فصل سادس
الفصل: "رحيل النسيم"
ليلٌ هادئ خيّم على قرية لينوار، لكن قلب نسمة لم يعرف الراحة. منذ أن ارتدت قلادة النسيم، صارت تسمع الرياح بوضوح لم تعهده من قبل؛ لم تعد مجرد همسات، بل أصوات متشابكة: أصوات نورٍ تحثها على الصبر والنقاء، وأصوات ظلامٍ تغويها بالقوة والسيطرة.
في النهار، حاولت العودة إلى حياتها العادية بين أهالي القرية، لكن النظرات كانت تفضح كل شيء. بعضهم يبتسم لها بامتنان خجول، وآخرون يشيحون بوجوههم عنها وكأنها وصمة. الأطفال الذين اعتادوا اللعب معها صاروا يختبئون خلف أمهاتهم. حتى بيتها، الذي كان يوماً ملاذاً دافئاً، صار خانقاً، تعصف داخله أصوات الاتهام والقلق.
في المساء، اجتمع شيوخ القرية في الساحة الكبرى، والنار المشتعلة بينهم تعكس وجوهاً متجهمة. أحدهم قال بصوت مرتجف:
"لقد رأينا جميعاً ما فعلته تلك الفتاة. قوتها كبيرة… لكنها خرجت عن السيطرة. هل ننتظر حتى تدمر القرية كلها؟"
اعترض آخر، أشيب الشعر:
"لكنها أيضاً أنقذتنا من ريح الظلال. لولاها، لابتلعنا العدو منذ البداية!"
احتدم النقاش، والناس من حول الساحة يتصايحون، بين مؤيد ومعارض. وسط الفوضى، وقفت نسمة صامتة، ودموعها تلمع تحت وهج النار. لم تكن تحتاج أن تسمع أكثر؛ الكلمات، حتى لو لم تُقال مباشرة لها، كانت واضحة: وجودها خطر.
في تلك الليلة، جلست على صخرة عند أطراف القرية، تحدّق في الغابة الشرقية حيث البحيرة التي رأت فيها صورتها. الرياح كانت تداعب شعرها، كأنها تواسيها. همست لها بصوت رقيق، قريب من صوت أم حنون:
"الرحيل ليس هروباً، بل بداية الطريق. القرية صغيرة… قدرك أبعد."
شعرت بشيء ينهض في داخلها، شعور غامض بين الألم والتحرر. جمعت بعض الأغراض البسيطة: عباءتها الزرقاء، كيساً صغيراً من الخبز اليابس، ودفتر قديم كانت تكتب فيه قصاصات أحلامها. ثم علّقت القلادة جيداً حول عنقها، وهي تشعر أنها مفتاح لما ينتظرها.
وقفت عند مدخل القرية، نظرت خلفها، ورأت بيتها، الأزقة، الساحة، كل ما كان يوماً عالمها. تذكرت ضحكات الطفولة، دفء الليالي الشتوية، وحنان كبار السن الذين اعتادوا أن يحكوا لها الحكايات. الآن كل ذلك صار جزءاً من ماضٍ بعيد.
قالت لنفسها بصوت خافت:
"إن عدتُ يوماً… سأعود مختلفة. إما حارسة تهب الحياة… أو ريحاً عاتية تهدم كل شيء."
خطت أولى خطواتها نحو الغابة الشرقية. الأشجار انحنت قليلاً وكأنها ترحب بها، والريح أخذت تفتح لها طريقاً في العتمة. خلفها، كانت القرية تغرق في صمت ثقيل، كأنها تُودعها بلا كلمات.
في قلب الليل، حين ابتعدت كثيراً عن لينوار، شعرت بأنفاس الرياح تتغير. لم تعد مجرد نسيم مألوف، بل لحن عميق، كأنه خريطة غير مرئية.
"إلى الجبال البيضاء… هناك ستجدين أول خيط للقدر."
ابتسمت نسمة رغم الدموع التي لم تجف على وجنتيها. كانت تعرف أن طريقها سيكون صعباً، محاطاً بالظلام والاختبارات، لكنها شعرت لأول مرة أنها تنتمي إلى شيء أكبر من القرية، شيء بحجم الرياح نفسها.
وهكذا، تركت نسمة لينوار خلفها، لتبدأ رحلة لا عودة منها، رحلة ستجعلها أسطورة أو لعنة في تاريخ إيرينيا.