فصل سابع
الفصل: "الجبال البيضاء"
كانت الرحلة طويلة ومرهقة. نسمة لم تعرف في حياتها طريقاً أبعد من حدود قرية لينوار والغابة الشرقية، والآن وجدت نفسها تسير أياماً كاملة، تتبع أصوات الريح التي ترشدها كالخريطة.
كلما تقدمت شمالاً، صارت الأرض أكثر قسوة. الأشجار بدأت تختفي، لتحل محلها سهول جرداء تنتهي عند سلسلة جبال شاهقة بيضاء، قممها تلمع تحت أشعة الشمس كأنها مصنوعة من البلور. كان الهواء هناك مختلفاً: بارداً، حاداً، وكأنه يختبر كل نفس تتنفسه.
وقفت نسمة على مشارف الجبال، قلبها يخفق بشدة. همست الرياح من حولها:
"هنا… البداية الحقيقية. الجبال البيضاء تحرس سرّاً لا يُفتح إلا لمن يستحق."
لكن لم يكن الطريق سهلاً. الثلوج التي غطت الممرات كانت زلقة، والبرد ينخر في عظامها. عباءتها لم تعد تكفي، وكلما حاولت الصعود، ضربتها رياح جليدية عنيفة كأنها تمنعها من التقدم.
وفي الليلة الأولى وسط الجبال، أوت إلى كهف صغير تحتمي به. أشعلت ناراً صغيرة من الأعواد الجافة التي جمعتها في الطريق، وجلست تحدّق في ألسنة اللهب. فجأة، سمعت صوتاً يقترب، خطوات ثقيلة ت crunch الثلج خارج الكهف.
ارتفعت أنفاسها، يداها ارتجفتا، ظنت أن وحشاً جليدياً قادماً. لكن ما ظهر عند مدخل الكهف كان رجلاً شاباً، طويل القامة، يلف جسده بمعطف سميك مصنوع من جلود الذئاب البيضاء. عينيه كانتا رماديتين، تلمعان بحدة مثل نصل مغمّد.
توقف عند المدخل، نظر إليها طويلاً، ثم قال بصوت عميق:
"لم أرَ من قبل فتاة وحيدة تتحدى الجبال البيضاء. من أنتِ؟"
ترددت نسمة، ثم أجابت بصوت خافت:
"مجرد عابرة… تبحث عن طريقها."
ابتسم بسخرية خفيفة وهو يخطو للداخل:
"الجبال البيضاء لا تُعطي طريقاً للعابرين. من يدخلها إما أن يعود مختلفاً… أو لا يعود أبداً."
جلس مقابلها، وألقى بعض الحطب على النار. بدا أنه يعرف المكان جيداً، حركاته هادئة كمن اعتاد العيش في البرية. بعد لحظة صمت، قال:
"اسمي إيرين. ولدت هنا بين الجبال. وأنتِ؟"
ترددت نسمة، ثم قالت:
"نسمة."
نطق اسمها كمن يختبر وزنه:
"نسمة… غريب أن تأتي ريحٌ إلى الجبال."
في تلك اللحظة، هبت نسمة باردة قوية جعلت النار تتراقص بشدة، كأنها تؤكد كلامه. ارتجفت نسمة في داخلها، لأن الرياح لم تتوقف عن الهمس لها منذ وصوله:
"احذري هذا الغريب… عيناه تخفيان أكثر مما يقول."
لكنها شعرت أيضاً بشيء آخر، انجذاب غامض، كأن الجبال نفسها قد رتّبت هذا اللقاء.
في الصباح التالي، حين خرجا من الكهف، أشار إيرين إلى أعلى قمة:
"هناك، فوق القمة الكبرى، يوجد معبد الرياح البيضاء. أسطورة تقول إنه مكان يُختبر فيه القلب قبل القوة. كثيرون حاولوا الوصول إليه، لكن القليل عادوا."
رفعت نسمة نظرها إلى القمة المهيبة، شعرت بالقلادة على صدرها تلمع بخفة، والرياح تدور حولها بحذر، وكأنها تستعد لشيء عظيم.
همست لنفسها:
"إذا كان هذا قدري… فلن أهرب."
لكنها لم تعرف بعد أن الجبال البيضاء ستكشف لها أسراراً أخطر من العاصفة الأولى، وأن إيرين نفسه ليس مجرد عابر سبيل، بل جزء من نبوءة أكبر مما تخيلت.
ظلّت القلادة على صدر نسمة تلمع طوال الطريق نحو القمة الكبرى. كل خطوة داخل الجبال البيضاء كانت أثقل من سابقتها، وكأن الجبل يزنّ على روحها قبل جسدها. الثلوج الكثيفة لم تكن وحدها العائق، بل الرياح الجليدية التي تصفع وجهها بلا رحمة، كأنها تُختبر قدرتها على الصمود.
إيرين كان يتقدم بخطوات ثابتة، يعرف الممرات الخفية التي لا يعرفها أحد من الغرباء. أحياناً كان يلتفت نحوها بعينين صامتتين، لا يقول شيئاً، لكنه يراقبها كما لو كان يختبرها هو أيضاً.
بعد يومين من التسلق، ظهر المعبد أخيراً. كان مبنياً داخل صخرة ضخمة بيضاء، واجهته محفورة بنقوش لدوامات ريح وطيور محلّقة. الأعمدة العملاقة التي تحرس المدخل كانت تبدو وكأنها من الجليد، لكن حين لمستها نسمة، شعرت بدفء غريب ينبض منها، وكأنها حيّة.
توقفت الرياح فجأة عند المدخل، صارت ساكنة كأنها تحبس أنفاسها. همست القلادة بصوت خافت في أذنها:
"لقد وصلتِ… لكن الدخول ليس للجميع. هنا تُختبر الأرواح، لا الأجساد."
دخلت بخطوات مترددة، وإيرين خلفها. القاعة الداخلية كانت واسعة، أرضها من حجر أبيض يلمع تحت ضوء لا تعرف مصدره. في منتصف القاعة، كانت هناك دائرة منقوشة، داخلها أربعة رموز: ريشة، دوامة، برق، وظل.
بمجرد أن وقفت نسمة فوق الدائرة، انغلق المدخل خلفها بصرير ضخم، وبقيت وحدها. التفتت فلم تجد إيرين، وكأن الجبل ابتلعه.
فجأة، ارتفع صوت هائل يملأ القاعة، صوت لا يأتي من شخص واحد، بل من كل أركان المكان:
"يا وريثة النسيم… أهلاً بك في معبد الرياح البيضاء. إن أردتِ أن تُقبلي كحارسة، عليكِ أن تواجه قلبك قبل قوتك."
ارتجفت الأرض تحت قدميها، وتحولت الرموز الأربعة إلى أضواء ساطعة. ثم ظهرت أمامها أربع صور متجسدة:
طفلة صغيرة تحمل وجهها هي، ببراءة ونقاء.
امرأة مظلمة بعينيها العاصفتين، تشبهها أيضاً، لكنها مشبعة بالظلال.
طائر أبيض ضخم، جناحاه يلمعان كالشمس.
دوامة هوائية سوداء تقترب منها ببطء.
قال الصوت مجدداً:
"اختيارك سيحدد مصيرك. كل قوة تحمل جانبين… أيّهما ستمنحين قلبك؟"
اقتربت الطفلة منها وهمست:
"ابقِ نقية… لتكوني ريحاً تمنح الحياة."
المرأة المظلمة اقتربت أيضاً وقالت بصوت يشبه صدى العاصفة:
"قوتك لا معنى لها إن لم تتحكمي بها. الظلام سيعطيك السيطرة… لا الضعف."
شعرت نسمة بانقسام قلبها. الخطوات التي ستتخذها الآن لن تحدد مصيرها وحدها، بل مصير إيرينيا كلها. الرياح دارت حولها بقوة حتى كادت تسقط أرضاً، بينما القلادة على صدرها تشتعل بضوء أزرق متوهج.
أغلقت عينيها، وسمعت صوت الرياح الأبيض القديم، الذي كان يرافق طفولتها:
"لا تبحثي عن النور ولا عن الظلام… بل عن حقيقتك."
عندها فقط، مدّت يدها إلى قلبها، وصرخت من أعماقها:
"أنا… نسمة! لستُ ظلّاً ولا نوراً… أنا ريح حرة!"
فانفجرت القاعة بضوء هائل، واختفت الصور جميعها، تاركة خلفها صمتاً مقدساً. حين فتحت عينيها، وجدت نفسها تحمل بين يديها ريشة بيضاء متلألئة، يقال إنها رمز الاعتراف من المعبد.
وعند المدخل، كان إيرين واقفاً ينتظرها، ينظر إلى الريشة ثم إلى عينيها بدهشة عميقة. همس وكأنه يحدّث نفسه:
"لقد اختارتك الرياح حقاً…"
لكن نظراته حملت أيضاً شيئاً آخر… مزيجاً من الإعجاب والخوف.
الظلال كانت أكثر كثافة من أي وقت مضى. نسمة شعرت بها تحيط بها من كل جانب، همساتها المظلمة تدعوها للاستسلام:
"اتركي الرياح البيضاء… قوتك الحقيقية تكمن في الظلام…"
بينما كانت تحاول مقاومة تلك الهمسات، ظهر إيرين فجأة أمامها، عينيه مشتعلة بالعزم.
"ابتعدي عن الظلال، نسمة!"، صرخ وهو يحاول صد الرياح السوداء التي بدأت تتحرك نحوها.
لكن الظلال لم تكن مجرد تهديد عادي. دفعت إيرين للخلف بقوة هائلة، وقبل أن يتمكن من الهجوم المضاد، سقط على الأرض. الدم يغطي صدره، وعيناه تلتقط آخر نظرة نحو نسمة:
"اح… احمي نفسك… لا… تسمحي لهم…"
صرخت نسمة وركضت نحوه، لكن الظلال كانت أسرع، وابتعدت عن يده الباردة التي حاولت لمس يدها. قلبها انكسر أمام أعينها، شعرت بفقده كأن جزءاً من روحها انكسر معها.
الغضب والحزن اشتعل في داخلهما كبركان لم يعرف الريح مثله من قبل. رفعت نسمة ذراعيها، والريشة البيضاء على صدرها تألقت بضوء مبهر، وفجأة اندفعت رياح هائلة، دوامات بيضاء وحمراء، تدور حولها، تلتهم كل الظلال في دائرة متوهجة.
الأشجار انكسرت، الصخور ارتجفت، السماء تكاد تنشق من شدة الرياح، ونسمة كانت في قلب العاصفة، تصرخ بغضبها وحزنها:
"لم يمس أحدك… لم يمس أحدك بعد الآن!"
تطايرت دوامات الرياح بعنف، حتى أن الجبال نفسها اهتزّت، والثلوج تحولت إلى عاصفة عنيفة. كل شيء حولها أصبح مشهدًا للدمار، لكن نسمة لم تهتم… لم تكن تفكر إلا في إيرين، الذي ضحى بحياته ليحميها.
وعندما هدأت العاصفة قليلاً، وجدت نسمة نفسها واقفة وسط الركام، الريشة البيضاء ما زالت متوهجة على صدرها، لكن عيونها مليئة بالدموع، ويدها لا تزال تشير نحو مكان إيرين. جسده لم يكن هناك… لقد رحل.
الهمسات المظلمة اختفت، لكن صمت الجبال كان أقسى من أي صوت. نسمة شعرت لأول مرة بالقوة المطلقة، لكنها جاءت بثمن باهظ: فقدت شخصاً كان أكثر من رفيق، أكثر من صديق… حارسها، أمانها.
الريح من حولها هدأت، لكنها لم تنسَ. قلبها الآن كان يحمل نبوءة جديدة: أن قوة الغضب والحزن يمكن أن تُحرّر العاصفة… وأن الظلال ستعود.
نسمة وقفت وحيدة على قمة الجبال البيضاء، عينان حادتان كالسيوف، وشفتان ترتجفان:
"سأعود… وسأجعلهم يدفعون الثمن…"