اسطورة الرياح - فصل ثالث - بقلم Kim Nesrine - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسطورة الرياح
المؤلف / الكاتب: Kim Nesrine
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل ثالث

فصل ثالث

✦ الفصل الثالث: رسائل النسيم منذ المهرجان، تغيّر كل شيء بالنسبة لنسمة. لم تعد الرياح مجرد أنفاس تهب وتذهب… بل أصبحت حاضرة في كل لحظة، تُرافق خطواتها كصديقة خفية لا يراها أحد سواها. كانت تستيقظ أحيانًا قبل الفجر على همسات غريبة، كأن النسيم يدخل نافذتها ليكتب لها كلمات مبعثرة على زجاج مغطى بالندى. في إحدى الليالي، رأت بخار أنفاسها يرسم شكلًا دائريًا، تتوسطه أربع نقاط مضيئة. مدّت إصبعها لتلمسه، فتلاشى سريعًا، وكأن الريح لا تريد أن تكشف كل أسرارها دفعة واحدة. في النهار، أثناء لعبها مع الأطفال، كانت أوراق الأشجار تتطاير حولها بشكل منظم، تُكوّن رموزًا غامضة أشبه بالأحرف القديمة. أحيانًا ترى فراشة تتبع مسار الهواء، فترسم أمامها خطوطًا كالهلال أو الموج. وأحيانًا تسمع صوتًا طفوليًا يضحك معها… ثم يختفي. ذات صباح، جلست على صخرة قرب النهر وهي ترسم دوائر على التراب. فجأة هبت نسمة باردة وجمعت الرمال لتُشكل أمامها رمزًا واضحًا: ريشة تحيط بها دوامة. ارتجف قلبها الصغير، لأنها رأت نفس الرمز في عصا الحكيمة العجوز ليلة المهرجان. عادت مسرعة إلى بيتها، ووجدت أمها تخبز الخبز. قالت بصوت مضطرب: — "أمي… الريح تكلمني." رفعت الأم رأسها ببطء، في عينيها خوف مكتوم، ثم مسحت على شعر ابنتها قائلة: — "إنها مجرد أوهام طفلة حالمة." لكن نسمة لم تقتنع. تلك الليلة، تسللت إلى التل القريب، حيث اعتادت أن تجلس وحيدة. هناك، وقف الهواء ساكنًا بشكل غريب، كأن العالم كله توقف. ثم هبّت نسمة قوية أحاطت بها من كل الجهات، وصوت خافت جاء من كل اتجاه: — "نسمة… نحن الرياح. رسائلنا لكِ… ستفهمينها عندما يحين الوقت." عيونها الرمادية اتسعت رعبًا ودهشة، لكنها لم تصرخ. بل أغلقت عينيها وتركت الريح ترفع جدائل شعرها في دوامة، كأنها تُعلّمها كيف ترقص مع العاصفة. وفي الأفق، بين الغيوم المتجمعة، ومضة مظلمة مرت كبرق أسود. وكأن الظلال سمعت هي الأخرى رسائل النسيم مرت الأيام، والإشارات لم تتوقف، بل ازدادت غرابة. كانت نسمة تمشي في السوق فتهب ريح خفيفة تفتح أمامها الطريق وسط الزحام، أو تسقط تفاحة من عربة بائع لتتدحرج مباشرة عند قدميها. أحيانًا، حين تبكي، كانت الستائر ترتجف دون هواء، وكأن الريح تبكي معها. بدأت الهمسات الليلية تأخذ شكلاً أوضح. في إحدى الليالي، استيقظت على نسمة باردة دخلت غرفتها رغم أن النوافذ مغلقة. رفعت رأسها فرأت الغبار يتطاير في الهواء ليكتب جملة قصيرة على الحائط: "البداية اقتربت." شهقت الطفلة وتراجعت للخلف، حتى كادت تسقط من سريرها. لكن الغبار تلاشى، والهمس عاد أكثر وضوحًا: — "نحن نحميك… لا تخافي." في الصباح، ذهبت مسرعة إلى الحكيمة العجوز، التي كانت جالسة عند أطراف الساحة تُصلح خرز عقد قديم. ترددت قليلًا ثم قالت بصوت خافت: — "أنا… أسمع الرياح. أراها تكتب لي أشياء." رفعت الحكيمة عينيها المليئتين بالتجاعيد، حدقت في الطفلة طويلًا ثم ابتسمت ابتسامة غامضة: — "الرياح لا تختار أحدًا عبثًا يا صغيرة… لكن كل اختيار له ثمن." لم تفهم نسمة معنى كلامها، لكن قلبها انقبض. وفي تلك الليلة، رأت حلمًا غريبًا: كانت تقف وسط سهل واسع، حولها أعمدة هواء شفافة تتحرك كالكائنات الحية. أربعة منها مضاءة: أبيض، ذهبي، أزرق، وأخضر. أما الخامس، فكان مظلمًا كالرماد، يراقبها من بعيد. اقتربت منها الريح البيضاء وهمست: — "نحن أنفاس البداية… وأنت أنفاس النهاية." ثم اندمجت الألوان الأربعة في جسدها الصغير، فشع ضوء قوي أيقظها وهي تلهث. عندما فتحت عينيها، اكتشفت أن غرفتها مقلوبة رأسًا على عقب: الأثاث انقلب، النوافذ فُتحت وحدها، والبرد يملأ المكان. في يدها، وجدت ريشة صغيرة لم ترها من قبل… بيضاء تمامًا، تتوهج بضوء باهت. شعرت بالخوف، لكنها في أعماقها أحست أن هذه الريشة ليست مجرد علامة. إنها رسالة… بداية عهد جديد. وفي مكان بعيد، بين الجبال الشمالية، ارتفعت دوامة هواء مظلمة كأنها استجابت لولادة تلك الإشارة. همس صوت خشن من قلب العاصفة السوداء: — "لقد بدأت اللعبة أخيرًا."