اسطورة الرياح - فصل الرابع - بقلم Kim Nesrine - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسطورة الرياح
المؤلف / الكاتب: Kim Nesrine
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل الرابع

فصل الرابع

تكملة فصل "همسات مظلمة" الليل كان ثقيلاً على قرية "لينوار". الغيوم حجبت القمر، والريح التي اعتادت أن تلاعب شعر نسمة بدفء مألوف، حملت هذه المرة برودة غريبة، كأنها همسات قادمة من عالم آخر. كانت نسمة جالسة قرب النافذة، يديها ترتجفان وهي تستمع إلى صفير الرياح الذي بدا أشبه بكلمات مقطعة. همسات تتسلل إلى أذنيها: "القدر يقترب… الحارس يختار… لا تثقي بكل صوت…". ارتعش قلبها، لم تفهم إن كانت هذه كلمات خيالها أم أن الرياح تتحدث حقاً. لكن كلما أغمضت عينيها، رأت ظلالاً تتحرك في العاصفة، أشكالاً بشرية بلا وجوه، كأنها تبحث عنها. في الصباح التالي، اجتمع كبار القرية في الساحة الرئيسية. تحدّث أحد الشيوخ بصوت متهدج: "لقد هبت رياح غريبة الليلة الماضية… حملت معها صدى من الماضي. هذه ليست ريحاً عادية، بل نذير… شيء ما يقترب من إيرينيا." نسمة بقيت صامتة، لم تخبر أحداً بما سمعته. لكن في داخلها، كانت تشعر أن تلك الهمسات موجهة إليها وحدها. ومع مرور الأيام، بدأت ترى إشارات أكثر غرابة: أوراق أشجار تتحرك لتشكل رموزاً لم تفهمها. قطرات المطر تتساقط لترسم دوائر على الأرض حول قدميها. الرياح تدفعها دائماً نحو الغابة المحرّمة شرق القرية. وفي إحدى الليالي، بينما كانت نائمة، تسللت الهمسات من جديد، أقوى هذه المرة: "الظلام يستيقظ… والريح هي السيف… احذري من من يقتربك بنعومة… فالعدو لا يصرخ، بل يهمس." استيقظت فزعة، أنفاسها متسارعة، وعرفت أن ما سمعته ليس مجرد حلم. هناك قوة مظلمة بدأت تتحرك، والريح اختارتها لتكون الدرع الأول في مواجهة قادمة. لكن السؤال الذي ظل يؤرقها: هل هذه الرياح حليفة… أم أنها مجرد فخ يقودها إلى قدر مظلم كان النهار هادئًا في قرية "إيريس"، والسماء صافية كلوحة مرسومة. الأطفال يلعبون قرب البئر، والنساء يبعن الخبز الطازج في السوق، بينما الرجال يعودون من الحقول محملين بمحاصيل القمح. لكن في قلب هذا الهدوء، كان في صدر نسمة غضب لم تشعر به من قبل. كانت تقف قرب الساحة، تلعب بقطعة خشبية صغيرة صنعها والدها. اقترب منها بعض الأطفال، وبدأوا يتهامسون. قال أحدهم ساخرًا: — "إنها المجنونة التي تتحدث مع الرياح." ضحكت فتاة أخرى وأضافت: — "ربما تُطيرنا في الهواء مثلما تُحرك قواربها." كانت كلماتهم تلسع قلبها الصغير. حاولت أن تبتعد، لكن أحدهم دفعها فسقطت لعبتها على الأرض وتكسرت. تجمّدت نسمة في مكانها، وامتلأت عيناها الرماديتان بالدموع… ثم بالوهج. في تلك اللحظة، هبّت نسمة هواء قوية قلبت الأتربة في الساحة. ارتفعت الأوشحة الحريرية المعلقة بين البيوت فجأة كأنها أجنحة هائجة. صرخ الأطفال وابتعدوا، لكن نسمة لم تستطع السيطرة؛ قلبها الغاضب أطلق شيئًا لم تستوعبه. اشتدت الرياح حتى صارت عاصفة صغيرة، دارت وسط الساحة، ورفعت الغبار عاليًا. انقلبت عربات السوق، تطايرت السلال، وتكسرت نوافذ البيوت. بعض الأطفال تدحرجوا على الأرض، والنساء صرخوا يحملن أطفالهن بعيدًا. وفي وسط الدوامة، وقفت نسمة. شَعرها الأسود كان يتطاير بشكل هائج، وعيونها الرمادية تلمع كأنها مرآة للسماء. كلما زاد غضبها، اشتدت العاصفة أكثر. الناس نظروا إليها برعب. أحد الشيوخ صاح: — "إنها ليست طفلة عادية… إنها وريثة الرياح!" اقتربت أمها وسط الفوضى، وهي تحاول شق طريقها بين الغبار، تصرخ: — "نسمة! توقفي! أرجوك، أنتِ تؤذين نفسك!" حين سمعت صوت أمها، شعرت نسمة فجأة بيد دافئة تربت على قلبها، فتراجعت قوة الغضب داخلها. وببطء، بدأت الرياح تهدأ، والعاصفة تتلاشى كما لو أنها لم تكن. سقطت نسمة على الأرض منهكة، تتنفس بصعوبة، بينما الناس من حولها ما زالوا يحدقون بذهول وخوف. بعضهم ركض بعيدًا، والبعض الآخر ظل واقفًا يتهامس: — "إنها مباركة… أو ملعونة." أما الحكيمة العجوز، التي تابعت المشهد بصمت، أغمضت عينيها وهمست لنفسها: — "وهكذا… بدأت نبوءة الرياح تتحقق أمام أعين الجميع." لكن نسمة، وهي ترتجف، لم تفكر في النبوءة ولا في خوف الناس… بل في شيء واحد فقط: لقد فقدت السيطرة… والريح أظهرت نفسها من خلالها. بعد أن هدأت العاصفة، غطى صمت ثقيل الساحة. لم يعد يسمع سوى صفير الرياح المتأخرة وهي تتلاشى بين الأزقة، كأنها تنسحب خجلى بعد غضبها المفاجئ. الأتربة غطّت الوجوه، والفوانيس سقطت أرضًا، والخبز تطاير كأوراق جافة. كانت نسمة تجلس على الأرض، ركبتيها ملتصقتان بصدرها، تتنفس بصعوبة، كأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً عليها. العيون كلها مسلطة عليها: دهشة، خوف، اتهام… ومزيج من رهبة لا يعرفها إلا من شهد قوة لا يمكن تفسيرها. اقترب رجل من الرجال الكبار، صوته متهدج وهو يصرخ: — "لقد جلبت اللعنة إلى القرية!" ثم أشارت امرأة وهي تضم طفلها: — "رأيتُها بعيني… كانت وسط العاصفة وكأنها روح شريرة." لكن آخرين لم يتحدثوا. اكتفوا بالنظر، وجوههم جامدة، وكأنهم يحاولون أن يقرروا: هل ما رأوه هبة من السماء أم لعنة من الظلال؟ أم نسمة ركضت نحوها، احتضنتها بقوة وأخذت تهدهدها: — "كل شيء بخير يا صغيرتي… كل شيء بخير." لكن قلبها كان يخفق بجنون، وعيناها مليئتان بالخوف مما رأته للتو. نسمة رفعت رأسها، نظرت حولها إلى الفوضى التي خلّفتها. رأت الأطفال الذين كانوا يسخرون منها قبل قليل يرتجفون خلف أمهاتهم. رأت شيخًا يلوّح بعصاه نحوها كأنه يطرد شيطانًا. وشعرت لأول مرة أن الرياح التي كانت صديقتها… يمكن أن تكون سلاحًا مدمّرًا. تمتمت بصوت مبحوح، بالكاد تسمعه أمها: — "أنا… لم أقصد." لكن الحكيمة العجوز تقدمت بخطوات بطيئة نحو الساحة. وقفت أمام الجميع، غرزت عصاها في التراب، فعمّ السكون أكثر. قالت بصوت عميق: — "ما شهدتموه اليوم ليس لعنة… بل نبوءة. الريح لا تختار طفلًا عبثًا، وما نسمة إلا بداية طريق لم يُكتب بعد." التفت الناس نحوها، نصفهم يبحث عن الأمل في كلماتها، والنصف الآخر يزداد خوفًا من غموضها. أما نسمة، فقد شعرت كأن الأرض تدور تحت قدميها. لم تعد تعرف… هل هي طفلة عادية أم حقًا وريثة للريح؟ لكن الأكيد أنها لم تعد مثل البقية. في تلك الليلة، جلست عند نافذتها وحدها، الريشة البيضاء التي وجدتها سابقًا كانت ما تزال بين يديها. رفعتها للريح، وقالت بصوت مرتجف: — "لماذا أنا؟ ماذا تريدون مني؟" جاءها همس ناعم، كنسمة دافئة عبرت وجنتها: — "أنتِ مفتاح التوازن… وإن لم تفتحي الباب، ستفتحه الظلال." ارتعشت يدها، وأدركت أن ما حدث في الساحة لم يكن سوى البداية. الليل كان ثقيلاً على قرية "لينوار". الغيوم حجبت القمر، والريح التي اعتادت أن تلاعب شعر نسمة بدفء مألوف، حملت هذه المرة برودة غريبة، كأنها همسات قادمة من عالم آخر. كانت نسمة جالسة قرب النافذة، يديها ترتجفان وهي تستمع إلى صفير الرياح الذي بدا أشبه بكلمات مقطعة. همسات تتسلل إلى أذنيها: "القدر يقترب… الحارس يختار… لا تثقي بكل صوت…". ارتعش قلبها، لم تفهم إن كانت هذه كلمات خيالها أم أن الرياح تتحدث حقاً. لكن كلما أغمضت عينيها، رأت ظلالاً تتحرك في العاصفة، أشكالاً بشرية بلا وجوه، كأنها تبحث عنها. في الصباح التالي، اجتمع كبار القرية في الساحة الرئيسية. تحدّث أحد الشيوخ بصوت متهدج: "لقد هبت رياح غريبة الليلة الماضية… حملت معها صدى من الماضي. هذه ليست ريحاً عادية، بل نذير… شيء ما يقترب من إيرينيا." نسمة بقيت صامتة، لم تخبر أحداً بما سمعته. لكن في داخلها، كانت تشعر أن تلك الهمسات موجهة إليها وحدها. ومع مرور الأيام، بدأت ترى إشارات أكثر غرابة: أوراق أشجار تتحرك لتشكل رموزاً لم تفهمها. قطرات المطر تتساقط لترسم دوائر على الأرض حول قدميها. الرياح تدفعها دائماً نحو الغابة المحرّمة شرق القرية.