فصل الثاني
✦ الفصل الثاني: أنفاس البداية
كان الليل قد أرخى سدوله على ساحة "إيريس"، العاصمة التي تُقام فيها أكبر احتفالات الرياح كل عام.
في وسط الساحة، ارتفعت مشاعل من النار تُشبه دوامات هوائية مضيئة، وحولها تجمع الكبار والصغار، الرجال والنساء، وكلهم يرتدون أردية مطرزة برموز الرياح الأربعة.
في السماء، ترفرف شرائط حريرية طويلة بألوان مختلفة: الأبيض للشمال، الذهبي للجنوب، الأزرق للشرق، والأخضر للغرب.
جلس الجميع في دوائر صامتة، حتى تقدمت "حكيمة القرية"، امرأة مسنّة ذات شعر فضي ووجه محفور بالتجاعيد كأنه مرآة لزمن بعيد. حملت في يدها عصا طويلة تتدلى منها أصداف وريش طيور، وعندما غرسَتها في التراب، هبت نسمة باردة جعلت الجميع يحدّق بدهشة.
رفعت الحكيمة صوتها وهي تروي:
> "في البدء، لم تكن هناك أرض ولا سماء… كان كل شيء صمتًا لا ينتهي.
ومن عمق الصمت، شهقت السماء أول نفس، فولدت الريح العظمى.
تنفست مرة، فانبثق الشمال بثلوجه.
تنفست ثانية، فاشتعل الجنوب بحرارته.
تنفست ثالثة، فاهتز الشرق بأمواجه.
تنفست رابعة، فاخضرّ الغرب بغاباته.
وهكذا وُلدت إيرينيا، وهكذا قام حراس الرياح الأربعة بحماية التوازن.
لكن مع كل ولادة نور، يولد ظل… وهكذا خرج زيفان – ريح الظلال، ليغوي القلوب ويقلب الموازين.
لهذا، كل عام نحتفل بأنفاس البداية، لئلا ننسى الوصية: إن ضعفت الرياح أو انحرف أحدها، تبتلع الظلال أرضنا."
ارتجّت الساحة بهتافات الناس، وارتفعت أصوات الأطفال يغنون أغنية قديمة عن الحراس الأربعة.
في وسط الجمع، جلست نسمة الصغيرة بجانب والدتها. كانت بعمر السابعة، بعينين رماديتين تلمعان تحت ضوء المشاعل. لم تكن كسائر الأطفال؛ بينما كانوا يصفقون ويضحكون، كانت تحدّق في الشرائط الحريرية المعلقة في السماء كأنها تسمع همساتها.
وفعلاً… هبّت نسمة قوية، جعلت الشريط الأبيض يطير أكثر من غيره، وانحنى نحوها كأنه يحييها. شهقت والدتها بخوف وهمست:
— "الريح… اختارتك."
في تلك الليلة، عندما عادت نسمة إلى منزلها، جلست قرب النافذة، وتركت الرياح تدخل شعرها. سمعت صوتًا خافتًا يمر في أذنها كهمس:
— "نحن هنا… سنكون معك."
لم تفهم الطفلة المعنى، لكنها ابتسمت… وكأنها وحدها في العالم قادرة على مصادقة الرياح.
وفي الخارج، كانت الحكيمة تنظر من بعيد نحو منزلها، وتتمتم بحذر:
— "بدأت النبوءة تتحرك…"
لم تستطع نسمة أن تنام تلك الليلة.
الريح كانت تتسرب من كل شق في جدران البيت الطيني، تهمس لها بكلمات لا تفهمها لكنها تشعر بها في عظامها.
كانت الرياح تُداعب ستائر الغرفة، تتلاعب بخصلات شعرها السوداء، حتى بدا كأن الغرفة كلها ترقص حولها.
اقتربت أمها لتغطيها بالبطانية وهمست بحنان:
— "هيا يا صغيرتي، نامي، غدًا يوم طويل."
لكن نسمة لم تُجب. كانت تحدّق في الظلام، وعيناها الرماديتان تلمعان كما لو عكستا القمر.
وفجأة، انطلقت من النافذة نسمة هواء قوية، أطفأت الفانوس الزيتي وأحدثت دوامة صغيرة في الغرفة. ارتجفت الأم وسرعان ما رسمت على صدر ابنتها علامة قديمة للحماية، وهي تتمتم بآيات من وصايا الرياح:
— "احمينا من الظلال، واهدينا إلى التوازن."
ابتسمت نسمة، ثم همست وكأنها تُجيب أحدًا غير مرئي:
— "لن أخاف… الريح معي."
في اليوم التالي، بينما كانت الساحة تستعد ليوم جديد من المهرجان، ركض الأطفال نحو النهر ليلعبوا. نسمة تبعتهم، لكن شيئًا غريبًا وقع.
عندما حاولوا رمي قوارب ورقية صغيرة في الماء، هبّت ريح مفاجئة دفعت قارب نسمة وحده ليطفو بسرعة أكبر، بينما تجمدت قوارب الآخرين في مكانها.
ضحك الأطفال في البداية، لكن سرعان ما خيم عليهم الصمت، وحدّقوا في نسمة بعيون واسعة.
إحدى الفتيات صاحت بخوف:
— "إنها ساحرة الرياح!"
بينما ولد آخر قال بحسد:
— "لا… الريح تحبها فقط."
وقفت نسمة مرتبكة، قلبها الصغير يدق بسرعة، لكنها سمعت مجددًا ذلك الهمس الدافئ في أذنها:
— "لا تحزني… نحن نلعب معك."
لكن ما لم يفهمه الأطفال، هو أن اللعبة البريئة تلك لم تكن سوى أول علامة.
أول خيط صغير من نبوءة أكبر… نبوءة ستجعل اسم "نسمة" يُذكر في كل أسطورة.
وفي مكان بعيد، على أطراف الغابة الغربية، وقف شيخ غامض يرتدي رداءً داكنًا يتطاير مع الرياح.
ابتسم وهو يراقب بعينيه اللامعتين حركة الهواء حول الطفلة، ثم همس بصوت بارد:
— "إذن… وريثة الريح وُلدت حقًا."