سوران — أحد أبرز أثرياء مملكة الهواء، رجلٌ معروف بحبّه لفنون الطيران واحتفائه بالرياح، لكنه أيضًا من أصحاب النفوذ الذين يتولّون رعايةِ مواهبٍ تُعجبهم. أخذوه إلى مملكةٍ لم ترَها نسمة من قبل. العاصمةُ هناك — أورايون — لم تكن بناياتٍ جامدة فقط، بل هياكل رخوة تتنفس، أسّستْ على أعمدةٍ جعلت المدينة تبدو كأنها تطفو فوق الأرض قليلًا؛ أعمدةٌ عاليةٌ تُبنى منها منصاتٌ، وسقوفٌ من قماشٍ يُرفّ مع النسيم، وشرفاتٌ عديدة تتصل بجسورٍ معلّقة. كل زاويةٍ هنا تُحيي الريح، وعلوم الهواء والطقوس المتعلقة به تملأ الأسواق. اللورد ألتير أصرّ أن تُؤخذ نسمة إلى قصره قبل أن تُعرض على أطباء البلاط. بدا وكأنه قد رأى في ملامحها شيئًا يذكّره بقديمةٍ ما — ربما الريشة، وربما طريقةِ تثاؤبها مع الريح. في قصره، كان كل شيء مصنوعًا ليُعبّر عن الهواء: أقمشة خفيفة تتدفق، نوافذٌ ضخمة لا تُغلق، ومآدبٌ تعلوها رذاذات عطِرةٍ تُحركها الرياح لتُوزِّع العطر. طوال الأيام التالية استفاقت نسمة في صباحٍ جديد، شعورٌ مختلف يملأ صدرها. البلاط كان هادئًا نسبياً، لكن كل زاوية منه تنطق بالهواء: الأقمشة الرقيقة التي تُرفّ مع الرياح، الجسور المعلقة بين الأبراج، والممرات الواسعة التي تسمح للرياح بالدوران بحرية. تكيّف مع البلاط في الأيام الأولى، واجهت نسمة صعوبة في التأقلم. أطفال البلاط كانوا ينظرون إليها بفضول، بعضهم يضحك على حركاتها المتعثرة، وأحياناً يتنمّرون على أسلوب كلامها الغامض. حتى الطعام كان مختلفاً: أطباق خفيفة تطير معها الرياح بسهولة، لكنها سرعان ما تعلّمت التعامل معها بيدها ووعائها الخاص. لكن أول من لاحظها كان ويليام كارثر، شابٌ في عمرها تقريباً، ذو شعر بني داكن وعينين رماديتين كالسماء قبل العاصفة. كان لديه قدرة غريبة على التحكم في الرياح، يستطيع توجيه النسيم والدوامات الصغيرة دون عناء. أول لقاء لهما كان في الساحة الكبرى حيث كان الأطفال يلعبون، ونسمة تكافح لإمساك طائر صغير ابتعد عن نافذة القصر. ويليام ابتسم وقال: — "دعيني أريك طريقةً أبسط… لا تخافي، الرياح معكِ دائمًا." منذ تلك اللحظة، أصبح هو صديقها المقرب، والمدافع الأول عنها عند أي محاولة للتنمّر. عندما حاول أحد الأطفال إلقاء وعاء طعام عليها عن طريق المزاح، أرسل ويليام نسيمًا لطيفًا لتدفعه بعيداً، فارتبك الجميع وابتسمت نسمة لأول مرة منذ أيام. تدريب على الدفاع عن النفس اللورد ألتير لم يترك نسمة تتيه بين الألعاب والرفاهية فقط، بل بدأ بتدريبها يومياً على استخدام الرياح كأداة للدفاع عن النفس. كان يبدأ كل جلسة في صالة كبيرة مفتوحة على السماء، حيث الأعمدة تسمح للرياح بالدوران بحرية: 1. الأساسيات: تعلمت نسمة التحكم بالنسيم الخفيف، توجيهه بسرعة البرق لإبعاد الأجسام الصغيرة، واستخدامه للتوازن أثناء الوقوف على الحواف المرتفعة في البلاط. 2. التحكم بالدوامات: بدأت بإنشاء دوامات صغيرة حول جسمها، لحماية نفسها من الهجمات المفاجئة، وتوجيه الريح لإرباك الخصم. 3. الطاقة المندمجة: مع مرور الوقت، دمجت الريح مع مشاعرها، فتعلّمت تحويل الغضب أو الحزن إلى قوة قوية، دون فقدان السيطرة. ويليام كان دائمًا إلى جانبها، يعرض عليها حركاته الخاصة، ويدربها على استخدام الرياح للدفع والشد والدفاع، وتعلّمت كيف تستشعر الرياح قبل الهجوم وتستجيب لها بذكاء. مساعدة أهل المملكة مع مرور الأيام، بدأت نسمة تُساعد سكان أورايون. كانت الرياح تُخبرها عن أي لصوص أو مجرمين يقتربون من الأسواق. باستخدام الريش الأبيض ودوامات الرياح، استطاعت أن تمنع سرقات متكررة في السوق الكبير: قادت الرياح لتفرق الحشود حين حاول لص سرقة حقيبة، وأوقفته بعاصفة صغيرة فقط لتجعل الحقيبة تطير أمامه ويُمسك بها الحراس. أرسلت نسيمًا لطيفًا لإخفاء آثار قدمين في الممرات عندما يختبئ مجرم، ليتمكن ويليام من الإمساك به بسهولة. أصبحت نسمة تدريجيًا شخصية محبوبة، ليس فقط لأنها وريثة الرياح، بل لأنها تساعد الناس يومياً، وتعلمت كيف تستخدم قوتها لخدمة الخير، وليس فقط للمعارك. اللحظات الخاصة مع ويليام ويليام لم يكن مجرد صديق دفاعي، بل رفيق تدريب ومشورة. في إحدى الليالي، جلستا على شرفة القصر العليا، مراقبين حركة الرياح بين الأبراج: — "أحياناً، الرياح تختار الطريق الذي لا نراه." قال ويليام بابتسامة. — "وكأنها تقول لي… لا تخافي، أنا معك." أجابت نسمة. هنا، شعرت نسمة لأول مرة بأنها ليست وحيدة، وأن وجود شخص يفهمها يجعلها أقوى. الختام التدريبي اليومي بنهاية اليوم، كانت نسمة مرهقة، لكنها سعيدة. الرياح تدور حولها كأنها تبتسم، والقلادة والريشة على صدرها تتوهجان بخفوت، علامة على أن قوتها تتزايد. ومع كل تدريب، ومع كل مهمة لمساعدة الناس، كانت تتذكر شيئًا صغيرًا من ماضيها الضائع: إحساس الحزن، الشعور بالغضب عند الظلم، والرغبة في حماية من تحب. وهكذا، أصبحت نسمة ورياح أورايون جزءًا من حياة البلاط اليومية، متدربة، حامية، وصديقةً لا تُقهر بجانب ويليام كارثر. في إحدى الليالي، جلس اللورد ألتير على شرفة قصره، ينظر إلى النسيم الذي يمر بين أعمدة البلاط، وعيناه تلمعان بوميض غامض. أخرج دفترًا قديمًا، صفحاته صفراء من الزمن، وبدأ يسترجع أحداثًا مضت قبل وصول نسمة إلى أورايون. السبب الحقيقي للتبني قبل سنوات، كان هناك طفلٌ آخر وُلد في مملكة الهواء، فتاة صغيرة تشبه نسمة كثيرًا. كانت وريثة الرياح البيضاء، تمتلك قدرة على التحكم بالعواصف والدوامات، لكنها ضاعت وسط صراع القوى بين الممالك. اختفت الفتاة الصغيرة فجأة في حادث مأساوي، ولم يُعثر عليها أبدًا. الألواح القديمة للمدينة كانت تشير إلى نبوءة قديمة: "الرياح ستختار وريثة جديدة حين تهب العواصف الكبرى… قلب نقِيّ، واسمٌ يلمع كنسمة الصباح." حين رأى ألتير نسمة لأول مرة، أدرك فورًا العلامات: الريشة البيضاء على صدرها، قدراتها الفطرية، وحتى الطريقة التي تلتقط بها الرياح الصغيرة. شعر أن هذه الطفلة قد تكون الخليفة المفقودة، أو على الأقل وريثة القوة نفسها التي فقدتها المملكة منذ سنوات. هدفه الحقيقي لكن ألتير لم يكن فقط مهتمًا بحماية الطفلة؛ كان لديه هدف أكبر: 1. تدريب وريثة الرياح القادمة: المملكة كانت تواجه تهديدات من قوى الظلام، وكان اللورد يعلم أن وريثة الرياح البيضاء هي الأمل الوحيد لمواجهة هذه القوى. 2. التحقق من النبوءة: كان يريد معرفة ما إذا كانت نسمة، بقدراتها الفطرية، قادرة على استعادة التوازن بين قوى النور والظلام. 3. استعادة الماضي المفقود: داخليًا، كان ألتير يشعر بالذنب تجاه الوريثة المفقودة السابقة. تبني نسمة كان بالنسبة له فرصة ثانية لتصحيح أخطاء الماضي، وتأمين مستقبل المملكة. الجانب الغامض لكن في دفتره، كتب بخط صغير: "لا يمكنني أن أُخبرها بالحقيقة الآن… ليس قبل أن تصبح قوية بما يكفي، وقبل أن يعرفها الظلام. إذا اكتشفت قبل الأوان، قد يُستغل قلبها ونورها، وقد تفشل المهمة كلها." ألتير أدار دفتره وأغلقه، ثم نظر إلى السماء. الرياح عادت لتعانقه، وكأنها تُذكّره بأن الوقت يمضي، وأن نسمة الآن تحت جناحيه ليس فقط لحمايتها، بل لتصبح أداة مصيرية في صراع أكبر لم يظهر بعد.